‏لعودة آمنة للنازحين عندما ننتصر... قبل أن ننتصر صغيرٌ في العمر..كبيرٌ في الموقف من سيرة القائد يوسف إسماعيل هاشم (السيّد صادق) الشعب المصري يستعيد بوصلة المقاومة ‏شغف الإمام الخامنئيّ قدس سره بـــالـكتــــاب والأدب(1) ‏الإمام الخامنئي قدس سره: قيادة تُجدّد روح الثورة فقه الولي | ‏حكم أجرة البيوت والمحالّ خلال الحرب لو اجتمع المسلمون في وجه الصهاينة* بمَ ينتصر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه؟*

عندما ننتصر... قبل أن ننتصر

تحقيق: نانسي عمر

«في آخر حديث معه، قال لي إنّه لن يعود إلّا شهيداً مخضّباً بدمه؛ فوصلني خبر استشهاده وأنا في بيت النزوح»، قالت لي أمّ الشهيد، وهي تخفي دمعتها خلف ابتسامة الصبر التي ارتسمت على محيّاها، بينما تحكي بكلّ فخر عن شهيدها ابن العشرين عاماً الذي أبى أن يترك قريته والتحق بالمجاهدين ليدافع عن أرضه وبلده.

وعندما سألتها عن بيتها في الجنوب، ردّت بهدوئها الجميل: «من جاد بالأنفس لا يسأل عن حجر. لقد ربّيت أولادي على أنّ كلّ ما نملك هو في سبيل الله وفداء لهذا النهج الحسينيّ المقاوم. فمهما عظمت التضحيات، لا أقول إلّا كما قال الإمام الحسين عليه السلام: «أرضيتَ يا ربّ؟ خذ حتّى ترضى».

*نصر على الرغم من الألم
إنّ لسان حال هذه السيّدة الجنوبيّة الصابرة كحال أبناء مجتمع المقاومة كلّهم الذين تربّوا على حبّ الأرض وتقديم الغالي والنفيس في سبيل الحفاظ عليها، ويأبون المساومة عليها مهما كلّف الأمر، ومهما بالغ العدوّ بالتهديد والقتل والإجرام.

لكن بعد الشهادة والفقد والتهجير، كيف يعود جميع هؤلاء إلى بيوتهم مرفوعي الرؤوس؟ وكيف يرون النصر على الرغم من كلّ هذه الآلام؟

هذا التحقيق يتتّبّع النصر في عيونهم وبلغتهم.

*النصر يعني إرادة لا تنكسر
تقول أمّ حسن (نازحة من الضاحية الجنوبيّة لبيروت): «نحن تربّينا على مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وما حدث معنا لا يساوي شيئاً أمام ما رأته مولاتنا زينب عليه السلام. فإنّ كربلاء هي التي تمدّنا بالصبر والقوّة، وتعطينا اليقين بأنّنا مهما بلغت التضحيات، سننتصر حتماً ببركة دماء شهيدنا الأقدس سماحة السيّد حسن نصر الله قدس سره وكلّ شهدائنا الأبرار، فهذا ما وعدنا به الله».

وتتابع: «قدّر الله أن نخرج من المنزل قبل المجزرة التي ارتكبها العدوّ الصهيونيّ في حيّ السلّم في الضاحية، لكنّ بيتي تضرّر بفعل الغارات، ومع ذلك، لا أقول إلّا أنّ بيتي وكلّ ما أملك فداء للمقاومة وأبطالها الذين يقدّمون لنا النصر والعزّة والكرامة. المهمّ بالنسبة إلينا أن يكونوا هم بخير حتّى نكون نحن بخير».

*النصر يعني أبناء يحرسون الأرض
من قلب بلدة النبيّ شيث التي رفض أهلها الخروج منها على الرغم من استهداف العدوّ لها مرّات عدّة، لم يكن آخرها محاولة الإنزال الفاشلة التي واجهها أبناء البلدة إلى جانب المقاومين بكلّ شجاعة وبأس. تتذكّر خديجة، وهي أمّ لطفلين وأخت شهيد، أحداث ذلك اليوم الذي كان صعباً على العدوّ أكثر من أهالي البلدة الذين وقفوا يداً واحدة وقلباً واحداً بما توفّر لديهم من سلاح شخصيّ إلى جانب المقاومين لمنع جنود العدوّ من أن يدوسوا تراب البلدة أو يعتدوا على أبنائها.

«يومها، وصلنا العديد من الإنذارات لإخلاء البلدة، لكنّنا كمعظم أهالي البلدة رفضنا مغادرتها»، تقول خديجة، وتتابع: «عندما بدأ الإنزال وتوجّه كلّ شباب البلدة إلى الساحات والشوارع للدفاع عنها، حضّرنا أنفسنا لاحتمال دخول العدوّ إلى بيوتنا، فجهّزنا السكاكين وجلسنا بكامل حجابنا نلهّي الأطفال من جهة، ونترقّب الأخبار من الميدان من جهة أخرى. أمّا والدتي، فلا أنسى صوتها وهي جالسة تدعو لنصرة شباب البلدة».

تضيف خديجة قائلة: «إن تنصروا الله ينصركم، هذا الوعد الإلهيّ كان دائماً نصب أعيننا، خاصّة ونحن نشاهد أبناء بلدتنا يستميتون في الدفاع عن أرضهم وعرضهم. لم نشعر بالخوف على أنفسنا على الرغم من أصوات الرصاص والقصف؛ فإنّ أقصى ما يمكن أن يحدث هو أن ننال الشهادة في سبيل الله، وهو أسمى ما نتمنّاه. لذلك، بقينا صامدين في بيوتنا وأرضنا، وسندافع عنهما بكلّ ما يمكننا تقديمه كلٌّ من موقعه».

*النصر يعني الحبّ حدّ البذل
بالنسبة إلى مطيعة (زوجة شهيد)، فإنّ من قدّم الأنفس لا يمكن أن يبخل بالصبر مهما طال. تقول: «أحمد الله على أن اختار من عائلتي شهيداً، وهو «المخرّب» من منظور العدو لأنّه سلب النوم من عيونهم. أمّا من منظورنا، فهو المجاهد الذي بذل عمره في ساحات الجهاد وختم الله له بشهادة مباركة كما تمنّاها وتليق به. أنا أعلم أنّه من مصاديق الحبّ البذل، وهذا يحتاج إلى إخلاص، لذلك، لم نبخل ببيوت أو أولاد أو أنفس في سبيل إعلاء كلمة الحقّ. أمّا الفقد والألم والمعاناة، فكلّ ذلك مطلوب في ساحات الجهاد، لأنّ هذا الطريق منذ مدرسة كربلاء بدأ بالألم والتضحية في سبيل الله».

تؤكّد مطيعة، وهي نازحة من الجنوب مع أطفالها الثلاثة، أنّ النزوح ليس انكساراً أو هزيمة، إنّما هو هجرة في سبيل الله واستكمال للاختبار. وتضيف: «كما نزحت السيّدة زينب عليه السلام مع أيتام الإمام الحسين عليه السلام، وهي التي أعطتنا أوّل شرارة الفداء، فإنّنا أيضاً نزحنا مع أيتام الشهداء وحفظنا أماناتهم. وكما وقفت صامدة صابرة وقفنا مثلها، لم ولن نرى إلّا جميلاً. لذا، نحن اليوم منتصرون لأنّنا ثبتنا في أرضنا بعد أن سطّر مجاهدونا أعظم الملاحم وأعادوا العدوّ مدحوراً ذليلاً. وأعظم انتصار هو في عدم خضوعنا لشروطهم المذلّة، بل بتمسّكنا بمقاومتنا أكثر من قبل، وهذه بالنسبة إلى العدوّ الهزيمة الكبرى».

*النصر يعني الصمود والثبات
في وقت اضطرّ فيه كثيرون إلى ترك منازلهم وقراهم بسبب القصف العنيف الذي طالها، قرّر آخرون البقاء مهما كان الثمن، ومنهم الحاجّ أبو علي الذي أبى أن يترك منزله في مدينة صور على الرغم من الغارات الكثيرة التي تعرّضت لها والمجازر التي ارتُكبت بحقّ المدنيّين العزّل.

يؤكّد أبو علي أنّ المقاومة لا تقوم فقط على الجانب العسكريّ، بل تعتمد على الجانب المدنيّ، «فصمود الناس وصبرهم على الرغم من كلّ التضحيات هو مقاومة أيضاً، إذ إنّه يرفع من معنويات المقاوم على الجبهة، فيكون مرتاحاً ومطمئنّاً بمن ترك خلفه، ما يجعله يستشرس في الدفاع عن هذه البيئة والأرض بما فيها من بشر وحجر». ويتابع: «على الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبّدناها في هذه الحرب، من شهداء أعزّاء وبيوت وأرزاق دمّرت، إلّا أنّ هذه المقاومة ما زالت تقف في وجه أعتى جيوش العالم وأكثره إجراماً وتوحشّاً، ويواجهه أبناؤها ببسالة وشجاعة، لا يقبلون الضعف أو الاستسلام، وهذا بحدّ ذاته يعدُّ نصراً».

*النصر يعني اليقين بوعد الله
أمّا أماني، وهي قائدة كشفيّة وابنة شهيد، فتؤكّد أنّ «العدوّ يطمع بأرضنا منذ بداية تأسيسه، لذا، فمعاركنا مستمرّة معه لأنّنا نرفض الاستسلام». وتتابع: «نحن أصحاب الأرض، والحفاظ عليها يتطلّب منّا التضحية، وأقلّ ما يمكننا تقديمه هو الصبر والصمود. وعلى الرغم من أنّنا اضطررنا إلى ترك منزلنا والمكوث في مدرسة، لكنّ هذا لا يساوي شيئاً أمام ما يقدّمه لنا أولئك المجاهدون الثابتون في أرض الجنوب، وأمام تضحيات الشهداء والجرحى والأسرى. نحن نعلم أنّه كلّما وقفنا بوجه هذا العدوّ بصمود وثبات، ورفضنا التطبيع، زاد حقده علينا وزادت وحشيته وإجرامه، لكنّ ذلك كلّه لا يهمّنا طالما أنّنا أصحاب الأرض والحقّ».

تختلف معايير النصر من شخص إلى آخر، لكن بالنسبة إلى أماني، فالنصر يتحقّق عندما نمنع العدوّ من تحقيق أهدافه العسكريّة والسياسيّة، والسيطرة على أراضينا المقدّسة المجبولة بدماء شهدائنا الأبرار. وتضيف: «طالما أنّنا نجاهد في سبيل الله بأموالنا وأنفسنا، وطالما أنّنا صابرون وثابتون ومتوكّلون على الله وعلى القيادة الحكيمة التي تسير بنا نحو الطريق الصحيح، فإنّ النصر حليفنا بإذن الله، لأنّ هذا وعد الله، ولن يخلف الله وعده».

هذا الشعب الذي يفاجئ الجميع، ليس فقط بتضحيته واستماتته في الدفاع عن عقيدته وأرضه وانتمائه، إنّما في صبره وصموده وثباته الذي لا يفهمه إلّا من يقرأ عن مدرسة كربلاء وقائدها الذي علّم العالم أنّ الموت أَولى من ركوب العار، وأنّ النصر لا يتحقّق إلّا بالصبر والثبات، حتّى لو قُتلنا جميعاً.

هذه عيّنة من مجتمع مقاوم يأبى الذلّ والاستسلام، ويرفض التطبيع مع العدوّ بأيّ شكل كان ومهما بلغت التضحيات، فالنصر صُبغ بتضحيات مجاهدين ومجتمع كامل شارك أبناؤه في استنزال النصر، وهو وعد الله لهم: [كَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ] (الروم، 47).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع