مع الإمام الخامنئي | يا شعب لبنان الوفيّ نور روح الله | الوعي بوصلة المؤمنين قيم علوية| انشغل بعيوبك! تسابيح جراح | لن يقرب اليأس منّي أولو البأس | الخيام مقبرة غولاني الشهيد على طريق القدس عارف أحمد الرز («سراج)» تشييع السيّد يومٌ من أيّام الله طوفان المحبّين على العهد لن تأخذوا أسرارنا من صغارنا تذيع سرّاً تسفك دماً

الذات الإنسانية بين حدّي النكران والتقدير

الشيخ محمد حسن زراقط

 



يبدو أن القيم الأخلاقية والتربوية تخضع أكثر من غيرها لعلاقة التضاد. فلا تُعرف كثير من القيم إلا بأضدادها على نحو ما قال الشاعر العربي يوماً: "والضد يظهر حسنه الضد". ولأجل هذا التلازم بين القيم الأخلاقية السالبة والموجبة، نجد أن علماء الأخلاق التفتوا إلى هذه الناحية مبكراً، فقرنوا بين الفضائل والرذائل في محل واحد، وقرنوا الحديث عن كل فضيلة بالحديث عن الرذيلة المقابلة لها؛ كي يبدو التناقض واضحاً بين الطرفين، وليستطيع المخاطَب بالوعظ والتربية الأخلاقية أن يتحلى بالفضائل، في الوقت الذي يتخلى فيه من الرذائل. وما نتحدث عنه من هذا الباب أو من باب شبيه به، إن لم يكن عينه فإنه يصعب الحديث عن نكران الذات، دون الحديث ولو بإشارة سريعة ومقتضبة إلى المعنى المقابل لهذه القيمة الأخلاقية الرائعة، التي حاول الدين الإسلامي في كثير من توصياته وإرشاداته الإلفات إليها والتوجيه نحوها.

* تقدير الذات في التربية:
يشير عدد من علماء النفس إلى أن تقدير الذات سبب من أسباب النجاح، فلا يمكن لمن لا يقدر ذاته ويثق بقدراته أن ينجح في أي عمل من الأعمال التي ينوي القيام بها. ومن هنا نجد أن هذا المفهوم تحول إلى مفهوم أساسي من المفاهيم التربوية، فربطت به مصائر التلميذ والعامل والموظف، فقيل إن النجاح في هذه المجالات مرهون بمقدار تقدير الإنسان لنفسه، والفشل نتيجة طبيعية للتقدير السلبي للذات، وهكذا. وفي مقابل هذا المفهوم الذي يبدو من بديهيات علم التربية، بل وربما من بديهيات التربية والأخلاق الإسلامية، يوجد مفهوم آخر لا يمكن نفيه أو رفضه، لأن في المصادر والنصوص الدينية تأكيداً كبيراً عليه وهو مفهوم نكران الذات. والسؤال الذي تثيره هذه المقالة وتحاول الإجابة عنه هو: كيف يمكن التوفيق بين المفهومين، على الرغم من التناقض الذي قد يبدو حاداً بينهما؟ وما هي حدود نكران الذات في التربية الإسلامية؟ وأخيراً ما هو موقع هذا المفهوم في الأخلاق والتربية الإسلامية؟ وسوف نبدأ في معالجتنا للمشكلة من السؤال الأخير.

* نكران الذات في الفكر الإسلامي:
يلاحظ الإنسان المطلع على الفكر الإسلامي تأكيده على مفهوم نكران الذات وتجاوزها، والدعوة إلى عدم اعتبار الإنسان نفسه محور الكون وسر عالم الوجود. وذلك في كثير من النصوص الإسلامية والأساليب التربوية الإسلامية المباشرة وغير المباشرة. وفي ما يأتي من هذه المقالة سوف نحاول تقصي بعض الموارد التي تدل على أصل وجود هذا المفهوم:

أ - يقول الإمام زين العابدين في دعائه المعروف بدعاء مكارم الأخلاق: "لا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها". ومن الواضح أن المدلول غير المباشر لهذا الدعاء السجادي هو الدعوة إلى نكران الذات.
ب - وعن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: "إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله". وعندما يكون الإعجاب بالنفس من علامات ضعف العقل تكون الدعوة إلى نكران الذات من البديهيات.
ج - تستفاد الدعوة إلى نكران الذات مضافاً إلى هاتين الإشارتين الصريحتين من كثير من كتب الأخلاق والآداب الإسلامية التي تنهى عن العجب، والتي تدعو الإنسان إلى التواضع في تقييمه لنفسه على مستوى العبادات والطاعات. ومن الروايات التي وردت في هذا المجال ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فأما المنجيات فتقوى الله في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضا والسخط، والقصد في الغنى والفقر، وأما المهلكات فهوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه وهي أشدهن". وقد ورد في كثير من الروايات أن العجب من الأمور التي تحبط الثواب. بعد هذه الموارد والإشارات الدالة يظهر أن أصل فكرة إنكار الذات من الأمور المطلوبة في الإسلام. ولكن يبقى السؤال حول حدود هذا المفهوم وضوابطه.

* حدود نكران الذات:
على الرغم من دعوة الإسلام الإنسان إلى نكران ذاته، إلا أنه وضع لهذا الإنكار حدوداً لا يمكن تجاوزها وإيصال نكران الذات إلى حدودها، ومن هذه القواعد:

أ - لم يعط الإسلام الإنسان حق التنازل عن كرامته والتفريط بها. وقد منع هذا الأمر من خلال مجموعة من التشريعات التي تكشف ولو بطريق غير مباشر عن هذا المنع، مثلاً: حرم الإسلام لباس الشهرة، وهو اللباس الذي يؤدي إلى هتك الإنسان ويجلب له السخرية والإهانة. كما حرم عليه أن يكون في الأماكن الموجبة للتهمة وظن السوء. وفي الحديث: "إن الله فوض إلى المؤمن أمره كله ولم يفوض إليه أن يكون ذليلاً...".
ب - التمييز بين الإنسان ومن يحيط به: على الرغم من دعوة الإسلام الناس إلى الإيثار وتقديم الآخرين على أنفسهم والتضحية بحقوق الذات لمصلحة حقوق الآخرين أفراداً كانوا أم الأمة نفسها، إلا أنه ألزم الإنسان بوضع حدود فاصلة تمنعه من الحيف على غيره، ممن له صلة به تحت عنوان الإيثار ونكران الذات، فلم يسمح الإسلام بالصدقة على الأبعدين إذا كان ذوو الأرحام ومن يهم الإنسان أمرهم جوعى، وذلك كما ورد في الحديث: "لا صدقة وذو رحم محتاج".

* موقع نكران الذات وأهميته:
لا شك في أن لنكران الذات دوراً كبيراً في حياة الإنسان وتربيته الروحية والخلقية، بل إن كثيراً من الفضائل تُبنى على هذه الفضيلة، وإن كثيراً من المصالح الحيوية للفرد وللأمة هي مرهونة بها. ولوضوح الصورة، سوف نحاول استعراض الآثار والنتائج المترتبة على نكران الذات على الصعيدين الفردي والاجتماعي.

على الصعيد الفردي:
لا يمكن تصور استمرارٍ لنجاح حياة عائلية على المستوى الفردي دون حد معقول من نكران الذات وتجاوزها؛ وذلك لأن الحياة العائلية المشتركة يتأسس نجاحها على مجموعة من التنازلات المتبادلة بين طرفيها. ومن هنا وردت في كثير من التوصيات الشرعية ضرورة تواضع المرأة لزوجها والرجل لزوجته. فقد ورد في حق الزوجة: "خير نسائكم التي إنْ غضبت أو أُغضبت قالت لزوجها: يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتى ترضى عني".

* على الصعيد الاجتماعي:
كما أن الحياة الفردية تتوقف على نكران الذات، كذلك الحياة الاجتماعية تتوقف على هذه الفضيلة. ويكفي للدلالة على هذا الأمر ملاحظة مفهوم الشهادة والتأمل في دلالاته؛ حيث إن الوصول إلى درجة الشهادة لا يتم إلا من خلال نكران الذات واستعداد الشهيد للتضحية بنفسه، من أجل القيم التي يحملها والأمة التي يعيش بين ظهرانيها. وفي الجهة المقابلة، فلنتخيل أن كل واحد من أفراد الأمة أعجب بنفسه إلى حد اعتقد فيه بأن حياة الأمة تتوقف على حياته ومصالحه، فعند ذلك لن يقدم على التضحية بنفسه ولو من باب حسن النية، ولكن ما هو مصير هذه الأمة؟ وفي باب نكران الذات يمكن تصنيف موقف أمير المؤمنين عليه السلام، حيث كان يعتقد بأنه الأحق بالخلافة بعد رسول الله، ولكنه مع ذلك كان يقول ويصرح بأنه مستعد لإنكار هذا الحق لنفسه ومسايرة الوضع القائم ما دام الجور لا يقع إلا عليه خاصة، وذلك في قوله المشهور: "لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، ووالله، لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة".

*الخاتمة:
وفي الختام يمكن اختصار ما تقدم بالقول إن تقدير الذات أمر مطلوب في الشريعة كما نكرانها، شرط مراعاة التوازن المطلوب في ممارسة كلتا الفضيلتين باعتدال. وقديماً قيل إن الفضيلة تقع في الحد الوسط بين طرفي التطرف، مثلاً: فضيلة الكرم تقع في الحد الوسط بين البخل والإسراف، كما أن فضيلة الشجاعة تقع في الحد الوسط بين التهور والجبن وما شابه. وبناء على هذا، يتضح أن لا تناقض بين الدعوة إلى احترام الذات وتقديرها، وبين نكران الذات إذا تمت ممارسة ذلك ضمن قانون الاعتدال والتوازن.


(*) مدير تحرير مجلة الحياة الطيبة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع