فقه الوليّ: من أحكام السفر ومستجدّاته.. أسرتي: طباع الزوجين: هـــل تتــغيّـــر؟ مجتمع: ترشيد الاسـتهلاك: ضرورة وليس ترفاً آخر الكلام: ليست كذبة!! تجربتي مع كورونا التعلُّم عن بُعد: هل ينجح الأهل؟ كوفيد- 19 وآثاره النفسيّـــــــة هل كورونا.. كذبة؟ (حوار مع مختصَّين من وزارة الصحّة) توجيهات اجتماعيّة وأسريّة في ظـــلّ كورونا مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*)

كيف نحدد المرجع الواجب تقليده؟

الشيخ محمد توفيق المقداد(*)

 



مما لا شك فيه أن الوسيلة الأكثر انتشاراً بين المسلمين من أجل تطبيق أحكام دينهم هي "التقليد" وهو عبارة عن أخذ الفتوى أو الحكم عن المرجع الذي يقلده المؤمن الملتزم حتى يكون بري‏ء الذمة أمام اللَّه يوم القيامة في امتثال الأحكام الشرعية التي تنظِّم له علاقاته مع اللَّه عزَّ وجلّ‏َ ومع المجتمع ككل في المجالات كافة. والمرجع هو الشخص الذي درس العلوم الإسلامية المطلوبة للوصول إلى مرحلة الاجتهاد التي تؤهله ليكون قادراً على استخراج الأحكام من الأدلة الشرعية الموجودة في القران الكريم والسنّة النبوية الشريفة وأحاديث الأئمة المعصومين عليهم السلام.

* شروط المرجع الواجب تقليده‏
اشترط الإسلام في المرجع الواجب تقليده شروطاً لا بد من توفرها فيه حتى يكون أهلاً لإرجاع الناس إليه لأخذ معالم دينهم عنه، وليكون عملهم مطابقاً لما هو المفروض عليهم. والشروط المعتبرة هي التالية البلوغ، العقل، الذكورة، الإيمان، العدالة، الحياة، الاجتهاد، الأعلمية، الخبرة بأمور العصر الذي يعيش فيه، طهارة المولد "أي أن لا يكون متولداً من الزنا". وبعض الشروط المذكورة بديهية لا تحتاج إلى الدليل لوضوحها كالبلوغ والعقل والإيمان والذكورة، أما باقي الشروط فتحتاج إلى الاستدلال عليها.

* شرط الاجتهاد
الشرط الأهم من بين ما ينبغي الاستدلال عليه من الشروط هو "الاجتهاد"، وذلك لأن غير المجتهد لا ينطبق عليه لفظ "العالِم" بالقواعد والأصول العامة للشريعة الإسلامية، وبالتالي لا يكون قادراً على تحديد الحكم الشرعي في كل المجالات، ولو فرضنا أنه قادر على ذلك بنحو جزئي فهذا لا يعطيه الحق بالتصدي للمرجعية العامة للمسلمين، فيكون هو بالتالي بحاجة للرجوع فيما يجهله إلى العالم الكامل وهو "المجتهد المطلق".

* شرط الأعلمية
يلي شرط الاجتهاد في الأهمية شرط "الأعلمية" والمراد منها أن يكون المرجع في اجتهاده العلمي وفي طرق استخراجه للأحكام أكثر دقة وإحاطة وخبرة ودراية واستيعاباً في البحث والتحليل لكل ما له علاقة بالحكم الشرعي المراد، واستخراجه من أدلته الشرعية. من الأدلة على شرط الأعلمية هو دليل العقل، لأن الأمر عندما يدور بين تقليد الأعلم وغيره، فالعقل يحكم بالأخذ بفتوى الأعلم لأنه أكثر براءة للذمة من غيره، لأن المسلم مكلَّف بالأحكام فإذا قلَّد غير الأعلم مع وجود الأعلم، ثم شكّ‏َ في صحة امتثاله وبراءة ذمته، فلا يمكن أن يحكم ببراءة الذمة لاحتمال أن تكون فتاوى الأعلم أكثر دقة وإصابة وقرباً للواقع، وهذا ما نعبِّر عنه فقهياً بقاعدة "الاشتغال اليقيني بالحكم يستلزم براءة الذمة يقيناً".

* طرق تحديد الأعلم‏
وتعيين الأعلم من بين المجتهدين له وسائل وطرق حدَّدها الشرع الإسلامي وهي على النحو التالي:
1- الاختبار الشخصي: هذا الطريق يعتمد على دراسة أبحاث واستدلالات المرجع الأعلم من جانب مجتهدين عندهم القدرة العلمية والمعرفة بأساليب الاستدلال على استخراج الحكم، ولديهم الخبرة الكافية للحكم على الدقة والمتانة والتركيز في البحث العلمي لدى الأعلم من المجتهدين.

2- البينة الشرعية: وهذا الطريق هو عبارة عن شهادة مجتهدين اثنين على الأقل بأعلمية مجتهد ما على غيره من المجتهدين، وقد اشترط الإسلام في الشاهدين أن يكونا عادلين، والعدالة تعني أن يكون المتحلي بها فاعلاً للواجبات وتاركاً للمحرمات، وإذا كانا عادلين أمكن الركون إلى كلامهما لأنهما صادقان شرعاً فيما يقولانه ويشهدان به.

3- الشياع: وهو عبارة عن اشتهار أعلمية مجتهد ما على غيره من المجتهدين بين أوساط الناس الملتزمين دينياً على مختلف مستوياتهم العلمية، وهذا الشياع لا بد أن يكون مفيداً للإطمئنان القريب من اليقين معنىً والمساوي له عملاً وتطبيقاً، أما إذا كان الشياع ليس مفيداً للإطمئنان فلا عبرة به ولا يجوز العمل به لأنه لا قيمة له شرعاً، كما لو فرضنا أن هذا الشياع قد نتج عن الوسائل الإعلامية الحديثة ويشيع ذلك بين الناس من دون استناد إلى أهل الخبرة والفن في معرفة الاجتهاد أو الأعلمية، لأنهم الأقدر على التمييز بين المجتهدين.

ومن هنا نقول بأن الاطمئنان الشخصي الذي لا يكون له أي مستند فهذا من باب الاشتباه، لأن الاطمئنان الشخصي من دون أصول وضوابط شرعية لتحديد الأعلم قد يجعله يطمئن إلى من ليس أهلاً للتقليد أصلاً، ولا يجوز العمل به وليس مبرءاً للذمة والحكم بصحة أعمال أمثال هؤلاء موقوف على مطابقة أعمالهم للمراجع الذين قامت الأدلة الشرعية وطرق الإثبات الصحيحة على أعلميتهم. معرفة أمور الزمان والمكان: يلي شرطي الاجتهاد والأعلمية في الأهمية معرفة أمور الزمان والمكان لأن لهذين المفهومين دخالة في العديد من الأحكام المرتبطة بالاختراعات الحديثة على المستوى العلمي والتقني وغير ذلك من التطورات في عالم المال والاقتصاد والمعاملات التجارية الحديثة مثل التأمين على الحياة وعالم المعاملات البنكية والتطورات في عالم الطب كالاستنساخ والتلقيح الصناعي وغير ذلك، وكذلك فهم الواقع السياسي للعالم المعاصر، وتحديد معالم التعامل مع كل التوجهات والميول السياسية من الناحية الشرعية، ولذا نجد أن الإمام الخميني"قد سره" قد نفى صفة الاجتهاد المطلق عمَّن لا يتمكن من إعطاء الحكم الشرعي في هذه المجالات ويقول: "من يعيش بعيداً عن أمور العصر وأحداثه، ولا يملك القدرة على اتخاذ القرار في الأمور التي يحتاج إليها المجتمع، لا يحق له التصدي وإعطاء الفتوى في الشؤون السياسية والاجتماعية، حتى لو كان الأعلم في العلوم المعروفة في الحوزات، وبسبب عدم معرفته بالموضوعات، فإن فتاواه ليست حجة على الآخرين، بل عليه هو أن يقلد الآخرين فيها". الشروط الأخرى: وأما أن يكون المرجع الأعلم طاهر المولد، فهذا لأن الأدلة الشرعية دلَّت على أن ابن الزنا لا يمكن أن يكون في هذا الموقع الحساس من حياة الأمة، وأما شرط "الحياة" فهذا من الواضحات، لأن المرجعية هي علاقة تفاعل بين الأمة وقيادتها الدينية، وهذا التفاعل لا يحصل إلا في حال كون المرجع حياً غير ميت حتى يتمكن من متابعة التطورات والمستجدات، وإلا في حال جواز تقليد الميت سيضطر الناس إلى أخذ أحكام الأمور الجديدة من غيره، وهكذا ستتوزع حياة الإنسان الملتزم بين الميت وهو واحد أو أكثر أحياناً وبين الحي، مع ما في هذا الأمر من الإرباك والإزعاج للإنسان في حياته العملية.

(*) مدير مكتب الوكيل الشرعي العام للإمام الخامنئي "دام ظله" في لبنان

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع