أمراء الجنة | عباس سيبقى أثرك حاضراً فينا بين الأقلام المشبوهة والسبق الصحفي: الوعي واجبٌ فقه الوليّ | من أحكام تذكية اللحوم (2) نور روح الله | بالدموع الحسينيّة قضينا على الاستكبار* ‏لعودة آمنة للنازحين عندما ننتصر... قبل أن ننتصر صغيرٌ في العمر..كبيرٌ في الموقف من سيرة القائد يوسف إسماعيل هاشم (السيّد صادق) الشعب المصري يستعيد بوصلة المقاومة ‏شغف الإمام الخامنئيّ قدس سره بـــالـكتــــاب والأدب(1)

أمراء الجنة | عباس سيبقى أثرك حاضراً فينا

تحقيق: نانسي عمر


الخدوم، والطيّب، والمتواضع، وجميل الأثر، والشهيد الذي تأخّرت شهادته، كما يصفه زملاؤه.
هو الزميل عباس روماني، ابن الشهيد رامز روماني، وقد استشهد إثر غارة صهيونيّة على الضاحية الجنوبيّة لبيروت في السابع من شهر حزيران/ يونيو 2026م. كان يشغل منصب مسؤول الملفّين الإداريّ والماليّ، ولكن ما كان يقوم به في أروقة المجلّة لم يكن ليوحي بذلك أبداً. عباس، الذي يحضّر القهوة والشاي لزملائه وللضيوف ويقدّمهما بنفسه، دون أن يطلب أحد منه ذلك، كان يهتم براحة غيره ولو على حساب نفسه، فأينما استدعت الحاجة، تجد عباس بالخدمة.

*يعطي أكثر ممّا يُطلب منه
ينقل فضيلة الشيخ بلال حسين ناصر الدين (رئيس تحرير مجلّة بقيّة الله) عن الشهيد عباس أنّه كان يتحلّى بأكثر من صفة جعلته محبّباً في العمل وخارجه، فقد كان عصاميّاً يتّكل على نفسه، وصاحب عنفوان دائم وحركة مستمرّة، لا يهدأ ولا يتعب، بل كان يضجره الفراغ، حتّى أنّه كان يفتّش عن أيّ عمل ينجزه، وإن لم يجد، كان يتجوّل بين زملائه باحثاً عن حوائجهم ليقضيها، حتّى لو كان ذلك على حساب راحته.

ويتابع الشيخ ناصر الدين: “أكثر ما كان يلفتني في عباس هو عفّة نفسه، فحتّى لو كان يمرّ بضائقة ماديّة، لم يكن يفصح عن ذلك أو يُشعر الآخرين به أبداً. ولم يكن يُقدم على ما يمكن أن يكسر كرامته وعفّته. وحتّى لو عرضت عليه المساعدة، كان يرفضها بأسلوبه اللبق، بل كان يدلّني على من هو أكثر حاجة للمساعدة”.

وعن تفانيه في عمله، يؤكّد سماحته أنّ «عباس» كان يعطي أكثر ممّا هو مطلوب منه، ويقدّم أكثر ممّا يُسأل عنه وأفضله، فينجز عمله بإتقان وبكلّ حبّ وصبر وتفانٍ. ويتابع: “برغم روحه المرحة وعشرته الجميلة وشخصيّته اللطيفة التي يحبّها الجميع، إلّا أنّه كان صارماً في ما يخصّ ضوابط العمل وقوانينه، ولم يكن يتهاون في الضوابط الشرعيّة أبداً”. ويختم بالقول: “بفقده فقدتُ أخاً عزيزاً لم أرَ منه إلّا الخير والمحبّة”.

*شهيد تأخّرت شهادته
تقول الحاجة نهى عبد الله (مديرة التحرير في مجلّة بقيّة الله): “كان عباس مفعماً بالطاقة والنشاط والأمل، وقد نقل هذه السمات إلى زملائه، وحتّى إلى مكاتبهم، التي حرص على تزيينها بأحواض الورود ونباتات الزينة، وكان يسقيها يوميّاً ويهتمّ بتفاصيلها كلّها”.

وتضيف: “كانت مروءته تأبى أن تخرج أيّ أخت من زميلاته لقضاء حاجة من خارج العمل، فيهبّ بنفسه لإحضار ما تحتاجه. وكنّا نُحرج لعلمنا أنّه لن يرضى بأن ندفع له ثمن الأغراض، فقد كان كريماً حدّ السخاء”.

وتستحضر الحاجة نهى يوم استضافت المجلّة ورشة ثقافيّة، حيث كان عباس يومها كالنحلة النشيطة يدور بين الضيوف، ويسأل عن حاجاتهم ويخدمهم، فالتفت إليه المدرّب قائلاً: “أنت يا أخي شهيد، لكنّ شهادتك تأخّرت”. بالفعل، كان عباس يحيا حياة الشهداء، ويحمل صفاتهم وأخلاقهم خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً. وأكثر ما يميّزه تفاؤله الدائم، لدرجة أنّنا صرنا نردّد أقواله وعباراته عند كلّ مشكلة أو بلاء: “محلولة، الله يجعلها أكبر المصايب”.

وتتابع: “لا أنسى وقوفه إلى جانب عائلتي عندما كنّا ننتقل من منزلنا إلى منزل آخر، فهو لم يترك أخي لحظة واحدة، وكان يعينه في كلّ شيء، وهذا ما كان يفعله مع جميع الزملاء، لأنّه كان يعدّنا عائلته وإخوته، وليس فقط زملاءه في العمل”.

*روح المجلّة وحيويّتها
تقول حوراء مرعي (المسؤولة عن التوثيق وإدارة الموقع الإلكترونيّ وصفحات التواصل الاجتماعيّ في المجلّة): “منذ أن انضمّ عباس إلى أسرة المجلّة، زرع فيها نفَساً جديداً، إذ كان مهتمّاً بالفنّ والهندسة، حتّى أنّه حوّل مكاتبنا وأروقة المجلّة إلى حديقة، تجعل كلّ من يدخل إليها يستأنس بشتول وزهور لم تكن شكليّة فقط، بل كانت تعبّر عن شخصيّته المفعمة بالحياة والحيويّة والطاقة”.

وتضيف: “أذكر أيّام أزمة كورونا، عندما كنت أضطرّ لإحضار ابني معي إلى المكتب، كان يبقى معه طوال الوقت، يحمله ويلاعبه ويلهيه بلا كلل أو ملل، حتّى لا أنشغل به عن عملي”.

وتؤكّد حوراء أنّ عباس نادراً ما كان يحضر في مكتبه، لأنّه يبقى مشغولاً بالاهتمام بزملائه والمجلّة، وإذا حضر في مكتبه، تراه إمّا يقرأ القرآن أو يطالع كتاباً. وفي الوقت نفسه، كان نشيطاً جدّاً يقوم بمهامه بكلّ جدّيّة وإتقان.

*الأكثر حضوراً
بالإضافة إلى كلّ ما سبق، تقول سناء صفوان (محرّرة في مجلّة بقيّة الله): “لم يكن عباس مجرّد زميل، بل أخاً للجميع؛ يسأل عن أحوالنا وعائلاتنا ويهتمّ بشؤوننا. كان شخصاً اجتماعيّاً، ومحبوباً، ومرحاً، وصاحب دعابة يهدف إلى بناء علاقة أخويّة مع كلّ من حوله”.

وتتابع: “كان مستعدّاً لأن يقوم بأيّ شيء ليكون غيره مرتاحاً، فكان يحلّ مكان أيّ فرد غائب في أقسام أخرى، ويقدّم المساعدة للجميع دون أن تُطلب منه، حتّى لو تأخّر الوقت أو انتهى الدوام، وكذلك أيّام العطل، المهمّ بالنسبة إليه أن لا تبقى مهمّة دون إنجاز، وأن لا يرى أيّ فرد منّا منهمكاً في العمل أو مضغوطاً في وقته”.

وتذكر سناء كيف كان عباس يهتمّ بتعطير مركز المجلّة، خصوصاً يوم الجمعة، بحيث كان مواظباً على تبخير المكاتب. وكان يسارع إلى إصلاح أيّ غرض تالف أو بحاجة إلى ترميم أو صيانة، رغم أنّ هذه الأعمال كلّها لم تكن من مهامه، لكنّه كان يجد السعادة في إنجازها.

وكغيرها من الزملاء والزميلات، تؤكّد أنّ أكثر ما تميّز به عباس كان سخاؤه وكرمه وحسن ضيافته: “كان كريماً ومضيافاً لدرجة أنّه كان يضعنا أمام خيارات ما سيضيّفنا إيّاه حتّى يختار كلّ منّا بنفسه ما يحبّ”. وتضيف: “كنت دائماً أطلب منه أن يخفّف من كرمه حتّى يدّخر المال للزواج، فيجيبني بعبارته الشهيرة والمعتادة: (كلّه رايح يا أمّ علي)”!

وتختم سناء قائلة: “عباس كان من نِعم الله على أسرة المجلّة، لدرجة أنّنا كنّا نشعر بالفراغ في غيابه، وكأنّ أحداً لا يمكنه تعويضنا عنه، فقد كان أقوانا حضوراً، واسمه كان الأكثر ترداداً، ليس في المجلّة فقط، بل في مبنى الجمعيّة كلّها.

*الصابر المحتسب
أمّا صديق الشهيد محمّد بزي، فيرى أنّ أبرز ما تميّز به الشهيد عباس كان كظم الغيظ؛ فحتّى لو تعرّض لإساءة، كان صابراً محتسباً بشوشاً، يخفي حزنه ويكظم غضبه ويراعي مشاعر الآخرين، ولا يكفّ عن خدمة حتّى من يؤذيه.

ويضيف: “عباس، الذي كان مسؤولاً عن عائلته لأنّه ابن شهيد، كان يمرّ أحياناً بأوقات صعبة، ولكنّ البسمة وحسّ الفكاهة ما فارقتاه يوماً. وكان يتمتّع بإيثار كبير، إذ لم يكن ليشتري لنفسه شيئاً دون أن يشتري لأخته، وكان بارّاً بوالدته، ومعيناً لإخوته، ولم يبقَ له من راتبه إلّا القليل لكثرة ما كان ينفق على عائلته وأصدقائه وأصحاب الحوائج.

يتحدّث صديق آخر، حسين نون، عن حالته قبيل شهادته، بحيث كان يبدي اهتماماً خاصّاً بالمسائل الشرعيّة والخوف من الآخرة، ولم يكن يقبل أن تُرتكب معصية في حضوره قائلاً: “لا نريد المزيد من الذنوب، فكيف نلقى بها وجه الله تعالى؟”، وكأنّه كان يشعر أنّ اللقاء هذا بات قريباً.

هذا هو عباس بلسان زملائه، شخصيّة استثنائيّة ونادرة لا يمكن لأحد أن يملأ مكانها، ولكنّ أروقة مبنى جمعيّة المعارف ومجلّة بقيّة الله ومكاتبها ستبقى تحمل طيب أثره المبارك، ولمساته فيها تشهد على حسن صفاته وأخلاقه وروحه الطيّبة، ففقد إنسان بهذه الصفات هو بالتأكيد خسارة كبيرة ليس للمجلّة ولعائلته فقط، بل لكلّ من عرفه وأحبّه.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع