مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

حرٌّ كما سمّتك أمُّك

الشيخ بسّام محمّد حسين


عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام، أنّه قال: "يُسلَك بالسعيد في طريق الأشقياء حتّى يقول الناس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثمّ يتداركه السعادة، وقد يُسلَك بالشقيّ طريق السعداء حتّى يقول الناس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثمّ يتداركه الشقاء، إن من كتبه الله سعيداً وإن لم يبقَ من الدنيا إلّا فواق ناقة ختم له بالسعادة"(1).


لعلّ من المصاديق البارزة لهذا الحديث هو الحرّ بن يزيد الرياحيّ (رضوان الله عليه)، الشهيد السعيد بين يدَي الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، الذي تداركته السعادة في آخر لحظات عمره عندما انتقل إلى معسكر الإمام الحسين عليه السلام، بعد أن اجتاز بنجاح مجموعة اختبارات ومواقف صعبة وخطيرة. سنتعرّف في هذا المقال ببعض هذه الاختبارات التي جعلته يستحقّ بالفعل قوله عليه السلام: "أنت الحرُّ كما سمّتك أمُّك، حرٌّ في الدنيا والآخرة"(2)، وفي بعض الروايات: "حرٌّ في الدنيا، وسعيدٌ في الآخرة"(3).

1- تفكّر الحرّ
لقد أظهر موقف الحرّ الذي اختار فيه اللّحاق بالإمام الحسين عليه السلام عظمة التفكّر ودوره في الوصول إلى الحقيقة والنّجاة من الهلكات، حيث وصل إلى ذلك بعد أن فكّر في عاقبة أمره. تقول الرواية: لمّا رأى الحرّ بن يزيد أنّ القوم قد صمّموا على قتال الحسين عليه السلام، قال لعمر بن سعد: أيْ عمر، أَمُقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي، قال: أَفَمَا لكم فيما عرضه عليكم رضىً؟ قال عمر: أَمَا لو كان الأمر إليّ لفعلت، ولكنّ أميرك قد أبى. فأقبل الحرّ حتّى وقف من النّاس موقفاً، ومعه رجل من قومه يقال له: قرّة بن قيس، فقال: يا قرّة، هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: فما تريد أن تسقيه؟ قال قرّة: فظننتُ -والله- أنّه يريد أن يتنحّى فلا يشهد القتال، ويكره أن أراه حين يصنع ذلك، فقلت له: لم أسقه وأنا منطلق فأسقيه. فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه، فوالله لو أنّه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين بن عليّ عليهما السلام، فأخذ يدنو من الحسين عليه السلام قليلاً قليلاً، فقال له المهاجر بن أوس: ما تريد يا ابن يزيد، أتريد أن تحمل؟ فلم يجبه وأخذه مثل الأَفكَل -وهي الرّعدة- فقال له المهاجر: إنّ أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقفٍ قطّ مثل هذا، ولو قيل لي: مَن أشجع أهل الكوفة؟ ما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟! فقال له الحرّ: إنّي -والله- أخيّر نفسي بين الجنّة والنّار، فوالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطِّعت وحرِّقت. ثمّ ضرب فرسه فلحق بالحسين عليه السلام(4). وهذا من ثمار التفكّر الذي ورد فيه عن أبي عبد الله عليه السلام: "تفكّر ساعة خيرٌ من عبادة سنة"(5).

2- التضحية بالجاه والمقامات
إنّ الحرّ بن يزيد ينتهي نسبه إلى يربوع بن تميم الرياحيّ، قالوا فيه إنّه: كان شريفاً في قومه، وإنّه كان في الكوفة رئيساً ندبه ابن زياد لمعارضة الحسين عليه السلام، فخرج في ألف فارس(6). ولا شك في أنّ مثل هذه الأمور تقيّد الإنسان وتكبّله في مواقف حرجة كهذه، وتمنعه من سلوك طريق الحقّ أحياناً إذا ما استسلم لها ولم يتمكّن من الخلاص منها، لكنّ الحرّ لم تأسره هذه العناوين الزّائلة ولم تقيّده رئاسة أو زعامة أو جاه أو نحوه، وهذا هو معنى الحريّة كما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام: "من ترك الشّهوات كان حرّاً"(7).

3- عدم الاكتراث بالمخاوف والتّهديدات
لقد كانت الكوفة يسودها الخوف من عبيد الله بن زياد، حيث كان يهدم الدّور ويسجن ويقتل وينفي، ومن الطبيعيّ أن يرد مثل هذا الخوف على الإنسان في لحظات مصيريّة كهذه، فيخاف على عياله أو ماله وأملاكه، أو لا أقلّ تزيّن له نفسه الأمّارة بالسّوء ذلك.

لم يشأ الحرّ أن يقدّم هذه الأعذار والحجج الواهية كلّها، فتحرّر من كلّ ما يشغله عن مصيره الحتميّ وعاقبته النهائيّة، ولم ينكسر أو يضعف أو يهن أمام تلك التحدّيات الصعبة كلّها، وهذا هو الحرّ كما عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الحرّ حرّ على جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكّت عليه المصائب لم تكسره وإن أُسر وقُهر واستُبدل باليسر عسراً، كما كان يوسف الصدّيق الأمين صلوات الله عليه لم يضرر حريّته أن استُعبد وقُهر وأُسر"(8).

4- نبل الحرّ وأخلاقه
كان الحرّ يتحلّى بالعديد من الصّفات الأخلاقيّة التي ساهمت في نجاته وتحوّله، فقد كان نبيلاً صاحب خلق، كما ظهر ذلك حينما التقى بالإمام عليه السلام وأراد الإمام أن يصلّي فقال للمؤذّن: "أقم"، فأقام الصّلاة، فقال للحرّ: "أتريد أن تصلّي بأصحابك؟" قال: لا، بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك. فصلّى بهم الحسين بن عليّ عليهما السلام(9).

فمثل هذا الموقف من الحرّ، وهو الخارج ليمنع الحسين عليه السلام من دخول الكوفة ومعه ألف فارس، لا شكّ في أنّه يدلّ على عمل أخلاقيّ رفيع المستوى. وكذلك حينما قال له الحرّ: إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك، ألّا نفارقك حتّى نقدّمك الكوفة على عبيد الله. فقال له الحسين عليه السلام: "الموت أدنى إليك من ذلك"، ثمّ قال لأصحابه: "قوموا فاركبوا"، فركبوا وانتظر حتّى ركب نساؤهم، فقال لأصحابه: "انصرفوا"، فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف، فقال الحسين عليه السلام للحرّ: "ثكلتك أمّك، ما تريد؟"، فقال له الحرّ: أَمَا لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها، ما تركت ذكر أمّه بالثّكل كائناً من كان، ولكن -والله- ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل إلّا بأحسن ما يقدر عليه..."(10).

والدعاء عليه أن تثكل به أمّه هو دعاء عليه بالموت، إلّا أنّ هذا الاحترام من الحرّ للصّديقة الزهراء عليها السلام كان له الأثر الطيّب في حُسن عاقبته، وليس من البعيد أن يكون قول الإمام له بعد ذلك: "أنت الحرّ كما سمّتك أمّك"، فيه نوع من التطييب لخاطره بجميل صنعها بعد أن دعا على الحرّ في موقفه الأوّل بأن تبكيه وتُثكل به، والله العالم.

5- توبة الحرّ
يعلّمنا الحرّ كيف يجب علينا أن نقف مع أنفسنا، وخصوصاً في اللّحظات الحاسمة التي نخيّر فيها أنفسنا بين الجنّة والنار، لنرجع فيها إلى الله تعالى ونتوب من ذنوبنا، ولا نختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعنا وحرّقنا، فـ"ما خيرٌ بخيرٍ بعده النار، وما شرٌ بشرٍّ بعده الجنّة"(11)، كما عن أمير المؤمنين عليه السلام. ومهما عظمت المعصية، فإنّ باب رحمة الله تعالى وعفوه يبقى مفتوحاً، ولا ينبغي أن ييأس الإنسان من رحمة الله تعالى.

وحينما أراد الحرّ التوبة، لم يخترع لنفسه طريقاً للتوبة كما قد يصنع بعضهم، فكان باستطاعته أن يترك القتال ويذهب إلى أهله وعياله، أو إلى مكان آخر يضمن معه سلامته وبقاءه حيّاً، ويمنّي نفسه بعد ذلك بالتوبة من خلال العبادة والصلاة والدعاء والاستغفار ونحو ذلك... إلّا أنّ عظمة الحرّ أنّه اختار الطريق الصحيح للتوبة: "من أراد الله بدأ بكم"، فجاء إلى الإمام الحسين عليه السلام ليسأله عن التوبة وعن إصلاح ما أفسده، ولكن بحالةِ المنكسر، قالباً ترسه، واضعاً يده على رأسه، حياءً من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: أللهمّ إليك أنيب فتب عليّ، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك، يا ابن رسول الله، هل لي من توبة؟ قال: "نعم، تاب الله عليك...".

فهنيئاً لك أيّها الحرّ هذه المرتبة بين شهداء كربلاء.


1.الكافي، الكليني، ج1، ص154.
2.لواعج الأشجان، الأمين، ص146.
3.إبصار العين، السماويّ، ص210.
4.الإرشاد، المفيد، ج2، ص99.
5.مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج11، ص183، عن تفسير العياشي.
6.إبصار العين، (م.س)، ص203.
7.ميزان الحكمة، الريشهري، ج1، ص583.
8.(م.ن)، ج1، ص582.
9.الإرشاد، (م.س)، ج2، ص79.
10.(م.ن)، ج2، ص80.
11.نهج البلاغة، الحكمة رقم 387.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع