مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

الإمام الخامنئي دام ظله: تعلّمتُ من أمّي(*)

السيّد علي مرتضى


مَن هي هذه الأمّ التي أنجبت لنا هذا القائد العظيم؟ كيف تحدّث هو عنها؟ وما هو الدور البارز الذي لعبته في تكوين شخصيّته العظيمة؟

محطّات من كلماته تعكس لنا مواصفات والدة قائد الثورة الإسلاميّة الإمام السيّد عليّ الخامنئيّ دام ظله.

•شغفها بالقرآن
وُلدت السيّدة خديجة ميردامادي ابنة آية الله السيّد هاشم نجف آبادي في النجف الأشرف، فساعد ذلك على تعلّمها اللّغة العربيّة، وإتقانها اللهجة العاميّة النجفيّة، كما ساعدها ذلك الجوّ على قراءة القرآن. يقول ابنها الإمام الخامنئيّ دام ظله عنها إنّها كانت "تُحسن القراءة بصوت رائع، وفي أواخر أيّام حياتها بُحَّ صوتها، فكنت أذكّرها بصوتها الرائع". وقد كان لها اهتمام خاصّ بالقرآن الكريم، فتواظب على قراءته يوميّاً في مصحف خاص مُهدى لها من والدها، "وكانت طريقتها في القراءة تجتذبنا ونحن صغار، فنلتفّ حولها ونصغي إلى تلاوتها". وبما أنّها كانت واعية، وعالمة، ومربيّة هادفة فقد "كانت تغتنم الفرصة، فتترجم لنا معاني بعض الآيات إلى الفارسيّة، وتحكي لنا قصص الأنبياء. وشغفها بحياة موسى عليه السلام، كان يدفعها إلى أن تقصّ علينا حياة هذا النبيّ العظيم بتفاصيلها كلّها، وتتكلّم عن موسى عليه السلام بإعجاب يثير فينا لهفة لاستماع أخباره".

•إجادتها للغة العربيّة
كانت تجيد العربيّة؛ لأنّ جدّها من أسرة الميردامادي من نجف آباد - أصفهان، وقد رحل إلى النجف الأشرف، وكان والدها من العلماء الفضلاء ويجيد العربيّة، فنشأت في هذه الأسرة المتديّنة وفي أجواء النجف، فكانت متديّنة عالمة تجيد العربيّة، وانعكس ذلك ولو بطريقة غير مباشرة على تعلّق القائد دام ظله بهذه اللغة، وقد قال فيها: "كنت مولهاً باللغة العربيّة"، ويقول: "يعتريني شعور خاصّ حين أستمع إلى اللغة العربيّة، وأهتزّ من الأعماق لسماع هذه اللغة".

أرسلته أمّه ذات يوم لشراء الأرزّ في النجف، وكانت البقّالة امرأة، فقال لها: "عندكم رز؟"، قالت باستغراب: "رز؟! شنو رز؟!". فقال لها: "رز"، وشرع يوضح لها بالإشارة معنى "الرز"، فلم تفهم عليه، ثمّ صرفته من عندها؛ لأنّه لا يوجد عندها أرز. وعندما عاد إلى منزله وأخبر والدته بما حصل، ضحكت، وقالت له: "قل لها: تمَّن لا رز"، ثمّ ذهبت بنفسها واشترت التمّن.

•اهتمامها بالأدب والحديث
تعدّت لغتها العربيّة إلى لغتها الأمّ، وهي الفارسيّة، وكانت تجيدها على مستوى الأدب الفارسيّ الراقي والأصيل، فكانت "مأنوسة بديوان حافظ الشيرازي". كانت عارفة بالحديث، ويذكر عنها سماحته دام ظله أنّها كانت تذكر لهم حديثاً، فيعترض عليها والده قائلاً: "لم يصادفني هذا الحديث"، فتذكر له المصدر، ممّا يعني أنّها كانت تربّي أبناءها على القرآن الكريم، وقصص الأنبياء، والأحاديث الشريفة، واللغة العربيّة، مهتمّة بجمعهم حولها وتعليمهم إيّاها.

كانت تسعى لتعليم القائد دام ظله اللغة العربيّة، وكان والده قد أخرجه مع أخيه من المدارس الرسميّة خشية الخروج عن ارتداء الزيّ الدينيّ، والتحقا بالدراسة الحوزويّة، وهنا كان دور الأم، حيث قامت بتعليم القائد دام ظله كتاب "الأمثلة"، إلّا أنّه لم يكمل دراسة هذا الكتاب معها.

•التشجيع والوعي
اعتُقل القائد دام ظله في بيرجند، وكان اعتقاله الأوّل، في 9 محرّم لسنة 1963م، وبقي معتقلاً أيّاماً قليلة، ثمّ تزامن نفيه إلى سجن مشهد مع اعتقال الإمام الخمينيّ قدس سره في 12 محرّم أو 15 خرداد، الذي كان تاريخ بداية سقوط الشاه.

وعندما أُعلن عن الإفراج عنه مع سائر المعتقلين في مشهد، بعد سجنه ثمانية أو تسعة أيّام، عاد ماشياً إلى البيت، فيما كان يستولي عليه شعور خاصّ: "شعور خليط شوق، وخشية، وخجل؛ الخجل من فَقد لحيتي -التي حُلقت في السجن- والخجل من لوم والدَيّ، إذ ربّما سيقولان لي: لماذا تدخّلت في أمورٍ أدّت بك إلى السجن".

إذا كان تدخّل الأهل إيجابيّاً، فإنّه سيحوّل هذا الشعور، لحظة ارتباط قويّ للإنسان في تشخيص مصيره، وبناء جدّيّ في التعاطي مع أهله، إلى ثورة، وهذا ما حصل من قِبَل أمّه، إذ يقول القائد دام ظله: "عندما وصلتُ إلى البيت، استقبلني الأهل أحرّ استقبال، تهلّلوا واستبشروا"، بينما كان يتوقّع منهم ردّ فعل معاكساً، "وأوّل ما قالت لي أمّي بعد أن جلسنا على بساط الشاي: إنّني أفخر بابنٍ مثلك، يفعل ما فعلت في سبيل الله". إنّها الأم المفجّرة للثورة في أعماق ابنها في هذه اللحظات، إنّها الأمّ المربّية للقادة، وهذا ما يقوله عنها دام ظله: "وكان لقولها هذا تأثيره في نشاطي على هذا الطريق".

•في مواجهة السافاك
في إحدى المرّات التي كان القائد دام ظله يزور فيها والده، كما هي عادته اليوميّة يتباحث معه فيها حول المسائل العلميّة والفقهيّة، إذ بالباب يدقّ والقائد جالس. ذهبت والدته لفتح الباب، ثمّ عادت بعد هنيهة مذهولة، قائلة: "اثنان من أفراد السافاك يسألان عنك.

- ماذا أجبتِ؟

- قلتُ غير موجود.

- لماذا لم تخبريهما الحقيقة يا أمّاه؟!

- هؤلاء ذئاب ويجب دفع شرّهم!

وراحت تلعن السافاك والسافاكيّين، وتصبّ عليهم غضبها".

وإذا كان هذا الأسلوب من الأمّ قد أنقذ القائد دام ظله هذه المرّة، إلّا أنّه لم ينفع مع السافاك في المرّة الثانية، فقد داهموا البيت ودخلوه بالقوّة، فذهب القائد دام ظله من جناح الضيوف ليرى ما الخبر في المنزل فوجد أمّه، لبوة تدافع عن بيتها وأبنائها، "أمّ تقف بكلّ قوّة وجرأة أمام اثنين من رجال السافاك، متلفّعة بحجابها مغطّية وجهها، واقفة أمام الرجلين كالأسد".

والذي فهمه القائد دام ظله من خلال الحديث الدائر بينهم، أنّ رجال السافاك جاؤوا أوّلاً من باب الجناح الداخليّ، فردّتهم وقالت إنّ السيّد عليّ غير موجود، وكانوا كلّما حاولوا دخول البيت تمنعهم وتسدّ الباب في وجوههم، فجاؤوا نحو الباب الثاني يطرقونه، ففتح لهم أخوه -وهو لا يعلم مَن خلف الباب- فدخلوا البيت، وهنا كان دور الأمّ مجدّداً، حيث تصدّت لهم بكلّ قوّة، "وعندما رأوا السيّد نازلاً قال أحدهم: هذا السيّد عليّ! لماذا تقولين إنّه غير موجود؟! ومع ذلك بقيت والدة القائد تجيبهم بشدّة دون أدنى تراجع".

وهنا يُظهر القائد دام ظله قمّة الاحترام لوالدته، وبيان قدرها ومكانتها أمام هؤلاء الظَلَمة، قائلاً: "أتعلمون مَن هذه السيّدة؟" (وذكر اسم والدته بإجلال، ليبيّن لهم مكانتها ومقامها عنده لعلّهم يكفّون عن التعرّض لها)، ثمّ التفت إليها قائلاً: "دعيني يا أمّاه أتكلّم مع هؤلاء بنفسي، واتركي الكلام معهم". 

•عاطفة الأمومة
هذه الأمّ الصلبة والقويّة في مواجهة أعداء الله وأعداء الإنسانيّة، لا يمكن لها مع تقدّم السنّ بها، إلّا أن تظهر بعض عاطفة الأمومة المكتنزة في قلبها، خاصّةً بعدما شاهدت تكرّر الاعتقالات لابنها، ودخوله السجن، وشدّة التعذيب الذي تعرّض له. ويقول عنها القائد دام ظله واصفاً هذه الحالة: "بدأت تكلّمني بما يشبه العتاب على انقضاء فترة شبابي في السجون والمعتقلات".

كانت أمّه تخشى اعتقاله مجدّداً؛ "لأنّ صبرها قد نفد بسبب كثرة ما تحمّلته من مصائب ولدها. قالت لي يوماً وكنتُ في بيتها: لو سُجنت مرّة أخرى، فإنّي سوف أموت.

حاولتُ حينها أن أطمئنها وأقول لها: يا أمّاه، لماذا أُسجن مرّة أخرى؟! ماذا فعلت؟ ثمّ لو قُدّر أن يحدث ذلك، لماذا هذا الشعور؟ لماذا هذا الكلام الذي لم أعهده منكِ أبداً؟!".

ظلّ هذا الكلام يتردّد في أذنَي القائد دام ظله، ويُشعره بالقلق حيال أمّه. وعندما اعتُقل في إحدى المرّات، بعد ستة أشهر من الاعتقال، سُمح له بالاتصال بعائلته، فأجاب والده، وأوّل سؤال له كان عن والدته، وبقي يسأل عنها حتّى اطمأنّ أنّها بخير، ثمّ انتقل للسؤال عن سائر أسرته.

•تعلّمتُ من أمّي
وفي ختام الحديث عن والدة القائد العظيم دام ظله حريٌّ بنا أن نستنتج ما استنتجه هو بنفسه من علاقته بأمّه، وماذا تعلّم منها، فيقول: "تعلّمت من الوالدة أوّليّات قراءة القرآن وقواعد اللغة العربيّة، كما غذّتني بروح الشجاعة والمقاومة. لقد عانت الوالدة كثيراً من اعتقالاتي المتواصلة واقتحامات السافاك، لكنّها كانت تقف أمام الجلاوزة المهاجمين بصمود وجلادة، تردّ عليهم وتجادلهم، بل ولطالما شجّعتني على مواصلة هذا الطريق الشائك".


(*) مستفاد من كتاب "إنّ مع الصبر نصراً" - بتصرّف.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع