منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

أسرتي: زوجي، عاتبْني بلطف


الشيخ محمَّد الحمود


زوجي يدخل المطبخ عندما يكون نظيفاً، أقول في نفسي: "إنَّه لن يجد ما ينتقده"، فإذا به يقول: "لماذا هذا هنا؟"، ويفتح الأدراج ويقول: "ولماذا لم ترتّبي هذا وذاك؟"، ثمَّ يفتح الثلاجة ويقول: "لا تضعي هذا هنا بل ضعيه هناك".

لماذا لا يرى تعبي وجهدي في المنزل ويبحث دائماً عن الثغرات؟!

وعندما يعود من العمل يكرّر كثيراً ويسأل: "هل درَّستِ الأولاد؟ هل أكل الأولاد جيّداً؟ هل...؟".

وعندما نجالس أطفالنا وهم يلعبون حولنا، يقول فجأةً بتأنيب: "لماذا الغرفة غير مرتّبة؟" فأجيبه: "كانت مرتّبةً ولكنّ الأولاد يلعبون الآن، وبعد اللعب ستكون على ما يرام"، ولكن هذا لا يعجبه!

كلمات نراها صادرةً عن بعض الأزواج، على شكل توجيه أو نقد. نعم، قد تكون في محلّها ومحقّة، ولكنَّها تُقدَّم بأسلوب حادّ، أو بنبرة ساخرة، أو بصيغة لاذعة. تُرى، كيف يمكن للزّوج أن يوصل ملاحظاته لزوجته دون أن يسبّب لها إزعاجاً، ولا تشعر في الوقت نفسه أنَّ المراد هو الانتقاص منها؟

* أمور تجعل نقدك لطيفاً
ممَّا لا شكّ فيه أنَّكَ حريص على زوجتكَ وتريد الصلاح لها والإصلاح بإخلاص(1). لذا ضع نُصب عينيكَ قول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18)، ثمَّ فكِّرَ قبل انتقادها في حسناتها قبل سيّئاتها، وغضّ النّظر ساعتئذٍ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. وإذا كان لا بدَّ من توجيه ملاحظة أو نصح ما لها، فهنالك أمور عدّة جديرة بإنجاح ملاحظتك أو نصيحتك، ليكون أثرها لطيفاً مقبولاً، منها:

1- البدء بالثّناء عليها من خلال ذكر إيجابيّاتها أوّلاً، كما فعل الإمام الكاظم عليه السلام عندما أراد انتقاد أحد أصحابه(2)، حيث قال عليه السلام له: "يا صفوان، كلّ شيء منكَ حسن جميل، ما خلا شيئاً واحداً..."(3).

2- استخدام عبارات جاذبة في المقدّمة، مثل: "حبيبتي، أليس من الأفضل كذا"، أو "عزيزتي، لو فعلتِ كذا لكان أحسن"، وغيرها من العبارات الّتي ستصل إلى قلب زوجتكَ قبل أذنيْها، فتتقبّل بالتّالي ملاحظاتكَ البنّاءة بموضوعيّة.

3- انتقاء الكلمات بعناية شديدة، فقد تكون محتاجاً إلى تغيير بعض كلمات قاموسك؛ (لأنَّها قد تحتاج إلى بعض التّجميل قبل إطلاقها)، وأن تقولها بأسلوب لائق ولبق، فالله عزّ وجلّ قد قال: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125). مثلاً تريد أن تقول لها إنّ تنظيم غرفة الجلوس فاشل أو الطعام مالح، يمكنك أن تستبدل الجمل بـ: "عزيزتي، ما رأيك بأن نجد طريقة أخرى لتنظيم الغرفة؟"، وبنبرة منخفضة وهادئة مع ابتسامة دافئة.

4- استخدام التّلميح بدلاً من التّصريح مع الإمكان، فلو كنت تريد أن تطلب شيئاً، يمكنك القول: هل لدينا كذا..؟

5- انطلاق التّوجيه في إطار الدائرة المقصودة، وأن يكون لديكَ نظرة شموليّة للظروف والحيثيات للموضوع الصّادر عنها. مثلاً، لا تعتب عليها لتقصير واضح في أمر، ما لم تسألها عن حالها في ذلك اليوم، لربّما شغلها مرض طفل.

6- أن تكون الملاحظة بصيغة الالتماس لا الأمر، وأن لا تبدأ بكلمة أنتِ. مثلاً: أرجو أن تساعديني في كذا، أو هل يمكنك كذا؟

7- عدم انتقادها أمام الآخرين بالكلام أو من خلال نظرات حادّة، فإنَّ ذلك ينتقص منها أمامهم. قال الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام: "من وعظ أخاه سرّاً فقد زانه، ومن وعظه علانيةً فقد شانه"(4). ففكّر بالطريقة الآتية: هل تحبّ أن ينتقدكَ أحدٌ أمام أصدقائكَ أو أمام أحد أفراد أسرتكَ؟!

8- انتقاد الفعل نفسه وليس زوجتكَ التي قامت به، وإن كان ثمّة ما يستوجب العتاب، فعاتبها عتاباً ليّناً رقيقاً. وإذا كان الأمر متعلّقاً بصفة ملازمة لشخصيّتها يصعب عليها تغييرها، فراقب كلماتكَ جيّداً قبل إطلاقها. فكم من كلمة يمكن أن تخطئ هدفها فتصيبها وتجرح مشاعرها، وأنتَ لا تشعر بصداها!

* تجارب زوجيّة
حكت الشهيدة أُمّ ياسر زوجة الشهيد السيّد عبّاس الموسوي (رضوان الله عليهما) عن قصّة أوّل طبخة في حياتها الزوجيّة، حيث طبخت "الفاصوليا" ووضعتها على المائدة بفرح، وراحت تراقب زوجها، وتتابع ابتسامته وهو يأكل، لكنَّها عندما أكلت شعرت أنَّ ثمّة طعماً غريباً، وأنَّ هذه الطبخة لا تشبه تلك التي تُعدّها أُمُّها، لكنَّ زوجها لم يبدِ انزعاجاً، ورأته يضع الملح على الطعام، فقالت معتذرة: "نسيتُ الملح"، فقال لها: "بسيطة.. أحسن ما تكون مالحة، هيك كلّ واحد بحط ملح على ذوقه"، وواصل أكله برضى، مبتسماً شاكراً بين لقمةٍ وأخرى، وهي تنتظر أن يقول شيئاً عن الطعم الغريب، إلى أن جاءت السيّدة منيرة (أخت السيّد عبّاس)، وفور ما أكلَتْ قالت بامتعاض: "الطعم غريب!". فنظرت أمّ ياسر إلى زوجها مستفهمة، فابتسم وهو يتابع الأكل قائلاً: "بسيطة، استخدمتم البقدونس بدل الكزبرة، ولشدّة مهارتكم قمتم باختراع طبخة جديدة"(5).

* زوجتك تنتقدك
أيّها العزيز، قد ينقلب الحال وتكون أنتَ أحياناً محلّ انتقاد الزوجة، ولكنّكَ قد لا تتقبّل ذلك، فتغضب وتتجهّم، وقد تقول لها: "أنا على صواب، لا أريد سماع ما تقولين، أنا هكذا، أنتِ تعرفين أنّي كذلك، وعليكِ أن تتقبّليني كما أنا". كلا، فالتَّناصح بينكما أصل من أصول التّعاون على البرِّ والتَّقوى، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2). فمن هذا المنطلق، لا تأخذ حينئذٍ موقفاً عدائيّاً منها، أو تبادر إلى الرّدّ عليها بشكل فوريّ، أو تتسرّع في إلقاء اللوم على الآخرين وإزاحة المسؤوليّة عن نفسكَ. فهذا من علامات ضعف الثّقة بالنّفس، كما ينبغي أن تفترض حُسن نيّتها، وأنَّها تريد نصحكَ ومصلحتكَ، ولا تأخذ الأمور بشكل شخصي، وانظر بموضوعيّة إلى نفسكَ لتقف على عيوبها، وإن وجدتها فحاول إصلاحها. وهذا ما ترشد إليه الأحاديث المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام، فقد قال الإمام الجواد عليه السلام: "المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول ممَّن ينصحه"(6)، وكذلك قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: "مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الآراءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الخطأ"(7)، وهذا هو مسلك وطريقة العقلاء، والإنسان ليس معصوماً عن الأخطاء.

* "أمرني ربّي بمداراة الناس"
في الختام، لا تبحث عن عيوب زوجتك وتُظهرها، سواء أكانت جسديّة أم نفسيّة أم سلوكيّة، ولا تنقّب عن نقائصها وتشر إلى زلّاتها، وتغاضَ قدر الإمكان عن نواحي القصور لديها، وحاول أن تترفّعَ عن الصّغائر وتوافه الأمور، والتمس لها المعاذير، واحملها على أحسن المحامل، وتذكّر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أمرني ربّي بمداراة الناس، كما أمرني بأداء الفرائض"(8)، فكيف إذا كان من ينبغي أن تداريها هي أقرب الناس إليكَ؟ وإذا وجدت أنَّه لا بدّ من توجيه ملاحظة ما، فاسأل نفسكَ هذا السّؤال: "هل هذا سيساعد أو يضرّ بعلاقتنا؟ وهل سيوصل الرسالة أو لا؟".

وأخيراً وليس آخراً، قد تنتقد كثيراً من شؤون زوجتكَ أو بيتكَ، لكنَّكَ قد تتغافل عن كثيرٍ من الأخطاء والسّلبيات الموجودة لديك، فانتبه، فقد قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: "أكبر العيب أن تعيب غيركَ بما هو فيكَ"(9).

1- وذلك بأن تتجرّد عن كلّ العوامل والخلفيات الذّاتيّة.
2- وهو صفوان الجمّال.
3- روضة المتّقين في شرح من لا يحضره الفقيه، المجلسيّ، ج 6، ص 494.
4- تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ابن شعبة الحرّاني، ص 489.
5- الوصول (مشاهد من حياة امرأة مثال)، ص 116-117، بتصرّف.
6- تحف العقول، الحرّانيّ، ص 455.
7- نهج البلاغة، الحكمة 73؛ كنز الفوائد، ج 1، ص 367.
8- مستدرك سفينة البحار، النمازي الشاهرودي، ج 3، ص 274.
9- عيون المواعظ والحكم، الليثيّ الواسطيّ، ص 116.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع