‏لعودة آمنة للنازحين عندما ننتصر... قبل أن ننتصر صغيرٌ في العمر..كبيرٌ في الموقف من سيرة القائد يوسف إسماعيل هاشم (السيّد صادق) الشعب المصري يستعيد بوصلة المقاومة ‏شغف الإمام الخامنئيّ قدس سره بـــالـكتــــاب والأدب(1) ‏الإمام الخامنئي قدس سره: قيادة تُجدّد روح الثورة فقه الولي | ‏حكم أجرة البيوت والمحالّ خلال الحرب لو اجتمع المسلمون في وجه الصهاينة* بمَ ينتصر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه؟*

انتبه! يُمنع التصوير


شابّ يقف قرب مكان قُصف للتوّ، يرفع هاتفه بسرعة، يلتقط صورة للدخان المتصاعد، ثمّ ينشرها بعد ثوانٍ على وسائل التواصل دليلاً على همجيّة العدوّ، بحسب ظنّه، أو يقوم بواجب التوثيق، أو ينقل الحقيقة للناس، لكنّه لا يعلم أنّ الصورة التي التقطها بعفويّة قد تتحوّل خلال دقائق إلى مادة تحليل استخباريّ دقيقة عندما ظهرت زاوية بناء في الخلفيّة، ظلّ عمود كهرباء، أو سجّل فيديو فسُمع من خلاله صوت صافرة، أو حتّى بيانات الموقع المخفيّة داخل الصورة أو التسجيل؛ كلّها كافية لتحديد المكان، وتحليل ما جرى فيه، وما يتطلّبه الوضع للتصعيد أو لإصابة أهداف أخرى.

* في الحرب الحديثة قوانين مختلفة
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم القوّة الناريّة، بل أصبحت تُقاس أيضاً بحجم البيانات المتدفّقة من الميدان، وبقدرة الأطراف المتصارعة على جمع المعلومات وتحليلها واستثمارها بسرعة. وفي هذا السياق، لم تعد الصورة مجرّد مشهد عابر، بل أصبحت جزءاً من المعركة نفسها. فالمعلومة اليوم توازي في خطورتها السلاح، والهواتف الذكيّة تحوّلت -من حيث لا يشعر كثيرون- إلى أدوات قد تكشف تفاصيل حسّاسة للعدوّ. ولهذا، فإنّ كثيراً من الجيوش والجهات الأمنيّة تفرض قيوداً صارمة على تصوير مواقع الاستهداف أو نشرها مباشرة، لأنّ الصورة الواحدة قد تختصر على الخصم ساعات من الرصد والمتابعة. وتحوّل الهاتف الذكيّ من أداة تواصل شخصيّة إلى عنصر فعّال داخل البيئة الاستخباريّة للحرب، بحيث باتت الصورة الواحدة قادرة على إنتاج قيمة عملياتيّة قد توازي في تأثيرها وسائل الرصد التقليديّة.

* من الأسباب الأساسيّة لحجب الصورة
هل فكّرت في حجم الأمور التي يمكن أن تكشفها صورة الهاتف الذكيّ؟ إليك بعضها:

1. المواقع العسكريّة: يمكن لصورة واحدة فقط أن تكشف موقعاً، أو نوع سلاح، أو زاوية إصابة، أو طريقة عمل منظومة دفاعيّة.

2. تحليل نتائج الضربة: تستطيع الجهات المعادية عبر الصور معرفة:
- إذا ما أصاب الصاروخ هدفه.
- حجم الدمار.
- إذا ما تعطّل المرفق بالكامل.
- الوقت الذي استغرقته فرق الإنقاذ للوصول.
وهذا يساعدها على تطوير الضربات التالية.

3. الحرب النفسيّة والإعلاميّة: لا شكّ في أنّ نشر مشاهد الدمار قد يؤثّر في المعنويّات، أو يثير الذعر، أو قد يُستخدم دعائيّاً لصالح العدوّ، وهذا ما يستخدمه خصماء المقاومة على وسائلهم الإعلاميّة.

4. حماية المدنيّين والخصوصيّة: أحياناً، يُمنع التصوير لمنع إظهار الضحايا أو تفاصيل حسّاسة كحجاب جريحة مثلاً.

* الذكاء الاصطناعيّ يحلّل ما لا تراه العين!

بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعيّ، فيمكنه التقاط أمور قد لا ينتبه إليها الإنسان العاديّ، خصوصاً عند تحليل الصور والفيديوهات بكمّيّات كبيرة أو بدقّة عالية. يمكنه مثلاً:
1. تحديد الموقع الجغرافيّ: من تفاصيل صغيرة: ظلّ، جبل، نوع طريق، شكل بناء، اتّجاه الشمس.
2. تقدير نوع السلاح: من نمط الحفرة التي أحدثها القصف، شكل الدخان، زاوية الانفجار.
3. كشف التعديلات أو التلاعب: هل الصورة معدّلة؟ هل الفيديو مركّب؟
4. مقارنة صور قبل/ بعد: لتحديد ما الذي تغيّر بدقّة شديدة.
5. تتبّع الأنماط: مثل تحرّكات الآليّات أو تكرار الضربات.

ولهذا، أصبحت صور الهاتف العاديّة أحياناً ذات قيمة استخباريّة كبيرة، لأنّ أنظمة التحليل الحديثة لا تنظر للصورة كما ينظر إليها الإنسان فقط، بل تستخرج منها بيانات وعلاقات وتفاصيل خفيّة إحصائيّاً وبصريّاً.

* صورتك تساعد الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT)
ضمن مفهوم الحرب الإدراكيّة (Cognitive Warfare)، لم يعد الفضاء الرقميّ منفصلاً عن ساحة القتال، بل أصبح جزءاً منها. فكلّ صورة أو فيديو أو بثّ مباشر يُنشر من منطقة حسّاسة قد يدخل فوراً ضمن منظومات التحليل الرقميّ والاستخباريّ، سواء عبر وحدات بشريّة متخصّصة أو عبر أنظمة ذكاء اصطناعيّ قادرة على معالجة كمّيّات هائلة من البيانات خلال ثوانٍ معدودة؛ لذلك، باتت المؤسّسات العسكريّة الحديثة تعتمد على منظومات متقدّمة ضمن ما يُعرف بـ»الاستخبارات مفتوحة المصدر» (OSINT)، وهي تقنيّات تقوم على جمع المعلومات المتاحة علناً من الإنترنت ومنصّات التواصل وتحليلها وربطها ببعضها. وفي الحروب الأخيرة، خصوصاً في أوكرانيا وغزّة ولبنان، أدّت الصور المنشورة من المدنيّين دوراً مباشراً في كشف مواقع وتحرّكات ومنشآت حسّاسة.

* الخطورة في ما «لا يظهر»
لكنّ الخطورة لا تكمن فقط في «ما يظهر» داخل الصورة، بل أيضاً في «ما تخفيه» تقنيّاً. فكلّ صورة رقميّة تحمل طبقة بيانات خفيّة تُعرف باسم البيانات الوصفيّة (Metadata)، وتتضمّن غالباً:

1. الموقع الجغرافيّ الدقيق (GPS Coordinates).
2. وقت الالتقاط.
3. نوع الجهاز المستخدم.
4. إعدادات الكاميرا.
5. أحياناً اتّجاه التصوير وحركة الهاتف.

هذه البيانات قد تُستخرج بسهولة عبر أدوات تحليل رقميّة متاحة حتّى لجهات غير رسميّة، ما يجعل الصورة بمثابة تقرير ميدانيّ مصغّر يحتوي على معلومات زمنيّة وجغرافيّة وتقنيّة دقيقة.

إضافة إلى ذلك، تعتمد تقنيّات التموضع الجغرافيّ (Geolocation) على تحليل الخلفيّات البصريّة داخل الصورة، مثل: شكل الأبنية، طبيعة الطرقات، خطوط الكهرباء، التضاريس، الأزقّة، اتّجاه الظلال، اللافتات، بل أيضاً الانعكاسات الزجاجيّة التي تكشف ملامح من يقف خلف كاميرا الهاتف ومن يقف إلى جانبه أو خلفه.

وقد استطاعت جهات تحليل للمعلومات (مفتوحة المصدر) مراراً تحديد مواقع عسكريّة شديدة الحساسيّة عبر تفاصيل بدت تافهة بالنسبة إلى الأشخاص الذين قاموا بالنشر. ففي الحرب الروسيّة الأوكرانيّة مثلاً، جرى تحديد مواقع أنظمة دفاع جوّيّ ومستودعات ذخيرة من خلال صور عفويّة التقطها مدنيّون. كما اضطرّت السلطات الأوكرانيّة إلى إصدار تحذيرات متكرّرة تمنع نشر أماكن سقوط الصواريخ أو نتائج الضربات مباشرة، لأنّ ذلك كان يساعد الخصم على إجراء Battle Damage Assessment، أي تقييم نتائج الضربات وتحسين دقّة الاستهداف لاحقاً.

* رسائل من البثّ المباشر
الأمر نفسه ينطبق على البثّ المباشر، الذي يُعدّ من أخطر أشكال التسريب المعلوماتيّ في بيئات الحرب. فالبثّ اللحظيّ يمنح الخصم قدرة فوريّة على:
1. تحديد الموقع.
2. تحليل حجم الضرر.
3. رصد زمن الاستجابة، لتحديد أوّل خطّ لمخابئ الفرق والعناصر.
4. متابعة حركة الإسعاف والفرق اللوجستيّة.
5. فهم طبيعة النشاط في المنطقة.

ولهذا، تعتمد الجيوش الحديثة على مبدأ الحرمان المعلوماتيّ للخصم (Information Denial)، أي تقليل قدرة الطرف المعادي على جمع البيانات الميدانيّة. ومن هنا، فإنّ منع التصوير أو تأخير النشر لا يهدف بالضرورة إلى إخفاء الحقيقة عن الرأي العام، بل إلى منع تحويل المحتوى الرقميّ إلى مادة استخباريّة قابلة للتحليل العملياتيّ.

كما إنّ الذكاء الاصطناعيّ غيّر جذريّاً طبيعة التحليل العسكريّ. فالأنظمة الحديثة لم تعد تحتاج إلى مراقبة بشريّة تقليديّة، بل أصبحت قادرة على –إضافةً ما ذكر في البداية- تعقّب التحرّكات اللوجستيّة، وبناء خرائط حراريّة للنشاط الميدانيّ، ثمّ دمج الصور المفتوحة مع صور الأقمار الصناعيّة.

وهذا ما يجعل الحرب الحاليّة حرباً على الوعي الرقميّ بقدر ما هي حرب على الأرض. فالمواطن الذي يلتقط صورة بعفويّة قد يسهم -من حيث لا يشعر- في بناء بنك معلومات متكامل لصالح الخصم.

* أنت جزءٌ من المعركة
من هنا، يصبح الأمن المعلوماتيّ مسؤوليّة مجتمعيّة لا تقلّ أهميّة عن الإجراءات الأمنيّة التقليديّة. فالوعي الفرديّ اليوم يشكّل جزءاً من منظومة السيادة الرقميّة، لأنّ أيّ تسرّب بصريّ أو معلوماتيّ قد يتحوّل إلى نقطة ضعف عمليّاتيّة. ولذلك، تبرز الحاجة إلى التزام صارم بمجموعة من الإجراءات الوقائيّة:

1. تعطيل خدمات تحديد الموقع الجغرافيّ أثناء التصوير.
2. الامتناع الكامل عن البثّ المباشر في مناطق الأحداث.
3. تأخير نشر الصور الحسّاسة.
4. حذف البيانات الوصفيّة قبل مشاركة الملفّات.
5. تجنّب تصوير التحرّكات العسكريّة أو البنى الحيويّة.
6. عدم إظهار المعالم الجغرافيّة الواضحة.
7. التعامل مع الهاتف بوصفه أداة قد تنتج تسريباً استخباريّاً غير مقصود.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع