مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

نور روح الله: أذِنَ لنا بعبادته(*)



ينقل عن السيد ابن طاووس (رضوان الله عليه) أنّه احتفل بيوم بلوغه سنّ الرشد، حيث أُذن له بالعبادة في محضر الله تبارك وتعالى. ولو لم يكن أمر من الله تعالى، لست أدري كيف كنّا سنسمح لأنفسنا بمدح الله والثناء عليه!

* الله تبارك وتعالى أكبر
لاحظوا الصلاة التي هي في طليعة جميع العبادات، حيث تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتكبير أيضاً. كما إنّ فحواها التكبير والتسبيح والتحميد. ربما هذا من أجل أن يفهم الإنسان أنّه -ومنذ اللحظة الأولى التي يريد أن يلج فيها أكبر عبادات الله‏ تعالى، ويدخل في العبادة- عليه أن يلتفت إلى أنّ الله تبارك وتعالى أكبر. ففي كلّ مقطع من المقاطع هناك تسبيح وتكبير. التسبيح هو تنزيه بمعنى أنّ الله أكبر من الذي تعبدونه. وفي الوقت ذاته الذي تحمده تسبّح له وتكبّره..

* الحمدُ له وحده
تدخل الصلاة فتكبّر. تبدأ الحمد فتعتبر الحمد خاصّاً بالله. ولا أعتقد أنّ إدراك أبعاد هذا الأمر ولطائفه، من أنّ الحمد خاصّ بالله تعالى، واضح لأحد غير الذين أذِنَ لهم الله تعالى بذلك؛ لأنّ أصل التحميد لا يقع لغير الله تعالى. حتّى أنت عندما تُثني على زهرة وتعظّم تفاحة، فإنّما تعظّم وتمجّد الله تعالى؛ لأنّ التفاحة في حدّ ذاتها لا تساوي شيئاً. كما إنّك عندما تمجّد إنساناً كاملاً إنّما تمجّد الله تعالى.

ليس الإنسان بشيء حتّى الأنبياء. غاية كمال الإنسان هو أن يدرك أنه عاجز، عاجز عن عبادة الله تبارك وتعالى. فمن يقف في طليعة سلسلة الأنبياء والأولياء يقرّ بأننا لم نعرفك، -وهذا صحيح-، ولم نعبدك(1) وهذا صحيح أيضاً؛ لأنّ العبادة فرع من فروع المعرفة، وهذه المعرفة هي في حدود أبعاد الإنسان، وعلى النطاق الإنسانيّ. فالأنبياء عليهم السلام لديهم معرفة، وأعظمهم الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. ولكنّ معرفة الله أكبر من هذا القدْر المحدّد في نطاق الإنسان. إنّه وحده الذي يعرف نفسه ويثني عليها. ولو لم يكن الإذن بأن يخوض الإنسان في العبادات، جميع العبادات، فإنّ الإنسان لا يجرؤ على الوقوف أمام الله لحمده وتمجيده. فمثل هذا مجرد ادّعاء.

التحميد والتمجيد مجرّد ادّعاء بأنّي [يا الله قد] عرفتك. والإنسان أعجز من أن يحيط بمعرفة الله، ولكن لا خيار آخر أمامه، لأنّ الله هو الذي أمر بذلك وأنّ على الجميع الطاعة وإنْ كانوا قاصرين عن حمد الله وتنزيهه.. وأينما كان هناك تكبير يتْبعه تنزيه. ومثل هذا في الصلاة أيضاً؛ إذ يقول المصلّي: سبحان الله ثمّ الحمد لله ثمّ الله أكبر. في البدء ينزّه الله ثم يحمده، ثم يكبّره، حيث يقع حمد الله بين التنزيه والتكبير. ولدى الركوع يكبّر، وعندما ينهض من الركوع يكبّر، ففي الركوع تنزيه. وعندما يريد السجود يكبّر أيضاً، وبعد السجود يكبّر. إنّك تكبّر وتسجد وتنزّه في صلاتك. كلّ ذلك من أجل أن نفهم بأنّ الأمر أكبر من هذا الذي نفعله. هذا هو وضع الصلاة والعبادات الأخرى. ولو لم يكن أمر الله وضرورة طاعة أمر الله، فلا بدّ من القول إنّ الإنسان الذي حظّه من المعرفة ضعيف، لا يجرؤ على الوقوف أمام الله وعلى عبادته. ولكنّه تعالى هو الذي سمح بذلك.

* القرآن يتلاءم مع فهم الإنسان
إنّ الله تبارك وتعالى قد يسّر المعارف والحقائق لنتمكّن من استيعابها. وهكذا فإنّه يتدنّى بجميع المعارف ليصل بها إلى مستوى يتسنّى لنا إدراكها. فقد أنزل القرآن من حجاب إلى حجاب وتدنّى بالطبقات حتّى أوصلها إلى ألفاظ تتلاءم مع فهم الإنسان. حتّى هذه الألفاظ قد تستعصي معانيها على فهم الإنسان. فمنذ البداية حيث‏ يبدأ القرآن بفاتحة الكتاب، ومنذ اللحظة الأولى حيث يختصّ الحمد به تعالى، يدرك الإنسان أنّه عاجز عن الفهم؛ إذ إنّ المحامد كلّها له سبحانه. فلا أحد يليق به الحمد ولا أحد يُحْمَد غيره. يمدحون الإنسان، يمدحون الشمس. ولكنّ المدح منه كلّه، وإنّ الجميع يمدحونه وهم لا يفقهون. كما إنّ معاناة الإنسان في العالم الآخر هي بسبب عدم الفهم هذا. ولهذا ثمّة حجاب بين الإنسان والحقائق. فلو تمعّن الإنسان قليلاً حتّى في هذا العالم الماديّ، في هذا الموجود في عالم المادة، وفي حدود ما تصل إليه يد الإنسان، سوف يدرك مدى قدراته على الفهم والاستيعاب، فكيف الأمر إذن بالنسبة إلى ذلك الذي لم تصل إليه يد الإنسان؟

هذه السماء الدنيا كلّها، وبالقدر الظاهر منها تعتبر زينة. وفوقها ملايين الشموس وفوقها مليارات الأجرام السماوية، وما وراء ذلك ما لا يعلم به غير الله. إنّ ضعف الإنسان يتجلّى في أنانيته وعبادته للمنصب والمقام. فكم الإنسان ضعيف كي تستحوذ عليه أنانيته في هذه الدنيا. وكم الإنسان جاهل حتى ينظر إلى كل هذه الأمور ويعتبرها منصباً وجاهاً.

* أصحاب المقامات أدركوا حقيقة الأمر
عندما ننظر إلى أصحاب المقامات الروحيّة والمعنوية، عندما ننظر إلى أدعيتهم نراهم أكثر عجزاً منّا؛ لأنهم أدركوا حقيقة الأمر. فأنتم عندما تقرأون "دعاء كميل"، و"المناجاة الشعبانية" والأدعية الأخرى الواردة عن المعصومين عليهم السلام تروْن أنّ لغة هؤلاء غير لغتنا العامة، نحن الذين إذا ما علمنا مسألة فقهيّة تصوّرنا أنّنا أصبحنا شيئاً، ولو حصلنا على مقام معنويّ تصوّرنا أنّنا حققنا كل شي‏ء. ولكن عندما ينظر الإنسان إلى أقوال أولئك الذين وصلوا إلى هذه المقامات التي يعجز عن الوصول إليها الآخرون، يجدها لا تكفّ عن تصوير عجزهم من أولها إلى آخرها، ويجب أن تكون كذلك؛ لأنّهم لم يصلوا ولن يصلوا أبداً. ولكنّنا ملزمون بأن ندعو، أمرنا [الله تعالى] بأنْ نحمد وأنْ نسبّح، أمرنا بالصلاة.


(*) من خطاب الإمام الخميني قدس سره في حسينية جماران - طهران (1 شوال 1403هـ.ق).
1- إشارة إلى الحديث النبويّ "ما عرفناك حقّ معرفتك، وما عبدناك حقّ عبادتك"، بحار الأنوار، ج68، ص23.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع