مع الإمام الخامنئي: الإمام الخمينيّ صانع التحوّلات (*) آثار الانتظار (3): الارتبــــاط بالإمام عجل الله تعالى فرجه(*) إلى كل القلوب: وصية الأمير عليه السلام: تقوى الله (2) تسابيح جراح: وصار الجرح هويّتي حكايا الشهداء: السيّد ذو الفقار عن قُرب أخلاقنا: الأسرة: مجلسُ أخلاق (2) أول الكلام: على أعتاب المعصومــة عليها السلام بقـــمّ منبر القادة: إنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ وصيّة الأمير عليه السلام: تقوى الله(1) أيام الله: ليلة القدر وليالٍ عشر

تسابيح جراح: وصار الجرح هويّتي

لقاء مع الجريح المجاهد محمّد مهدي فايز شكر (حيدر)
حنان الموسويّ


كانت مهمّتي تفكيك حقل الألغام في جرود عرسال، تمهيداً لهجومٍ سرَّع من ميقاته هجومٌ قام به عناصر الجيش الحرّ على نقطة فيها مجاهدون، ما أدّى إلى سقوط شهداء منهم. 

علّقت ظلّي جانباً ورحت أصلح ما أفسدته أيدي العدوّ في المسافات الحبيبة. لبست الهدوء، ورحت أفكّكها الواحد تلو الآخر؛ الأوّل والثاني، فالثالث، فالرابع، ثمّ جرَّ اللغم الأخير الموت في طيّاته لي كهديّة، فصار قلبي كمغتربٍ قديم. اختفى النور وأدركني الصمت بعد صرخةٍ دوّت، كانت على مسمع صديقي المرافق لي. بعثر اللغم ملامحي، وانتشرت شظاياه في وجهٍ ما عدت أملك خارطته كما لو كنت غيري، وفي جسدٍ شتّتَتْه الجهات، تركته نازفاً، وصرت كالعابر فوق الموج دون الغرق.

حملني الرفاق سريعاً. في الإسعاف، تقاسمت الطريق والصمت مع وجعي، وسال القول من روحي مناجاةً.

•رسالة من القبر
ظللت أناجي صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف حتّى وصلت المشفى، وفي ملكوت الفكر أنّي راحلٌ. كلّما حرّكني المسعفون والممرّضون، ركز في بالي أنَّ الملائكة تقلّبني ذات اليمين وذات الشمال لتشييعي. حجّتي كانت الرؤيا التي عشتها قبل يومَين فقط؛ رأيت ضريحي في روضة الشهداء يُحفر. كان الحفّار ينبش التراب برويّة، يذروه بحنان. للمشهد ما يكفيه من الغرابة، ولرائحة المكان العابقةِ بالقداسة نشوةٌ تأنس بها كلّ روح. مقلتاي كانتا بمثابة كاميرا تلتقط أدقّ تفصيل، ترقب الظلال وتتحسّس خطاها. مررت قرب القبر، رمقته بحنينٍ وشوقٍ كبيرَين، بعدها مضيت.

تلك الإشارة نام على أهدابها الياسمين، رحمة ربّي ستشملني.

•الجرح الهويّة
بعد وصولي إلى مشفى دار الحكمة في بعلبك، خضعت لجراحة بُترت فيها كلتا يديَّ، وجراحة لعينيَ اليسرى لأنّ نورها انطفأ، كما ضُمِّدت جروح وجهي وانتُزِعتِ الشظايا من كامل جسدي. مكثت فيه ثلاثة أيّامٍ، بعدها نقِلتُ إلى مشفى بهمن في بيروت، فبقيت فيه أيّاماً تسعة، تعرّضت خلالها لنوباتِ ألمٍ يصعبُ وصف حدّتها، ورثت خلالها عن الصبر بُشرتَه، وصار الجرح هوّيتي. 

•جهادٌ مبكر
نشأت في منزلٍ كلُّ أطياف الحبِّ تعرّشت على جدرانه، في كنف عالم دينٍ زرع في نفسي آياتٍ مليئةً بالجهاد والصبر، تحوطني بيئةٌ تأسّس بنيانها على مقاومة الظلم. خضعت لدوراتٍ عديدة مذ أتممت ربيعي الخامس عشر، إلى أن انضممت إلى صفوف المجاهدين عام ٢٠٠٧م، حيث خضعت لاحقاً لدورةٍ عالية المستوى في اختصاص الهندسة، تدعى "حرب الألغام". هو عالم خطر جدّاً، حرب أفكارٍ، وعلى المختصّ به أن يكون مشبع الذهن صافي الفكر.

بالتزامن مع عملي تابعت دراستي، حتّى حصلت على شهادة TS3 في اختصاص المعلوماتيّة. بعد الإصابة، درست السنة الأولى في اختصاص عالم الاتّصالات، كما أنَّ الله وهبني زوجةً بمثابة يدٍ تمتدُّ من جدار الغيب تتصاعد نحو السماء. كان رزقي المقسوم في عالم الملكوت منها طفلان هما نعيم هذه الدنيا. 

•وما زلت أقاوم
لم تثنني إصابتي عن متابعة الطريق لحظة. اخترت أن أكمل ما بدأت به عبر فرقةِ "جراح" الإنشاديّة التابعة لمؤسّسة الجرحى. أكرمني الله بنعمة الصوت الحسَن، فشاركت في العديد من النشاطات، منها أوبريت "وما زلت أقاوم". الجهاد بالكلمة يلي الجهاد بالنفس والدم، خاصّة إن كان مظهر الإنسان ينقش هويّته، ويجسّد عقيدته كما السلوك أيضاً. فكلُّ مَن يرى جريحاً يقوده فكره إلى عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام، فكيف بقطيع يدينِ وفاقد لعينٍ يواسي أبا الفضل العبّاس عليه السلام، رمز التضحية والإيثار؟ وتطبيقاً لما أوصانا به أئمّتنا عليهم السلام: "كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا"، أسعى إلى تجسيد ذلك بأفعالي وأخلاقي قولاً وفعلاً، مع عذري الدائم لآل البيت عليهم السلام لأنّي المقصّر. 

•ميراثُ العظمة
إلى إخوتي المجاهدين، من صاحبوا حتفهم ومضوا دون تردّد: بكامل السكون أرسم في الهواء لهفتي للعودة إلى سوح الجهاد، كم أهفو لأكون بينكم، لكنّ قامة جهادي الأصغر كانت أطول بقليلٍ من عمر الزهور. اغتنموا فرصة العافية ونعمة القُدرة، فالعمر حزمة مشاوير، وأجمل السياحة سياحتكم. ثمانيةٌ وعشرون حرفاً تنطق عنّي وأنا على شفير اللغة أمرُّ من وجه السماء أغبطكم. أنتم المدافعون عن الشرف والعرض وحدود الأوطان، حاموا ما استطعتم بكلِّ ما أوتيتم من قوّةٍ وبقاء، فهذا الخطّ رئة العالم المتّصلة بالحجّة القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف، والممهّد لظهوره المبارك، وهو ميراث العظمة الذي أولانا الله إيّاه.

أمّا لإخوتي الجرحى: أفاجئ صوتي بصمتٍ مباغتٍ حين أذكر جراحكم ومعاناتكم وقد عشتها وأحسستها مثلكم. في حقل لغتي وأفكاري تقصر العبارات لوصفكم، وأنتم واجهةُ الصمود والاستمرار على الرغم من سيل الألم، من ساومتم بثباتكم معجزة للحدوث، فكنتم مثال الإصرار والثبات ورسوخ العزيمة. علّمتم العالم أنّ الجرح لا يهزم رجالاً باعوا الله جماجمهم، وأنّ أسماء الجرحى تبقى ساطعةً خالدة في تاريخ المِحن. 

•رمز التضحية
إلى مَن باع دنياه بآخرته، سماحة السيّد حسن نصر الله دام رعبه، والد الشهيد هادي، الذي كان السبّاق في بذل فلذة كبده، ولم يتوانَ قيد أنملةٍ عن التضحيةِ بالمال والولد للحفاظ على عزّتنا وكرامتنا. أسأل الله له الثبات والعون والصبر، فالحمل ثقيل، والأمانة عظيمة، كلّ خطوةٍ يخطوها في ميزان الله والناس لها ألف ألف حساب. أحمد الله أنّي خُلِقت في زمن وُجِد فيه هذا الإنسان، قائد الأرواح والدماء. كم أتمنّى لقاءه ورؤيته عن كثب، للتبرّك بمن وجوده أكبر من الحضور والبقاء في آنٍ، الماكث في كلّ نبضٍ على الرغم من العناء. شغفي للقاء ليس دنيويّاً أو لغايةٍ في نفسي، إنّما لأبثّه ما يجول في خاطر كلّ من عرفته، خاصّةً من كانت في قلبه ندوبٌ محفورة من مزاح الدنيا السمج.

الجريح: محمد مهدي فايز شكر.

الاسم الجهاديّ: حيدر.

تاريخ الولادة: 21/3/1989م.

مكان الإصابة وتاريخها: جرود عرسال 28/4/2015م.

نوع الإصابة: بتر في اليدين وإصابة في العين اليسرى مع شظايا في كامل الجسد.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع