‏لعودة آمنة للنازحين عندما ننتصر... قبل أن ننتصر صغيرٌ في العمر..كبيرٌ في الموقف من سيرة القائد يوسف إسماعيل هاشم (السيّد صادق) الشعب المصري يستعيد بوصلة المقاومة ‏شغف الإمام الخامنئيّ قدس سره بـــالـكتــــاب والأدب(1) ‏الإمام الخامنئي قدس سره: قيادة تُجدّد روح الثورة فقه الولي | ‏حكم أجرة البيوت والمحالّ خلال الحرب لو اجتمع المسلمون في وجه الصهاينة* بمَ ينتصر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه؟*

نقاتلهم بأخلاقنا

الشيخ بلال حسين ناصر الدين
 

لو قرأنا بتأمّل دوافع المقاومة والمقاومين الأبطال ومنطلقاتهم في دفاعهم عن لبنان وشعبه، لما تردّدنا البتّة في القول إنّ المقاومة، علاوةً على دوافعها الشرعيّة والعقديّة، فإنّها تنطلق أيضاً من منطلقات أخلاقيّة راسخة. ومن هنا، يجدر بنا أن نسلّط الضوء على هذه الدوافع وأهميّتها.

* ثبات الأخلاق
قبل ذكر بعض تلك الدوافع الأخلاقيّة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المفكّرين وعلماء الأخلاق قد بحثوا مسألة الأخلاق؛ فمنهم من رأى أنّها ثابتة لا تتغيّر، وآخرون رأوا أنّها نسبيّة تتبدّل وفقاً للظروف المحيطة بالإنسان والوقائع التي تطرأ عليه. وقد خلص الشيخ مطهري (رضوان الله عليه) إلى أنّها ثابتة وغير نسبيّة، وهذا ما يجعل الأخلاق شموليّة لا تقف عند إنسان من دون الآخر، أو زمان من دون الآخر؛ فما كان يُعدّ من الأخلاق الحسنة عند قوم، فهو كذلك عند قوم آخرين، وكذلك الحال في الأخلاق السيّئة.

أمّا ما يطرأ عليه التبدّل فهو ما يُعرف بالآداب؛ وهي مظاهر ترتبط بالعادات والتقاليد، كالملبس والمسكن وطريقة الجلوس والمصافحة، وغير ذلك.

* تعريف الأخلاق
إنّ للمفكّرين على اختلاف مشاربهم تعاريف متعدّدة للأخلاق، وقد اختلفت تبعاً لفلسفة الحياة التي يتبنّاها كلّ منهم؛ ولهذا، نجد فروقاً واضحة بين ما يراه بعض الغربيّين وما يراه المسلمون. ففي الوقت الذي يرى فيه علماء الإسلام أنّ الأخلاق تنشأ من النفس وتتجلّى في السلوك والعمل، كما يذكر ابن مسكويه في كتاب تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق: «إنّ الخُلق هو تلك الحالة النفسانيّة التي تدعو الإنسان إلى أفعال لا تحتاج إلى تفكر وتدبّر»(1). كذلك، ما أشار إليه المرحوم الفيض الكاشاني في كتاب الحقائق، إذ يقول: «اعلم أنّ الخُلق عبارة عن هيئة قائمة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة، من دون الحاجة إلى تدبّر وتفكّر»(2).

في المقابل، نجد بعض علماء الغرب قد سلكوا اتّجاهاً آخر في تعريف الأخلاق، متغافلين عن العامل النفسيّ؛ أمثال فولكيه الذي عرّف علم الأخلاق بأنّه: «مجموعة قوانين السلوك التي يستطيع الإنسان بواسطتها أن يصل إلى هدفه»(3).

* تجلّيات الأخلاق في الفعل المقاوم
إنّ إسناد الفعل المقاوم إلى الأخلاق، إضافة إلى أنّه ذو منشأ فقهيّ وعقديّ، يسهم في تبيين حجّيّة المقاومة لدى الآخرين من غير المسلمين؛ وذلك لأنّ الأخلاق تمثّل مساحة مشتركة تلتقي عندها جميع فئات الناس وإن اختلفت معتقداتهم، وهذا ما يمنح الفعل المقاوم قدرة أكبر على القبول. بالتالي، فإنّ ما يقوم به المقاومون في الدفاع عن الأرض والشعب، إنّما يتناغم مع ما يؤمن به الآخرون أيضاً ويدعون إليه.

ومن تلك الأخلاقيّات ما يأتي:
1. الشجاعة: إنّ للشجاعة مكانة مرموقة لدى مختلف فئات الناس؛ ولذلك، كانت وما زالت مضرب مثل للتفاخر والاعتزاز، ويُقدَّم صاحبها بوصفه قدوة ومثالاً، لأنّه بشجاعته يعبّر عن شرف نفسه وعزّتها، فبها يحمي الشجاع الأرض والأهل والعِرض، ويدفع ظلم المعتدين. وبهذا الخلق العظيم، يقاوم المقاومون ويضعون أنفسهم في مواطن الخطر من أجل أن يدفعوا عن أهليهم وأرضهم عدوان المعتدين.

إنّ سمة الشجاعة تصبح أشدّ قوّة وثباتاً لدى المؤمن الذي يكل أموره إلى الله تعالى، وهو القويّ القادر سبحانه، الذي بيده ملكوت السماوات والأرض؛ لذلك، نجد المؤمن ثابتاً لا يخشى أحداً سوى الله سبحانه، مضافاً إلى أنّ شجاعته تكون في جنب الله تعالى.

ولنا في الإمام عليّ عليه السلام خير مثال في الشجاعة لمّا دعا عمرو بن ودّ العامريّ إلى المبارزة، وقد وكان من أشجع العرب. قام الإمام عليه السلام وقال: «أنا له»، وكرّر ذلك مراراً، حتّى وقف في قبال عمرو، فقال له الأخير: لا أحبّ أن أقاتلك...، فقال الإمام عليه السلام: «ولكنّني والله أحبّ أن أقاتلك ما دمت أبيّاً للحقّ»(4). فنجد شجاعة الإمام عليه السلام هنا ممزوجة بالحقّ، وهو ما اشتهر به عليه السلام. وقد وصف الله تعالى المؤمنين بأنّهم لا يخافون ولا يهنون، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)، وكذلك وصف المؤمنين في معركة الأحزاب بقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22).

وعن الإمام عليّ عليه السلام: «جُبلت الشجاعة على ثلاث طبائع، لكلّ واحدة منهنّ فضيلة ليست للأخرى: السخاء بالنفس، والأنفة من الذلّ، وطلب الذكر، فإذا تكاملت في الشجاع، كان البطل الذي لا يقام لسبيله والموسوم بالإقدام في عصره، وإذا تفاضلت فيه بعضها على بعض، كانت شجاعة الذي تفاضلت فيه أكثر وأشدّ إقداماً»(5).

وما نراه اليوم في ما يقوم به المقاومون لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنّه مجرّد فعل مادّيّ، بل هو تجسيد لحالة معنويّة عميقة تتجلّى في ثبات المقاتلين في الميدان، وتقدّمهم المستمرّ إلى الأمام تحت القصف والغارات والمسيّرات. إنّها ليست بالأمر العاديّ على الإطلاق.

2. الغيرة: يعرّف الشيخ النراقيّ الغيرة بأنّها: «السعي في محافظة ما يلزم محافظته، وهي من نتائج الشجاعة وكبر النفس وقوّتها، وهي من شرائف الملكات، وبها تتحقّق الرجوليّة... والفاقد لها غير معدود من الرجال»(6). وعن رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّ سعداً لغيور، وأنا أغير من سعد، والله أغير منّي»(7).

الغيرة ليست محصورة في معناها الضيّق المتعلّق بالعِرض كالأهل والنساء، بل تتّسع لتشمل الأرض والوطن والدين؛ فهي في جوهرها السعي لحفظ ما نحبّ، ودفع كلّ ما قد يصيبه بسوء. عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ الله تبارك وتعالى غيور يحبّ كلّ غيور، ولغيرته حرّم الفواحش ظاهرها وباطنها»(8).

وعنه عليه السلام: «إنّ الله خصّ الأنبياء  عليهم السلام بمكارم الأخلاق، فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك، ومن لم تكن فيه فليتضرّع إلى الله وليسأله إيّاها»(9). وحين سُئل عن ماهيّة هذه المكارم عدّ منها: «الورع، والقناعة،... والغيرة،... والمروّة»(10).

وهذه الغيرة التي نراها لدى شبابنا، الذين يندفعون لقتال العدوّ، لم تتكوّن بين عشيّة وضحاها، بل هي ملكة تُكتسب عبر منظومة متكاملة من التربية والمبادئ والعقيدة، وكانت دافعاً أساسيّاً لدى شبابنا للمواجهة والجهاد دفاعاً عن الأهل والأرض.

3. عزّة النفس: من صفات الإنسان السويّ هي عزّة نفسه، فلا يعرّضها للذلّ والمهانة من أجل رغبة عابرة مهما كانت مغرية، أكانت سلطة أم مالاً أم أموراً أخرى، وليس هذا إلّا من منشأ نفسيّ يعيشه صاحبها ليردعه عمّا كان مذلّاً وموهناً. عن الإمام الصادق عليه السلام: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ أُمُورَهُ كُلَّهَا، وَلَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ»(11). فلا يجوز للمؤمن إذلال نفسه مهما كانت الظروف. وعن الإمام العسكريّ عليه السلام: «مَا تَرَكَ الْحَقَّ عَزِيزٌ إِلَّا ذَلَّ، وَلَا أَخَذَ بِهِ ذَلِيلٌ إِلَّا عَزَّ»(12).

إنّ خصوم المقاومة وأعداءها، يسعون إلى قلب الحقائق وتزييف الوعي عبر تصوير الاستسلام عزّة، والمقاومة شرّاً، في سياق سعيهم للتطبيع مع الكيان الصهيونيّ. ففي مقاييسهم المغلوطة، يصبح المقاتل من أجل حقّه مصدر الشرّ والخراب، ويُعدّ المقتول في سبيل قضيّته مهزوماً لا منتصراً!

4. الإيثار: إنّ الذين تركوا ديارهم وأموالهم إنّما فعلوا ذلك إيثاراً لقضيّة أعظم. إنّه إيثار بما هو آنيّ ومباشر في سبيل ما هو أبقى وأهمّ، ألا وهو الدفاع عن الأرض والعِرض والدين والوطن.

وهذا الإيثار هو ما وصف به الله المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر:9). فالإيثار هو تقديم ما هو عزيز على النفس، كراحة الجسد وأمن المسكن، في سبيل غاية أسمى وأعظم، وهو ما يتجلّى أيضاً في تضحيات أهلنا الذين يتركون بلداتهم وأماكن استقرارهم، وهم صابرون على ذلك من أجل المقاومة.

بهذا الخُلق الحسن يندفع المجاهد إلى مواصلة مواجهة المعتدين مهما بلغ عتوّهم وجبروتهم، ولولاه، لعمّت سلطة الأشرار، ولتمكّن أهل الظلم من فرض إرادتهم على مجتمعنا وأهلنا.

5. الصبر: حينما تكون البيئة الحاضنة للمقاومة متحلّية بالصبر والثبات، وداعمة للمجاهدين في سبيل الله، فإنّ لذلك أثراً حاسماً في مجريات المعركة. فالصبر ليس مجرّد حالة من التحمّل السلبيّ أو انتظار الفرج، بل هو موقف فاعل يمنح الإنسان القدرة على الثبات أمام الشدائد، ومواجهة التحدّيات وعدم الانهيار أمام الضغوط والابتلاءات. وقد أكّد القرآن الكريم هذه الحقيقة في مواضع متعدّدة لما للصبر من أثر في صناعة النصر والثبات والاستمرار في مواجهة الصعوبات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)، وقال سبحانه: ﴿بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران: 125).

هذه الأخلاق تمثّل أبرز الدوافع التي تنطلق منها مواجهتنا، وهذا المنطلق الأخلاقيّ هو ما يمنحنا القدرة على محاججة الآخرين، فنحن نقاتل استناداً إلى منظومة قيميّة راسخة.

(1) تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، ابن مسكويه، ص 51.
(2) الحقائق، الفيض الكاشاني، ص 54.
(3) الأخلاق النظريّة، فولكيه، ص 10.
(4) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج 1، ص 76.
(6) تحف العقول، الحراني، ص 78.
(6) جامع السعادات، النراقي، ج 1، ص 301.
(7) المصدر نفسه.
(8) الشيخ الكليني، ج 5، ص 53.
(9) المصدر نفسه، ج2، ص 46، ح 3.
(10) المصدر نفسه، ج 2، ص 5.
(11) المصدر نفسه، ج 5، ص 63.
(12) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 75 ، ص 374.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع