مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

حفظ الثورة والخط الجهادي‏: خطورة التزلف للأشخاص‏

التاريخ الإسلامي يشهد أن المغالاة في تمجيد الأشخاص وتعظيم أصحاب الجهاد الطويل، أو العلم والفكر، هو أحد العوامل التي جعلت استمرار الثورة الإسلامية مع بداية توهججها عرضة للخطر، وكان سبباً أساسياً لإيجاد مشاكل جمة في العالم الإسلامي، فأريقت دماء كثيرة.

يمكن لهذا القليل أن يكون تجربة مفيدة، يستفاد منه في ثورتنا الإسلامية المعاصرة. قبل الشروع في تفسير معنى صنمية الشخص لا بد من التذكير بهذا الأمر وهو أن الأشخاص على قسمين، الأول: يعتبر اتباعه بالمطلق شركاً وعبادة للأصنام، أما التبعية المطلقة للقسم الثاني فهي عين عبادة الله والتوحيد. الناس الذي سبقوا الآخرين في مسيرهم التكاملي ووصلوا قمة الإنسانية خلال سيرهم نحو الحق المطلق، وتفاعلت قابليات التكامل فيهم، وتجلت القيم الإنسانية في وجودهم فبلغوا مقام الهداية والإمامة المطلقة، هم أناس إلهيون، ولا تعتبر تبعيتهم بالمطلق غير عبادة الأصنام والشرك فحسب، بل يعد ذلك عين عبادة الله والتوحيد، لأنهم تجسم الوحي وعينيته. لدرجة تصبح معها أساليب معيشتهم ومواقفهم الفردية والاجتماعية معياراً للوحي والحق. ومن البديهي هنا عدم إمكانية إثبات هكذا صفات إلا للقادة المعصومين صلوات الله عليهم. وهذا يتجلى في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصف الإمام علي عليه السلام حيث يقول: "علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث دار"1. وهذا ما نقرأه في زيارة الإمام عليه السلام: "السلام عليك يا ميزان الأعمال".

نعم عندما يصل الإنسان إلى مقام الإمامة المطلقة، ويصبح تجسماً عينياً للوحي وقرآناً ناطقاً، تصبح شخصيته ميزاناً لمعرفة ميزان تكامل الإنسان، ويكون تصرفه وموقفه معياراً للحق والباطل. ولهذا نجد النبي حينما يوصي عمار بن ياسر حول الحوادث التي ستطرأ في تاريخ الإسلام يقول: "إذا مال كل الناس لجهة ومال علي عليه السلام لجهة ثانية فمل مع علي لأنه لا ينفصل عن الهداية"2.

لهذا فالتبعية والطاعة المطلقة لهؤلاء الذين هم عين الوحي والقرآن الناطق لا تعتبر عبادة للشخص وشركاً وحاجزاً يحول دون استمرار الثورة، بل كما سبق وأشرنا في البحوث السابقة فإن استمرار قيادة هؤلاء ضمان لاستمرار الثورة. أما الذين لم يصلوا إلى هذه المرحلة في السير التكاملي فلا يمكن اعتبار مواقفهم معياراً للحق والباطل بأي وجه من الوجوه، حتى ولو كانوا أبطالاً، فطاحل علم، أمراء خطابة، أسود وغى وجهاد و.... عبادة البطل تسلب من الإنسان قدرته على التفكير والابتكار ومقارنة الحق بالباطل، الإفراط في تبعية مثل هذا النوع من البشر يمسخ قدرة الإنسان على التعقل والتدبر، ويقضي على حسن الاعتماد على النفس. عندما يتخذ الإنسان لنفسه هكذا قدوة لا يعود قادراً على تمييز الحق من الباطل في المسائل العقائدية أو الاجتماعية أو السياسية وغير ذلك. الغلو في تقييم البطل يدفع الإنسان للسير في ركبه حتى في المسائل الاعتقادية المخالفة، لأنه يكون قد أخذها بدوره عن بطله وقدوته. وهذا أمر واقعي نجده في كل المجتمعات، وفي كل المذاهب والعقائد.

العارف بتاريخ صدر الإسلام يعرف أن الغلو في تعظيم الأبطال وتمجيد الأشخاص العظام الذين كان لهم دور بارز في ساحات الجهاد كان أحد أكبر العوامل التي حالت دون استمرار الثورة الإسلامية وسببت الكثير من الحروب وإراقة الدماء من غير وجه حق. في واقعة معركة الجمل أصيب أحد صحابة الإمام علي عليه السلام بحيرة شديدة لم يكن يدري ما الذي يجب فعله فهو يرى علياً عليه السلام في جهة ومعه قسم من كبار الصحابة يقاتلون، ويرى في الجهة الثانية عائشة أم المؤمنين3 ومعها جمع من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كطلحة صاحب التاريخ النظيف وشهرته الذائعة في حقل الرماية، والزبير بتاريخه المشرف إذ كان من بين الذين تحصنوا في بيت علي عليه السلام يوم السقيفة، نجدهم الآن يقاتلون علياً. حار هذا الرجل حيرة شديدة ولم يكن باستطاعته معرفة الجهة المحقة وكما يقول الشهيد مطهري: "نحن لا نحار الآن في التمييز بين علي وعمار وأويس القرني وبين عائشة والزبير وطلحة، لأننا نظن أن علامات الإجرام والخيانة كانت بادية على وجوه الفئة الثانية، وأنه كان يكفي أن ننظر في وجوهم لنعلم أنهم أهل النار. ولكن لو كنا نحيا في ذلك الزمان ولو كنا نرى سوابقهم عن قرب لما عُصمنا عن التشكيك والحيرة. نحن الآن نعتبر الفئة الأولى مع الحق والفئة الثانية مع الباطل لأنه توجد عوامل تساعدنا في ذلك ومنها مرور الزمان الذي سهل لنا معرفة ماهية علي عليه السلام وعمار في جهة، وزبير وطلحة وعائشة من جهة ثانية. ولهذا استطعنا الحكم بصورة جيدة، وحتى لو لم نكن من أهل التحقيق والمطالعة في التاريخ فهكذا لقّنّا منذ الصغر، ولكن لم يكن لهذين العاملين المساعدين وجود في ذلك العصر"4.

على كل حال، كان اسمه حارث بن حوط فقدم إلى الإمام عليه السلام وقال له: أتظن أنه يمكنني الاعتقاد بكون أصحاب الجمل على خطأ"5. وقد نُقل استفهامه بعبارات مختلفة منها أنه قال للإمام: "أعتقد أنه لم يتفق طلحة وزبير وعائشة إلا على الحق"6. أو قال: "وهل يمكن لمن كانت لديه مثل هذه السوابق الحسنة أن يخطأ مثل هذا الخطأ"؟ فأجابه الإمام علي عليه السلام جواباً قال فيه الدكتور طه حسين الكاتب المصري المعروف: "لا يمكن أن نجد كلاماً أرقى من هذا الكلام، إذ لم نسمع بمثله بعد أو وقف كلام الوحي وانقطع نداء السماء، لم نسمع بعده كلاماً بهذه العظمة". قال الإمام عليه السلام: "إنك لملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يعرفنا بأقدار الرجال، اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله". وقد نُقل كلام الإمام بعبارات مختلفة وقد ورد في نهج البلاغة أنه قال: إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك فحرت إنك لم تعرف الحق فتعرف من أتاه، ولم تعرف الباطل فتعرف من أتاه"7.
وقد نُقلت عبارة الإمام بطريقة مختلفة: "يا حار إنك ملبوس عليك إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس ولكن اعرف الحق باتباع من اتبعه والباطل باجتناب من اجتنبه"8.

إذن الابتعاد عن تأليه الأشخاص من العوامل المؤثرة جداً لاستمرار الثورة الإسلامية المعاصرة. علينا أن لا نؤله أحداً وأن لا نرمي أحداً بالعصمة فلنعط لأنفسنا حق التفكير والتشخيص، ولنعتبر الحق معياراً للحق، وبهذه الرؤية الإسلامية الدقيقة نستطيع بحل الله وقوته نشر الثورة الإسلامية في مختلف أصقاع العالم... على أمل تحقق ذلك اليوم..


شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج‏2 ص 297 يقول ابن أبي الحديد: ثبت هذا الحديث عن طريق الأخبار الصحيحة.
1- مضمون الحديث (دلائل الصدق ج‏2، ص 302).
2- وأزواجه أمهاتهم سورة الأحزاب، الآية: 6.
3- جاذبة ودافعة علي عليه السلام ص 137 - 138.
4- نهج البلاغة رقم 262 في الحكم.
5- نهج السعادة ج‏1 ص 289.
6- نهج البلاغة حكمة رقم 262.
7- مستدرك نهج البلاغة عن أمالي الشيخ الطوسي (نهج السعادة ج‏1 ص 298).
8- وقد وردت القصة في أمالي المرحوم الشيخ المفيد بهذا الشيخ:
"فقال له الحارث لو كشفت فداك أبي وأمي الرين عن قلوبنا وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا، قال علي عليه السلام":
"فداك فإنك امرؤ ملبوس عليك، إن دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحق فاعرف الحق تعرف أهله".
أما المتن الذي انتخبناه فهو المتن الأول وهو يتوفق مع نقل الشهيد مطهري في كتاب علي وبنوه، وسبب انتخاب هذا المتن كونه أكثر متانة من سائر المتون الأخرى.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع