هكذا عشقتُ الخمينيّ قدس سره تعزية: الشيخ فضل مخدِّر: وداعاً رجل العلم والأدب(*) أسرتي: زوجتي تحبّني بصمت أول الكلام: أمّ البنين تفاءلوا.. تنجوا كيف تفكّر بإيجابيّة؟ التفاؤل والتشاؤم: نظرة دينيّة مع الإمام الخامنئي: الممرّض.. ملاك رحمة (*) مع إمام زماننا: حتّى ظهور الشمس(1)(*) أسرتي: زوجي يحبّني.. بصمت

الحاجّ قاسم: شهادة بحجم الأمّة(*)

الشيخ نبيل قاووق
 

ورد عن النبيّ شعيب عليه السلام حكايةً أنّه "بكى من حبّ الله عزّ وجل حتّى عمى، فردّ الله عز وجل عليه بصره، ثم بكى حتى عمى، فردّ الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمى، فردّ الله عليه بصره، فلمّا كانت الرابعة، أوحى الله إليه: يا شعيب، إلى متى يكون هذا أبداً منك، إن يكن هذا خوفاً من النار فقد أجرتك [أبعدُتك عنها]، وإن يكن شوقاً إلى الجنة فقد أبحتك [أعطيتك إيّاها]، قال: إلهي وسيديّ، أنت تعلم إنّي ما بكيت خوفاً من نارك، ولا شوقاً إلى جنّتك، ولكن عقد حبُك على قلبي، فلست أصبر، أو أراك، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: أمّا إذا كان هذا هكذا، فمن أجل هذا سأُخدِمُك كليمي موسى بن عمران"(1).

هكذا هو الحاجّ قاسم، كلّه شوق إلى هذا اللقاء. 

* عاشق الشهادة
لم تأسره الدنيا، ولم يكن في قلبه شيء منها، هو رجل آخرة ولا بال له في الدنيا. كان يُفتّش عن الشهادة في مواطن الشهادة، في ميادين القتال في خوزستان، والأهواز وخرّمشهر، وشلمجه، والفاو... إلى القتال في لبنان، وسوريا، والعراق، وأفغانستان.

هو عاشق الشهادة. هو رجلٌ إلهيّ كان بيننا، ولا يزال. حبّ الشهادة هو عنوانه، أكثر من أربعين سنة وهو يطلبها.

* القرآن الكريم.. البوصلة
الحاجّ قاسم قائدٌ جهاديٌّ، استثنائيّ، استراتيجيّ، عبقريّ. هو قائدٌ مُلهم ورمزٌ، وعالمٌ يعمل بما يعلم، فأورثه الله توفيقاً وتسديداً وعلماً بما لا يعلم.

الناس يعرفونه كقائد جهاديّ، ولكنّه كان عالماً، يحرص على علوم القرآن، وعلى تفسيره؛ في وسط الليل كان يقرأ القرآن، والورقة والقلم بيده ليكتب الملاحظات كي يُفيد فيها إخوانه في جلساته.

في إحدى السفرات كنّا معاً، قال لي: "أنا في سفراتي كلّها، أحمل معي هذا (التاب)، فيه الكثير من المحاضرات ومجالس العزاء، وكذلك روايات وأحاديث أهل البيت عليهم السلام ".

* مناجاة الشهداء
كان يؤلمه أنّ رفاقه في الجبهة استشهدوا، وهو لم يُستَشهد بعدُ. لمن لا يعرف مكتب الحاجّ قاسم في طهران (في قصر فيروزي)، تجد جدرانه مليئة بصور رفاقه الشهداء، يميناً وشمالاً.

عندما يحضر صباحاً إلى مكتبه في طهران، يقف أمام الصور، فيبدأ من مجموعة الصور التي على جهة اليمين، يتحدّث ويناجي كلّ شهيد على حدة، ويبكي، ثمّ يُقبّل الصورة ويمسح وجهه بها، وينتقل إلى الشهيد الثاني، ثمّ ينتقل إلى الصور على جهة الشمال، وهكذا إلى أن يقف أمام كلّ الصور. وكان معاونوه ومساعدوه ومرافقوه، ينتظرونه حتّى ينتهي من مراسم تجديد العهد مع الشهداء. كان يفعل ذلك كلّما حضر إلى مكتبه، وذلك من شدّة عشقه للشهادة، وشوقه للقاء رفاقه الشهداء.

* الشهداء.. حديثه الدائم
في بيته، كان يقيم متحفاً للشهداء، يحتفظ بمقتنيات خاصّة بهم، مثل سترة الحاج عماد مغنيّة (رضوان الله عليه) وغيرها، فهو كان يعيش مع الشهداء، وأمنيّته كانت دائماً الشهادة.

كان جُلّ أحاديثه، خصوصاً في السفرات الطويلة، عن الشهداء، إذ كان يُحدّثني عن الشهيد باقري، الشهيد كاظمي، الشهيد همّت، وغيرهم من الشهداء. فقد كان يحفظ قصصهم ويرويها للشباب والمجاهدين.

* يا ليتني مكانه!
عندما استشهد الشهيد محمّد حسين الله داد، كنت حينها معه. انتزع معطفه، وطلب منّي خلع العباءة، ونزلنا معاً إلى القبر. جلس في القبر يبكي ويتحسّر لأنّه مَن يجب أن يكون ساكنه، وكان قد أحضر عباءة وسجادة من سماحة الإمام الخامنئيّ دام ظله فوضعهما في القبر، ووضع أيضاً تربةً من كربلاء، وبدأ يرتّب القبر ويفرشه ويزيّنه بالأعمال والأوراد والأذكار، ثمّ ألحدنا معاً الشهيد في القبر. ولعلّ سرّ اهتمامه بالشهيد وقبره لولعه أن يكون مثله!

هو الحاجّ قاسم عاشق الشهادة. كان يطلب دائماً أن نُعمّم ثقافة الشهادة، وأن نحكي حكايا الشهداء.

كان يقول: "طلبتُ من الإخوان في الحرس أن يقيموا دائماً مجالس ليتحدّثوا عن الشهداء في المدن والقرى؛ لأنّ ثمّة جيلاً صاعداً لا يعرف أيّام الجبهة، ولا أيّام الشهداء، يجب أن يعلم هذا الجيل ما هي ثقافة الشهادة. ثقافة الشهادة هي الصّلة بيننا وبين الله، والصّلة بيننا وبين أبي عبد الله الحسين عليه السلام ".

يقول الأخ الذي رافقه في آخر رحلة من بيروت إلى الشام قبل رحلة الشهادة الأخيرة إلى العراق: عادةً، ينام الحاجّ قاسم أثناء سفره بالسيّارة ليلاً، لكن هذه المرّة، كان يذكر الله دائماً، وقد قطع الذكر مرّتين، وفي المرّتين كان يُحدّث عن شهيد، أو خاطرة من خواطر الشهداء. لقد كان مستعدّاً للقاء الله. كأنّما كان عالِماً بموعد اللقاء!

* الدفاع عن السيّدة زينب عليها السلام 
رحل الحاجّ قاسم وفي زاده الكثير. يكفي أنّه سوف يلاقي أهل البيت عليهم السلام وهو يحمل راية الدفاع عن مولاتنا زينب عليها السلام، وحماية حرمات محمّد وآل بيته عليهم السلام.

يجب أن نشهد للحاجّ قاسم أنّه أوّل قياديّ تحمّل مسؤوليّة الدفاع عن مقام مولاتنا زينب عليها السلام. نعم، هو الذي حمّس، وهو الذي هيّأ المشاركة في سوريا، وكان حريصاً أن تكون فرصة خدمة مولاتنا زينب عليها السلام لجميع أفراد الأمّة.

ولكنّه كان يعتبر أنّ هذا مشروع تعبويّ عقائديّ، ويصنع النفوس والأجيال والأمّة.

* ماذا سأجيب يوم القيامة؟
الحاجّ قاسم، هو الذي كان يقود جموع الدفاع عن المقدّسات في بغداد وفي كربلاء وفي النجف وفي سامراء. في سامرّاء، كانت المعركة الأصعب، وكان كلّما حدّثه الإخوان عن إنجاز، يدخل إلى مقام الإمامين العسكريّينL؛ ليصلّي ركعتَي شكر لله.

في إحدى المعارك، أعطى أمراً بالهجوم، فقيل له: المهمّة صعبة يا حاجّ، اعذرنا لا يمكننا ذلك اليوم. فبكى، وهو في سامرّاء، وقال لهم: "كيف سأُجيب يوم القيامة إذا سُئلت: لماذا قصَّرت في حماية قبر والد مولانا الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف ؟".

* مواظب على المستحبّات
في أحد أيّام الشتاء والبرد والثلج في سوريا، يترك الحاجّ قاسم الإخوة المجاهدين نائمين، ويذهب إلى سيّارته في وسط الليل، فيجلس فيها ويغلق بابها، ويضيء مصباحاً يدويّاً صغيراً (أنتريك)، ويفتح القرآن ويبدأ بقراءته لثلاث ساعات متواصلة. حينها سمع كل مَن في الخارج صوت تلاوته ومناجاته. لقد كان يحرص على إحياء السحر وإحياء الليل بالنوافل، كما يحرص على الصوم المستحبّ، حتّى في أيام الحرّ والقيظ، فعندما كنّا في حلب، كان الحرّ شديداً، وكان الإخوان يسألونني عن حلّ شرعي للإفطار من شدّة القيظ، خصوصاً أنّهم وسط المعارك، فكنت أقول لهم: يجوز أن تخرجوا من حلب بالسيّارة (قطع المسافة الشرعيّة للسفر) كي تفطروا بحكم السفر، وتعودوا. والكثير من الإخوان كانوا يعتمدون هذه الطريقة؛ كي يصمدوا في المعركة، حتّى إنّني راجعت سماحة الأمين العام (حفظه الله) وقال لي: هذا الفعل صحيح. فقد كان هذا الحلّ جائزاً وممكناً. أمّا الحاجّ قاسم، فكان يجول على جميع المحاور في تلك المرحلة، التي استفاد كثيرٌ من إخواننا فيها بهذا الحكم ليفطروا؛ بسبب الحرّ الشديد والمسؤوليات الجهادية والصعوبات، ولكنّه كان يبقى صائماً.

كذلك، كان يحرص على الصوم المستحب، فعندما كان في بيروت في حرب تمّوز 2006م، صودف أنّنا كنّا في أيّام شهر رجب، وبقي صائماً صياماً مستحبّاً، رغم حرّ شهر تموز.

* صدقات لدفاع البلاء
كان الحاج قاسم يحرص على دفع الصدقات أثناء المعارك والهجومات، فكان يتّصل بالله من خلال هذه الطريقة: يدفع الصدقات، كان يقول لأحد الأشخاص مثلاً: اتّصل بالإخوة في كرمان، وقل لهم أن يدفعوا الصدقات قبل بدء الهجوم.

وكان في بعض الأحيان، يُرسل طلباً بالدعاء الخاصّ إلى سماحة الأمين العامّ لحزب الله (حفظه الله).

* صاحب الفضل
هو الحاجّ قاسم، صاحب الفضل في دنيانا على تطوير قدرات المقاومة، كلّ المقاومة؛ في لبنان، وفلسطين، وسوريا، والعراق، واليمن، وغيرها، حتّى شهد له العدوّ أنّه استطاع أن يحاصر الكيان الإسرائيليّ بالصواريخ الدقيقة، ممّا يُشكّل خطراً وجوديّاً، ولأوّل مرّة، على مستقبل الكيان الصهيونيّ.

كلّ الانتصارات التي كنّا نعيشها على مدى عشرين عاماً، هي بفضل الحاجّ قاسم. وغداً، مستقبلنا، ومستقبل الأُمّة سيكون زمن الانتصارات الأكثر والأعظم.

في الختام، مع رحيل الحاجّ قاسم، الكلّ منّا يشعر باليُتم، ويعصف بنا الألم. بشهادته، ألف جرحٍ في قلوبنا، كلّما مرَّت الأيام، بَرُدَت الجراح، ولكن كلّما بَرُدَت الجراح، اشتدَّ الألم. إنّها شهادةٌ بحجم الأُمّة، وحزنٌ بحجم الأُمّة. شهادةٌ أشعلت أرواحنا بالأسى، شهادةٌ ألهبت قلوبنا بالوجع.

هو الحاجّ قاسم الذي ينظر إلينا اليوم، يَشهدنا، يَسمعنا، هو بيننا. نتوجّه للحاج قاسم لنقول له: لقد ربحتَ وفزتَ وربّ الكعبة. هنيئاً لك الشهادة.


(*) كلمة لفضيلة الشيخ نبيل قاووق في تأبين الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في مبنى الجمعيّات، بتاريخ 23 كانون الثاني 2020م.

(1) علل الشرائع، الصدوق، ج 1، ص 75. 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع