مع الإمام الخامنئي: حزب الله يد لبنان وعينه نتائج مسابقة المهدي الموعود  عجل الله تعالى فرجه الشريف 13 كتابُ البقيّة.. حينما ينطق القلم.. حاضرون في كلّ ساح إعلام المجلّة.. خدمةٌ وصدقٌ ووفاء بين يدي المجلّة منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد

مشاركات القراء: الخطّة (ب)


مضر عبد الرحمن اليوسف


إنّ الشيطان، بخبرته الطويلة في مجال الإغواء، قد ييأس من قلب المؤمن؛ فلا دعواه تلقى قبولاً، ولا جنوده أمرهم مسموع، فيشتدّ حقده على عبد الله الذي لا يلقي له بالاً، ويزداد طمعه في تلك الجوهرة القلبيّة التي يمتلكها، ويستشيط غيظاً أن يرى كفّة الصراع تميل لصالح ذلك الذي لا يقوى أن يوقعه في شراكه، أو يدفعه إلى الفاحشة والرذيلة وارتكاب السوء. وهنا، يعمد الرجيم إلى تبديل استراتيجيّته بالكامل، والانتقال إلى الخطّة (ب)، الأكثر تناسباً مع هذا الإنسان المدرّع، الذي لا تؤثّر فيه وخزات الرماح وطعنات السيوف.


•صراعٌ من نوعٍ جديد
طبيعة الصراع الجديد ستكون صامتةً هذه المرّة، لا تُقرع فيها طبول الحرب، ولا يُسمع فيها صليل السيوف، فلا مغالبة للشهوة ولا إغراء بمالٍ أو إغواء بلذّة حرام. لقد انتهى زمن الأسلحة التقليديّة، ولا بدّ الآن من استعمال نوع جديد من الأسلحة يتناسب والدرع المنيعة التي يلبسها الخصم. وهكذا، يلجأ إبليس إلى وسوسة ذات طابع فريد، عمادها البثّ التدريجيّ للعُجب في قلب الإنسان المؤمن.

•وحش فتّاك
أيّامٌ وشهورٌ، بل وربّما سنوات من الاستقامة والإيمان والعمل الصالح، هذا أمرٌ لا شكّ عظيم، ولكنّ الخطر الكبير يكمن في أنّ الاطمئنان القلبيّ الناتج عن هذا، قد يُنسي الإنسان المؤمن حالة الاستنفار والخوف والدعاء المتواصل التي كان عليها زمن المعارك الغابرة، أيّام مغالبة الشهوة ومصارعة الهوى. وإذا ما وقع الإنسان في هذا الفخّ، يكون البند الأوّل من الخطّة قد نجح بجدارة (الاطمئنان القلبيّ لسنوات العبادة).

فهناك، وفي ركن مظلم من تلك النفس الطيّبة، ينمو يوماً بعد يوم وحش رهيب مليء بالحقد وحبّ الذات، ينتظر الفرصة الملائمة ليخرج إلى عالم الوجود، ويطلّ بوجهه القبيح، وحش بشع فتّاك اسمه "العُجب".

تمضي الأيّام، ويركن المؤمن أكثر فأكثر إلى حاله الجيّدة. الكذب سيّد الموقف، والفحشاء منتشرة في كلّ مكان، وهو لا يزال صامداً منيعاً لا يكذب، ولا يرتشي، ولا يرتكب الذنوب، وهكذا يتعالى صوت (الأنا) في ذاته كلّما أدّى طاعةً أو عمل صالحاً، ويتسرّب العُجب إلى نفسه تدريجيّاً. 

•ما الذي تغيّر؟
تستمرّ أيّام الحياة، ويبقى المؤمن في غفلة عن ذلك المسخ الذي ينمو بداخله، إلى أن يستيقظ الوحش أخيراً من رقاده الطويل، ويبرز بكامل عتاده الحربيّ ليقود الحرب بنفسه.

ولكن ما الذي تغيّر؟ إنّ الإنسان المؤمن لا يزال على حاله صالحاً نزيهاً، لا يكذب، ولا يسرق، ولا يقرب الفحشاء والمنكر، فما هو البُعد الذي أضافه الوحش إلى شخصيّته؟

إنّ العُجب وحده كافٍ لأنْ يودي بصاحبه إلى الهلاك، ويُحبط إيمانه وأعماله كلّها، ولكنّ الأدهى والأمرّ أنّ هذا الوحش إذا ما استيقظ، يستيقظ بعده عادةً عددٌ من الوحوش التي لا تقلّ عنه بشاعةً وخطورةً وفتكاً.

•وحوش جديدة
في اللحظة التي يستمكن فيها وحش العُجب، يتعالى صراخه هادراً في نفس الإنسان، ليخبره أنّه الأفضل والأكمل والأقرب إلى الله، وأنّ المخلوقات كلّها من حوله باتت أدنى رتبة، وينظر إلى جميع الناس على أنّهم هلكى ولا خير يُرتجى منهم، وأنّه أسمى من كلّ هذه الكائنات "الدونيّة الوضيعة"، وهكذا يولد وحش الكِبَر في نفسه.

وإذا ما استيقظ الكِبَر في النفس، فإنّه يمنح، وبالتعاون مع صاحبه "العُجب" لحاملهما قدرةً رهيبةً على استباحة كرامة الناس بدم بارد، والتقليل من شأنهم ومستواهم الدينيّ والأخلاقيّ، مبرّراً لنفسه أنّ الغالبيّة تحيا بلا ضمير، وتنتمي إلى مرتبة دونيّة، وتعيش السفليّة في الفكر والسلوك. إذاً، ها قد ولد وحش جديد اسمه "الظلم"!

وهكذا، تبدأ حقبة جديدة في حياة المرء الذي كان طيّباً، فالعُجب والكِبَر مستحكمان في قلبه، وإيقاع الظلم في العباد وإطلاق الأحكام المسبّقة عليهم، دون تفريق بين بريء ومذنب، أو تمييز بين خبيث وطيّب، أضحيا شيئين عاديّين دائمي الحدوث.

•أمام صحيفة أعماله
تستمرّ حياة الإنسان على هذا النحو إلى أن يموت، ثمّ يُبعث ليرى أعماله ويعرف نتيجة امتحانه، وهنا يصعقه مرأى صحيفته، ويدرك أنّ تلك الوحوش التي أسكنها ذاته قد عاثت في قلبه فساداً، فلوّثت نفسه الطيّبة، وأحبطت أعماله كلّها، وأذهبتها هباءً منثوراً، وعندها فقط يعرف المسكين حجم المصيبة التي حلّت به، ويتذكّر، ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ (الفجر: 23)، مقولة الشيطان الرجيم: "إذا استمكَنْتُ من ابن آدمِ في ثلاثٍ، لمْ أبالِ ما عَمِلَ، فَإِنّهُ غيرُ مقبولٍ منهُ، إذا استكثرَ عمله، ونسيَ ذنبَه، ودخلَهُ العُجُبُ"(1).

•هل الخطّة (ب) مضمونة النجاح؟
قطعاً لا، ولعلّ مفتاح مواجهتها يكمن في ضرورة إخضاع النفس لمراقبة مستمرّة ودقيقة، وتحديداً بعد القيام بالأعمال الصالحة، وعدم الاغترار بالحسنات، فالعدوّ يقظ متربّص، والمعركة لا تنتهي إلّا بالموت.

ويبقى الأهمّ بالتأكيد، الدعاء والتضرّع إلى الله عزّ وجلّ، فهو وحده من يملك شفاء القلوب وتطهير النفوس. وفي هذا المقام، نختم ببعضٍ من الكلمات الرائعة التي أوردها الإمام عليّ زين العابدين عليه السلام في دعاء مكارم الأخلاق: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَلا تَرفَعنِي فِي النَّاسِ دَرَجَةً إلّا حَطَطتَنِي عِندَ نَفسِي مِثلَهَا، وَلا تُحدِث لِي عِزّاً ظَاهِرَاً إلاّ أَحدَثتَ لِي ذِلَّةً بَاطِنَةً عِندَ نَفسِي بِقَدَرِهَا"(2).


1. بحار الأنوار، المجلسيّ، ج 69، ص 315.
2. الصحيفة السجّاديّة، من دعاء مكارم الأخلاق الكاملة، ص 100.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع