مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله

آية الله مظاهري

إن أقوى وأشد سلاح ينبغي أن يعتمد عليه مجاهدو الإسلام هو التوكل على الله.
ومعنى التوكل هو أن لا ينظر المجاهدون في سبيل الله في الجبهة إلى كثرة العدد والعتاد ونوعية القيادة، بل في جميع الأحوال يكون النظر إلى القدرة الأزلية الإلهية، ويجعلوا شعارهم نصر الله تعالى. ﴿وما النصر إلا من عند الله.
﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى (الأنفال: 17).

وبالطبع فإن التسلح والتجهيز وإدارة الحروب والإكثار من القوى الحربية ورعاية الأنظمة والانضباط، كل هذه ضرورية، ولكنها وسيلة لا أكثر أما الوصول إلى الهدف فليس منها ولا ينبغي الاعتماد عليها، بل ينبغي التوكل على الله فقط ﴿هو خير ناصر ومعين.
﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
فلو كانت الجبهات مقدسة والمجاهدون أتقياء، ولا يُعصى الله فيها فإن الاعتماد والتوكل على الله سوف يهيمن على كل الجبهات.

فالقرآن يؤكد أن الفرج يأتي بعد الشدة، وإن النصر حاصل توكل المجاهدين. فلو قوّى الإنسان روح التوكل في نفسه، ورفع من اعتماده على الله تعالى فإن الطمأنينة سوف تسكن قلبه. والأهم، إن الله سوف ينصره في البلاءات وتشمله عناياته.
إن حركة جيوش الإسلام ينبغي أن تدور حول محور التوكل على الله تعالى: ﴿على الله في كل الأمور توكلي.

* الغرور سبب الهزيمة
في مقابل التوكل تقف مجموعة من الصفات القبيحة كالتكبر والعجب والغرور.
فالاعتماد الكاذب على النفس والقوى المادية بدون التوكل على الله يؤدي إلى الهزيمة. كذلك فإن إرجاع النصر إلى الذات ونشوء الغرور والعجب يؤدي إلى الفشل. والقرآن الكريم يبيّن سبب هزيمة المسلمين في معركة حنين: ﴿ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (التوبة: 25).

فالله تعالى يبين للمسلمين أن الغرور والعجب ورؤية استحقاق الانتصار في النفس تؤدي إلى عواقب وخيمة جداً. ففي معركة "حنين" ورغم أن جيش الإسلام كان بكامل تجهيزه، مع عدد كبير من الجند ورغم أن الأعداء كانوا أقل بلحاظ العدة والعدد، ولكن المسلمين هزموا بسبب الغرور والعجب الذي ظهر بينهم وسقط الكثيرون منهم ضحايا، حتى أوشك الرسول أن يسقط شهيداً.

ثم يقول الله تعالى بأن رحمته عمّت وأنزل ملائكة لنصر المؤمنين وأعاد السكينة إلى القلوب لكي يرجع المجاهدون إلى ساحات المعركة.
وهذه القصة الواقعية التي ذكرت في القرآن والتاريخ تعلمكم درساً بليغاً في عدم الغرور والاعتداد بالعدد والعتاد. فالذي يتوكل على سلاحه مهزوم لا محال.

* حفظ الأسرار
عندما يقع أحد المجاهدين في الأسر، فإن العامل الأول الذي يجعله يحفظ الأسرار هو التوكل على الله تعالى.
فحفظ الأسرار العسكرية من الأمور الشديدة الأهمية. أما إفشاؤها فهو من أعظم الكبائر.
عندما كان بعض المجاهدين في صدر الإسلام يقع أسيراً بيد الكفار وبيده رسالة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأكلها على الفور. وكان يلاقي الواحد منهم أشد أنواع التعذيب والتنكيل ويقطع قطعة قطعة، ولكنه لم يكن مستعداً أبداً لإفشاء سر واحد.
إن جذور هذه المقاومة هو التوكل على الحق تعالى والإيمان فقط، فإن هذا الأمر يوجد في الإنسان شجاعة عالية وفطنة بالغة. فلا يقع في خداع الأعداء، ويموت عزيزاً، ولكنه لا يخون المسلمين أبداً.

* تذكير ضروري ومفيد

على الإخوة الأعزاء أن يلتفتوا إلى أن حفظ الأسرار عن الأعداء ليس لوحده محرماً، بل إن إذاعتها للأصدقاء أيضاً يعد عملاً غير جائز. فلا يوجد أي سبب لأن تعرف أمور التنظيم عند الجميع. ولا يجوز أن يطلع من لا دخل له على الأخبار والأوضاع الداخلية حتى وإن كان موثوقاً.
وما أكثر ما يحدث أن يعرف الأعداء الأسرار العسكرية والأخبار الداخلية من خلال انتشارها بين الناس وتناقلها عبر الألسن.
عليكم أن تحذروا من الحديث في مثل هذه الأمور. ولا سمح الله إذا صدر من أحدكم شيئاً من هذا القبيل فقد ارتكب معصية كبيرة جداً.

* خلاصة الكلام
أيها الأعزاء، اعتنوا كثيراً بحفظ الأسرار، لئلا تكونوا أعواناً للأعداء.
فالتوكل على الرب المتعال، واستقلال ما سواه، والنظر إليه دائماً، عوامل تؤدي إلى النصر في الدنيا والوصول إلى "لقاء الله" والنظر إلى وجهه في الآخرة. فمن يستشهد أو يجرح فهو منتصر. ومن يغلب يكون منتصراً أيضاً.
لقد كان النبي موسى عليه السلام مجرد راع. وبحسب القدرة الظاهرية جاء إلى فرعون مع عصاه وأخيه. ولم يكن ليقدر على ذلك لولا التوكل على الله ﴿إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى.

وعندما امتثل لأمر الله تعالى وأراد أن يذهب إلى فرعون الذي استكبر وتجبر وادعى الربوبية لم يطلب من الله الجيش والعتاد والكثرة والتجهيزات، وإنما قال: ﴿رب اشرح لي صدري.

* قصة من صدر الإسلام
في صدر الإسلام، انهزم الروم أمام المسلمين ولاقوا أشد أنواع الهزائم في تاريخهم. وكانوا يتصورون أن جيش الإسلام يستعمل أنواعاً خارقة من التنظيم والسياسة. كما أنكم اليوم ترعبون الشرق والغرب. ورغم أن الإمبراطورية الرومانية كانت قوة عظمى لكنها اندحرت أمام جيش الإسلام ولاقت هزائم شنيعة. في إحدى المعارك وقع 12 مجاهداً مسلماً في أسر الروم. فأمر ملك الروم بإحضارهم إليه. وبدأ بإطماعهم، ووعدهم إن هم تركوا الإسلام، جعلهم قادة عنده وزوجهم أجمل النساء، وخاطب قائدهم قائلاً: سأزوجك ابنتي. ولكن هذا الترغيب لم يؤثر منهم أدنى تأثير ولم يزعزع عزائمهم الراسخة وإراداتهم الصلبة. بل قال أحدهم: والله لئن أُقتل في سبيل الله ألف مرة أهون عليّ من أن أذل للكفر. فطرح الملك عليهم مجموعة من الأسئلة حول المسائل العسكرية، ولكنه فُوجئ بأنهم لا يملكون معلومات كافية في هذا المجال، مما زاد من حيرته في أسباب انتصار المسلمين.
فبدأ بتهديدهم، ولأجل إرعابهم أمر بإحضار قدر كبير مليء بالزيت المغلي. ثم قال لهم: إن لم تتركوا الإسلام وتلتحقوا بنا فسوف أحرقكم بالزيت المغلي، ولكن هذا التهديد لم يرعب المجاهدين. فرموا أحدهم إلى القدر، ورأى الجميع ذلك المشهد المرعب وشاهدوا أخاهم وهو يُقلى بالزيت. لكن أحداً منهم لم يتراجع. ثم أحضروا الأسير الثاني وأرادوا به ما فعلوا بالأول، فبدأ بالبكاء!!
عندها ابتسم ملك الروم وسأله: لماذا تبكي؟! هل أنت مستعد لترك الإسلام!؟
فقال الأسير: إنني أبكي لأنني لا أملك سوى روح واحدة أفدي بها الإسلام!!!
وكان لهذا الكلام وقع عجيب في نفس الملك وحاشيته بحيث قرر العفو عن الآخرين، وأيقن أنه ليس قادراً على مواجهة المسلمين لأنهم لا يعتمدون على العدة والعدد، وإنما ينطلقون من مبدأ معنوي كان سبباً لانتصاراتهم.

* العوامل المعنوية في الحرب
في 74 حرباً خاضها المسلمون كان عددهم أقل من أعدائهم إلا في معركة حنين. وفي بعض الأحيان كان جيش الكفار يفوق ثلاثة أضعاف المسلمين. ولكنهم مع ذلك كانوا ينتصرون في جميع المعارك، وإذا حدثت بعض الهزائم، فإنها كانت في مراحل وجيزة بسبب العجب والغرور الذي كان يصيب بعض المسلمين.
أيها الأعزاء لا تغتروا بقدرتكم، فإذا كنتم ترون الأعداء ينسحبون من أمامكم مذعورين أو مندحرين، فليس بسبب قوتكم، بل نتيجة الرعب الذي يلقيه الله في قلوبهم. فتكبيراتكم هي التي تزلزل الأعداء.
الأعداء يعتمدون على الأسلحة الأمريكية والفرنسية. ويُهزمون دائماً، لكنكم تتوكلون على الله المتعال، والنصر سيكون حليفكم.
والإسلام دين يجب على المجاهد فيه أن يتوكل على الله لينصره ويهتم بالمعنويات ليرفعه.
إن انتصارات المسلمين في هذا العصر تشبه المعجزة.

* علاج الغرور والعجب

إذا كان الإنسان موحداً، ومؤمناً بأن النصر من عند الله، ويرى أن كل القوى وكل العوامل بيده تعالى، فإنه لن يصاب بالغرور والتكبر أبداً. لأن الغرور ينشأ من رؤية النفس والأنانية، أمّا الاعتماد على غير الله فهو وليد الجهل وعدم معرفة الله سبحانه.
فالعجب والتكبّر يبطلان الأعمال. ولهذا، إذا اغتر أحد ما بعمله الصالح، وجعله وسيلة للتفاخر والمباهاة، فليعرف جيداً أنه لن يوفق بعدها لأداء الأعمال الصالحة. فالمؤمن يجب أن يرى كل عمل صالح من الله. سواء كانت صلاة الليل أو مساعدة المحتاجين او الجهاد في سبيل الله. فإنّ كل هذه توفيقات إلهية وعنايات ربانية منحها لعبده. فإذا رأى ذلك من نفسه، سلب منه هذا التوفيق.
لقد كان صدام يتصور أنه سوف يحتل إيران في 6 أيام بعد أن نظر إلى قوته وعتاده. ولكن نفس هذا الغرور هو الذي كسره وأذله. فصفع صفعة على وجهه اعترف بها أعداء الإسلام.
أجل فكل مغرور نصيبه الهزيمة، سواء كان مثل صدام أو من جند الإسلام.

إن المجاهدين وأنصار صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف يرتلون هذه الآية دائماً ويجعلونها شعاراً لهم في الحياة ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (آل عمران: 168).
هذه هي الحالة، فالأعداء يهددون المؤمنين بالأسلحة الفتاكة ويتوعدونهم بالموت والدمار. ولكن المؤمنين يزدادون سكينة وتوكلاً على الله.
وقد جاء في الخبر أن أمير المؤمنين سئل يوماً عن درعه الذي يضعه لماذا ليس فيه ظهر؟ فأجاب: الدرع من الخلف لمن يولي الأعداء ظهره، وأنا لا أفعل ذلك أبداً.

ومجاهدونا اليوم قد تعلموا هذا الدرس من أمير المؤمنين، وهم يكتبون على بذّاتهم من الخلف: "ممنوع مرور الرصاص والشظايا".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع