أمراء الجنة | عباس سيبقى أثرك حاضراً فينا بين الأقلام المشبوهة والسبق الصحفي: الوعي واجبٌ فقه الوليّ | من أحكام تذكية اللحوم (2) نور روح الله | بالدموع الحسينيّة قضينا على الاستكبار* ‏لعودة آمنة للنازحين عندما ننتصر... قبل أن ننتصر صغيرٌ في العمر..كبيرٌ في الموقف من سيرة القائد يوسف إسماعيل هاشم (السيّد صادق) الشعب المصري يستعيد بوصلة المقاومة ‏شغف الإمام الخامنئيّ قدس سره بـــالـكتــــاب والأدب(1)

قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (1): الله لا يصلح عمل المفسدين

الشيخ بلال حسين ناصر الدين


هذه الحياة مليئة بالفتن والامتحانات، وهي تندرج ضمن ما يُعرف بالسنن الكونيّة أو الإلهيّة التي سنّها الله سبحانه وتعالى في نظامه الكونيّ. لذلك، نجد في القرآن الكريم آيات كثيرة تؤكّد أنّ هذه الفتن حقيقة ثابتة لا تخلو منها الحياة الدنيا، كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (العنكبوت: 2-3).

*امتحان شامل
في ضوء هذا الوعد الإلهيّ الصادق، تشير هاتان الآيتان وغيرهما إلى حقيقة الامتحان الإلهيّ الذي عُبّر عنه في القرآن بالفتنة، وهي لا تختصّ بفئة من دون أخرى، بل تشمل المؤمنين أيضاً، كما قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (آل عمران: 179).

ويشير أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى سبيل الخلاص من الفتن ومزالقها بقوله في وصف المتّقين: «صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى»(1). فالمؤمن الذي تشرّب الإيمان الأصيل والفكر الصحيح، وتعلّق قلبه بالله عزّ وجلّ من دون الدنيا وما فيها، هو الذي ينجو حقيقةً من مزالق الفتن التي قد تحدث في هذه الحياة.

انطلاقاً من هذا الارتباط الروحيّ، فإنّ قضيّة ثبات القلوب، والقواعد التي أرساها الله عزّ وجلّ في ما يعرف بالسنن الكونيّة، تستدعي تأمّلاً عقليّاً دقيقاً ومعايشة قلبيّة عميقة؛ إذ لا يمكن للمرء أن يبلغ الثبات المنشود ما لم يرتبط قلبه بعقله، فما يؤمن به فكراً واعتقاداً، لا بدّ من أن يعيشه قلباً ووجداناً. وينبغي ألّا يُتعامل مع هذا الواقع بصفته أمراً عاديّاً عابراً، بل يجب عدُّهُ سلاحاً موجّهاً إلى بيئتنا وأهلنا وأنفسنا، ما يوجب الحذر من كلّ ما نسمعه أو نراه، خاصّة في وسائل الإعلام.

*حذار من الانزلاق
إنّنا لا نبالغ في هذا التحذير، والسبب في ذلك هو أنّ ثمّة من يسعى لتثبيط العزائم عبر بثّ أفكار معيّنة. والتوعية في هذا المجال ضروريّة، لأنّ النخب قد تنزلق أحياناً، في الوقت الذي يُتصوّر فيه أنّها أبعد ما تكون عن الضعف أو الانزلاق في مثل هذه الامتحانات.

وهذا الانزلاق المحتمل للنخب ليس أمراً جديداً، بل كان الإمام عليّ عليه السلام قد عبّر في عهده لمالك الأشتر عن أنّ أكثر الناس ضعفاً في الملمّات هم الخاصّة(2)، وينصحه بالابتعاد عنهم واللجوء إلى العامّة، فهم السند والعون الذي لا يتزلزل في أيّام الشدّة.

والشاهد على ذلك أنّه قد يظهر شخص بمظهر الصحفيّ الخبير والمخضرم، ويقدّم نفسه على أنّه من أهل القضيّة، ولكنّه في لحظة حاسمة يكتب ليثبّط عزائم الناس ويزرع في نفوسهم الخوف والتزلزل بدلاً من التشجيع على الإقدام. وقد ذكرت هذه الملاحظة لبيان أهميّة ما سنتناوله من السنن القرآنيّة.

*القواعد القرآنيّة لحفظ الثبات
بعد أن استعرضنا طبيعة هذا الامتحان وأهميّة الحذر من مثبّطات العزائم، ننتقل إلى القواعد القرآنيّة التي ترسّخ الثبات، وهي كالآتي:

*القاعدة الأولى: إنّ الله لا يصلح عمل المفسدين
تتجلّى القاعدة الأولى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وقد وردت هذه الآية في سياق قصّة النبيّ موسى عليه السلام مع سَحَرة فرعون، حيث قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ¤ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ ¤ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: 79-81).

لقد رأى النبيّ موسى عليه السلام السحر عملاً من أعمال الفساد الذي لا يمكن أن يؤتي ثماره، والله تعالى متكفّل بإبطاله. وعندما أبطل الله سحرهم وألقى موسى عصاه، فإذا هي أفعى حقيقيّة. هنا، تجلّت هذه السنّة الإلهيّة. وهذا الموقف يؤسّس لقاعدة عامّة مفادها أنّ السحر وغيره من الأعمال الباطلة هي أعمال فاسدة لا تعود على صاحبها بثمرة مرجوّة. فكما أنّ الله سبحانه وتعالى أبطل ذلك العمل الفاسد، فإنّه يبطل كلّ عمل يندرج تحت عنوان الفساد.

*مآل العمل الفاسد
إنّ كل عمل فاسد في هذا العالم، مهما بدا متجلّياً بالقوّة، مآله إلى البطلان والفشل، كما تشير الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وهذه سنّة من السنن الإلهيّة التي وضعها الله عزّ وجلّ، وتندرج ضمن النظام الكونيّ العام، وستكون نتيجة الفساد متناسبة مع طبيعة العمل الفاسد نفسه.

وهذه السنّة ليست حكراً على الماضي، بل نتلمّس تجلّياتها في واقعنا المعاصر. فمثلاً: عندما نرى ممارسات القوى المهيمنة التي توصف بالظلم والفساد في الأرض، فإنّ ما يجري يندرج ضمن قوانين هذه السنّة الإلهيّة. فصحيح أنّهم يبطشون اليوم ويخادعون ويتآمرون، ولكنّ مآل هذا كلّه إلى البطلان الذي يقدّره الله سبحانه وتعالى.

فهذه الحقيقة تستلزم أنّ كلّ باطل لا يدوم في الوجود، وهو ما ذكره الله سبحانه وتعالى في آيات أخرى، كقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 258)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (المائدة: 108)، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28). فهذه الآيات تدعم القاعدة الكلّيّة القائلة بأنّ الله لا يصلح عمل المفسدين.

صحيح أنّ الفاسد قد يظنّ أنّ عمله سيوصله إلى نتائج جليلة وعظيمة لا يمكن لأحد أن يواجهها، وهذا التصوّر قد ينطلي على الإنسان في نظرته الماديّة السطحيّة، لكنّ النتيجة الحقيقيّة ستكون مخالفة لهذا المظهر الخارجيّ.

*الفاسد يعيش مأزوماً
من المسائل المهمّة في هذا الجانب، أنّه لفهم حقيقة الأمر، يجب التفريق بين النظرة الجزئيّة والأخرى الشموليّة. فقد نجد إنساناً ظالماً فاسداً، وإذا نظرنا إلى حياته بشكل جزئيّ، قد تبدو طبيعيّة ومستقرّة. ولكن إذا تأمّلناها بنظرة شموليّة دقيقة، وهو ما ينبغي فعله، سندرك حقيقة أخرى؛ إذ سنجد أنّه يعيش في ظلمات وتخبّط، على صعيد حالته النفسيّة، وعلاقته بزوجته وأولاده وأهله، ونظرته للحياة ومقدار تفاؤله.

إنّ هذا الشعور الداخليّ المأزوم ليس إلّا نتيجة حتميّة لأفعاله، فكما أنّ الإنسان المؤمن قد يرتكب ذنباً فيعاقبه الله عليه، فإنّ من آثار الذنوب زوال النعم؛ فكم من نعمة تكون بين أيدينا في حياتنا الفرديّة، ولكن بسبب ذنب اقترفناه يزيل الله هذه النعمة ويحرمنا إيّاها. وفي هذا السياق قال أمير المؤمنين عليه السلام: «مَا زَالَتْ نِعْمَةٌ وَلَا نَضَارَةُ عَيْشٍ إِلَّا بِذُنُوبٍ»3. وهذه مسألة مهمّة للربط بين هذا المبدأ العام وما يفعله المفسدون في الأرض. فكما نفى الله عزّ وجلّ إصلاح عمل المفسدين، فإنّه في المقابل ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (يونس: 82). وهذا يعيننا على إدراك أنّ من سنن الله تعالى أنّ عمل الفساد لا يدوم، وسيأتي اليوم الذي يزول فيه صاحبه أو العمل نفسه.

وقد يُسأل هنا: هل يقع هذا الجزاء في الدنيا أم في الآخرة؟

الجواب: قد يكون عقاب هذا الإنسان في الدنيا، وقد يكون حسابه أخرويّاً. ولكن يبدو من مجمل التفسيرات التي تتناول هذه السنّة الإلهيّة، وهي أنّ الله يعاقب الظالم ويبطل عمل الفاسدين، أنّ هذا الأمر يقع في الدنيا. تأمّلوا قصّة النبيّ موسى عليه السلام مع فرعون وقومه، فقد دعاهم إلى الإيمان ولكنّهم أصرّوا على الغيّ واستكبروا، إلى أن حلّ بهم ما حلّ من العذاب الدنيويّ.

نستكمل في العدد المقبل بقيّة القواعد القرآنيّة بإذن الله.


(1) نهج البلاغة، الشريف الرضي، ص 305، الخطبة 193.
(2) جاء في النصّ الأصليّ: «وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ، مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ». المصدر نفسه، ص 429، الكتاب 53.
(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام، الشيخ الصدوق، ج 2، ص 47.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع