‏لعودة آمنة للنازحين عندما ننتصر... قبل أن ننتصر صغيرٌ في العمر..كبيرٌ في الموقف من سيرة القائد يوسف إسماعيل هاشم (السيّد صادق) الشعب المصري يستعيد بوصلة المقاومة ‏شغف الإمام الخامنئيّ قدس سره بـــالـكتــــاب والأدب(1) ‏الإمام الخامنئي قدس سره: قيادة تُجدّد روح الثورة فقه الولي | ‏حكم أجرة البيوت والمحالّ خلال الحرب لو اجتمع المسلمون في وجه الصهاينة* بمَ ينتصر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه؟*

الشعب المصري يستعيد بوصلة المقاومة

شادي علي*

قد يُفسّر الانحياز الفطريّ للمصريّين اليوم لمحور المقاومة، في جوهره، بأنّه استدعاء غير واعٍ للحقبة الناصريّة التي كانت فيها القاهرة تقود جبهة الرفض والصمود العالميّ؛ فالخطاب التحرّريّ المقاوم والمناهض للإمبرياليّة يلامس الوتر الحسّاس في الذاكرة المصريّة التي تربَّت عقيدتهاعلى أنّ كرامة الوطن وسيادته لا تستقيمان مع التبعيّة لصندوق النقد الدوليّ أو الرضوخ المستمرّ للمطالب الأميركيّة والصهيونيّة.

لكن مع تعميق النظر إلى الواقع ربما نجد مجموعةً من العوامل دفعت الشعب المصريّ إلى هذا الانحياز «الفطري» ليظهر قويّاً، يستعرض هذا المقال بعضها.

*خلفيّة التديّن الصوفيّ الأزهريّ
يمثّل البُعد الدينيّ مكوّناً مركزيّاً في صياغة انحيازات العقل المصريّ وتوجيه بوصلته الوجدانيّة. وتتميّز الخريطة الدينيّة في مصر بهيمنة الطابع السنّيّ الأشعريّ الممتزج بنزعة صوفيّة، وهو النمط الذي ترعاه مؤسّسة الأزهر الشريف تاريخيّاً. وقد أدّى هذا النمط من التديّن دوراً أساسيّاً في تقارب المزاج الشعبيّ المصريّ مع القيم الروحيّة والأخلاقيّة التي تطرحها جبهة المقاومة.

كما يتميّز التديّن الصوفيّ المصريّ بحالة من العشق التاريخيّ المتجذّر لآل بيت النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما يظهر جليّاً في حياة المصريّين اليوميّة من خلال تقديس مقامات السيّدة زينب، والإمام الحسين، والسيّدة نفيسة عليهم السلام، وسائر العترة الطاهرة في القاهرة. وقد خلق هذا التعلّق الوجدانيّ العميق بأهل البيت جسراً عاطفيّاً ومفهوميّاً خفيّاً بين الجماهير المصريّة والخطاب الدينيّ المقاوم الذي تتبنّاه الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، وحركات التحرّر مثل حزب الله في لبنان، والذي يستند بالأساس إلى «المظلوميّة الحسينيّة» وقيم التضحية والفداء في مواجهة الظلم. فسرديّة كربلاء، بوصفها ثورة أخلاقيّة وغائيّة ضدّ الاستبداد والحكم الجبريّ القائم على الغلبة الماديّة والقهر، لن تجد أيّ مقاومة في النفس المصريّة التي تمقت الظلم وتجلّ التضحية بالنفس والممتلكات من أجل المبدأ الحقّ.

*رفض الفكر الوهّابيّ
في المقابل، يتناقض التديّن المصريّ الصوفيّ تناقضاً بنيويّاً مع الإسلام الحركيّ الوهّابيّ والسلفيّ الدوغمائيّ الذي يُعلي من شأن النقل الحرفيّ ويحارب المظاهر الروحيّة والتصوّفيّة بوصفها «بدعاً وانحرافات». فقد أدرك المصريّون عبر عقود من التجارب أنّ تيّارات الإسلام السلفيّ والوهّابيّ كثيراً ما تحالفت مع السلطات القمعيّة لتكريس ما أسماه (ابن جماعة) و(الغزالي) بـ «فقه طاعة المتغلّب»، أو وظّفتها الاستخبارات الغربيّة والأميركيّة لخوض حروب بالوكالة تحت رايات طائفيّة (كما حدث في أفغانستان سابقاً وفي سوريا والعراق مؤخّراً) بهدف تمزيق نسيج الأمّة وخدمة المشروع الإمبرياليّ. لذلك، فإنّ الطبيعة الروحانيّة والصوفيّة للتديُّن المصريّ ترفض التوظيف الماديّ والدمويّ للدين، وتميل بفطرتها السليمة إلى من يرفع راية تحرير المقدّسات والدفاع عن المستضعفين ويقدّم الدم فداءً لذلك؛ وهي الراية التي تتفرّد بها اليوم فعليّاً جبهة المقاومة.

*انهيار النموذج الأخلاقيّ والاجتماعيّ المتطرّف
عاشت مصر تجربة قاسية ومعقّدة مع تيّارات الإسلام السياسيّ. ولعقود طويلة، ادّعت هذه الجماعات ومُنظّروها احتكار الحقيقة الدينيّة وتمثيل الإسلام «الحقيقيّ»، ورفعت الشعارات حول تحرير فلسطين، وإقامة الخلافة الإسلاميّة. ومع اندلاع موجات ما سُمّي بـ «الربيع العربيّ»، وتصدّر هذه الجماعات للمشهد العسكريّ والسياسيّ في دول عربيّة أخرى بدعم وتنسيق غربيّ، سقطت الأقنعة وانهار النموذج الأخلاقيّ والاجتماعيّ الذي استندت إليه هذه الحركات في حشد الجماهير المتديّنة لعقود.

*السقوط في سوريا وتأصيل «فقه التكيّف والبراغماتيّة»
تعدّ الأزمة السوريّة المحطّة التاريخيّة الفاصلة التي أسقطت الشرعيّة الأخلاقيّة والدينيّة للإسلام السياسيّ الإخوانيّ في أعين الشعوب العربيّة عموماً، وخاصّة الشعب المصريّ؛ فقد كشفت الأحداث الدامية عن تبنّي هذه الجماعات لـ»قراءة مادّيّة براغماتيّة» مبتذلة للإسلام، تمّ الترويج لها وتأطيرها فقهيّاً تحت مسمّيات مضلّلة مثل «فقه الموازنات» أو «فقه التكيّف» أو «الواقعيّة».

لقد راقب المصريّون -مثل غيرهم من الشعوب العربيّة- كيف قام كبار منظّري هذا التيّار بإصدار فتاوى تستدعي بصراحة تدخّل حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتدمير دول عربيّة سياديّة مثل: ليبيا وسوريا، وكيف شكروا علناً الولايات المتّحدة الأميركيّة على تسليحها للمجموعات التكفيريّة المسلّحة مطالبين إيّاها بـ»أن تقف وقفة رجولة لله»، وكيف حوّلوا بوصلة الصراع الجوهريّة من مواجهة الكيان الصهيونيّ الاستيطانيّ إلى تأجيج فتنة مذهبيّة طائفيّة لتفتيت الأمّة وقتل أبنائها بعضهم بعضاً.

لقد أثبتت التجربة العمليّة أنّ تلك المشاريع في العالم العربيّ والحركيّ في سوريا لم تكن سوى تجسيد لـ«راية ضرار» تاريخيّة جديدة؛ راية ترفع شعارات إسلاميّة برّاقة لخدمة مشاريع استكباريّة بحتة تهدف إلى بلقنة(1) العالم الإسلاميّ، وتدمير جيوشه الوطنيّة. هذا الانكشاف الأخلاقيّ، الذي رافقه تحالف استراتيجيّ ولوجستيّ مع المخابرات الأميركيّة والأوروبيّة والتركيّة والإسرائيليّة، أسقط القشرة الدينيّة والمثاليّة عن هذه المشاريع، وأظهر للعيان مدى تهافته وارتباطه العضويّ بأجندات الاستعمار الجديد ومشاريع «الفوضى الخلّاقة».

*الالتفاف نحو بوصلة المقاومة والأصالة الثوريّة
أمام هذا الانهيار المدويّ للإسلام المادّيّ التبريريّ، ما فرّغ الدين الإسلاميّ من محتواه الغائيّ والروحيّ، وحوّله إلى مجرّد أداة انتهازيّة للوصول إلى السلطة بأيّ ثمن ولو بالتحالف مع الشيطان، تعالت تطلّعات المصريّين المتعطّشين لقيم البطولة والنقاء الثوريّ، فوجدوا ضالّتهم المنشودة في خطاب جبهة المقاومة وسلوكها وتضحياتها، المرتكز على ثقافة التوحيد الخالص، والشهادة في سبيل الحقّ، ورفض الخضوع المطلق للمنظومة الاستكباريّة مهما غلا الثمن.

كما أنّ استشهاد قادة المقاومة العظام في ميادين الشرف والخطوط الأماميّة، وصمود غزّة الأسطوريّ بدعم وإسناد فعليّ بالدم والمال والسلاح من جبهات المقاومة المتعدّدة، من دون خضوع لحسابات مادّيّة نفعيّة، كالتي تتبنّاها الأنظمة الوطنيّة والجماعات الوظيفيّة، أعاد المكانة بقوّة لمفاهيم المبدئيّة، والتضحية، والولاء الحقيقيّ لقضايا الأمّة. والمصريّ بطبيعته الأخلاقيّة المتأصلّة، ينجذب بقوّة إلى الصادقين الذين يقرنون القول بالعمل في ساحات المواجهة المفتوحة، وينفضّ عن سماسرة الدين ومنظّري التكيُّف الذين يتاجرون بالدماء ويبرّرون الخيانة من غرف فنادق الخمس نجوم في الدوحة وإسطنبول ولندن.

* الوعي الجمعيّ المصريّ واستعادة البوصلة
إنّ التحليل الاجتماعيّ والجيوسياسيّ لديناميّات العقل المصريّ والمزاج الشعبيّ، يثبت أنّ كلّ محاولات تطويع هذا الشعب، سواء عبر آليّات «الفرعونيّة السياسيّة» القمعيّة لسلطاته المتعاقبة داخليّاً، أو عبر برامج «الهندسة الاجتماعيّة» والتدخّلات الثقافيّة الناعمة التي صمّمتها مؤسّسات الهيمنة الغربيّة خارجيّاً، تبوء دائماً بالفشل عندما تصطدم بجوهر الكرامة والعمق الحضاريّ الدفين في الشخصيّة المصريّة.

وعلى الرغم من كلّ التهديدات الاقتصاديّة التي حوّلت حياة المصريّين إلى صراع من أجل البقاء بسبب سياسات التبعيّة للنيوليبراليّة الغربيّة، وعلى الرغم من آلات التضليل الإعلاميّ الجبّارة التي يُضخّ فيها رأس المال الغربيّ والخليجيّ لتغييب الوعي وتشويه حقائق الصراع وبثّ الإحباط والفردانيّة، يبقى الوجدان المصريّ الأصيل عصيّاً على الانكسار الدائم والاستلاب التامّ؛ فهذا الشعب الذي يحمل إرثاً نهرانيّاً عريقاً وتاريخاً إمبراطوريّاً يأبى التبعيّة، وعقيدة أزهريّة صوفيّة متسامحة تأبى الظلم وتستلهم القيم العليا المجرّدة من تضحيات آل البيت، وذاكرة وطنيّة حيّة مخضّبة بدماء شهداء أكتوبر في مواجهة الصهيونيّة، يمتلك بوصلة فطريّة لا تخطئ في تمييز الخبيث من الطيّب، والصادق من المدّعي والمتلوّن.

(1) مصطلح سياسيّ مشتقّ من كلمة “البلقان”، يعني تفتيت كيانٍ كبيرٍ إلى دويلات صغيرة متناحرة على أساس عرقيّ أو مذهبيّ أو جهويّ، على غرار ما حدث في شبه جزيرة البلقان بعد انهيار الدولة العثمانيّة، ما يُضعف الكيان ويجعله سهل الاختراق والسيطرة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع