مع الإمام الخامنئي: الممرّض.. ملاك رحمة (*) مع إمام زماننا: حتّى ظهور الشمس(1)(*) أسرتي: زوجي يحبّني.. بصمت كتابٌ... قد يغيّر حياتك أول الكلام: كيف نتصرّف في مجلس المعصية؟ مجالسنا كيف نراها؟ لا تألفوا مجالس البطّالين مجالس تحفّها الملائكة من آداب المجالس في الإسلام مع الإمام الخامنئي: بشارة الشهادة (*)

ويكبرون على حبّ الحسين عليه السلام

تحقيق: زهراء عودي شكر



سمعتُ قصص كربلاء منذ نعومة أظافري، عندما كنت أرتاد المجالس والمواكب الحسينية برفقة خالتي التي كانت تتنقّل من منزل إلى آخر لتقرأ العزاء. كان الخروج من المنزل، ومشاركة من يكبرني بارتداء الثياب السوداء، والحصول على قطع الراحة والبسكويت أكثر ما يجذبني إلى تلك المجالس، التي بكيتُ فيها مِراراً لمجرّد بكاء الحضور، نظراً لصغر سني الذي حال بيني وبين فهم أحداث القصة الكربلائية التي كانت تروى بكلمات صعبة الفهم وبلهجة غريبة لم أكن أعهدها من قبل، وبأسلوب طالما شوّش طابعه الحزين، المتفاوت النغمات، مجاراتي للقصة. ولكن يوماً بعد يوم وعاماً بعد الآخر، كبُرتُ وكَبُرَت عاشوراء في داخلي، وغُرس حبّ الحسين عليه السلام في وجداني، وانجلت صور الطفّ في مخيّلتي التي ترجمت ما سجّلته الطفولة على شريط ذاكرتي. وهكذا صرت السبّاقة بين رفاقي إلى قصّ أحداث كربلاء.

* أين أطفالنا من عاشوراء؟
مع إطلالة هلال شهر محرّم تتجدّد ذكرى مصاب الإمام الحسين عليه السلام، وفي طيّاتها يشارك الشيعة في إحياء مراسمها بأشكالٍ مختلفة، تتقدّمها المجالس الحسينية التي تهزّ أصداؤها المنازل والساحات والحسينيات والمجمعات لتذكّرنا بأليم المصاب الذي حلّ بمولانا الحسين وآل بيته عليهم السلام. وفي تلك المجالس تجد الصغار كما الكبار إذ لا بدّ من مشاركتهم في هذه الأجواء لأنها ضرورة من ضرورات التربية الحسينية، التي سيكبرون على نفحاتها وسيتغذّون من دروسها وفضائلها.

ونظراً لما للحركة والحواس والمحاكاة وتقليد الأدوار والتفاعل من شأن في قاموس هؤلاء الأطفال، كان لا بد من الاهتمام بهذه الشريحة الواسعة، عبر تصميم برامج عاشورائية خاصة بهم تتماشى مع قدراتهم الاستيعابية بالدرجة الأولى، ومع اهتماماتهم بالدرجة الثانية، كما وتتنوّع بين مسرح وأنشودة وأفلام تصويرية وكرتونية، وغيرها من الأمور التي تجذب الطفل من ناحية وتسدّ الهوة بينه وبين فهم القضية الحسينية من ناحية أخرى. واليوم وفي ظلّ الزحمة المعلوماتية المرعبة التي تحمل أفكاراً شتى من هنا وهناك، وجب إيلاء اهتمام أكبر بهذا الموضوع لكي نغذي عقول أطفالنا بصفات وأخلاق وسجايا أهل البيت عليهم السلام، وبحقيقة واقعة الطفّ.

وفي هذه الأجواء يلتفت بعض الأهالي إلى موضوع التربية الحسينية ويتعمّدون اصطحاب أطفالهم إلى المجالس والمسيرات والمسرحيات العاشورائية حتى ولو كانوا في سنٍ صغيرة، على اعتبار أن ذلك يسهم في نشأتهم نشأة إسلامية قوامها التضحية والصبر والذود بالغالي والثمين من أجل رفع كلمة الحقّ. فيما تجد بعضهم الآخر لا يعير الأمر أيّ اهتمام.

* حافظة للزيارة من عمر 4 سنوات
من وجهة نظر السيدة (زينة. ش) فإنّ عاشوراء مناسبة تضاهي بأهميتها أي مناسبة دينية أخرى؛ فدروسها وحدها تعلّم كلّ العالم الإباء، وهي تقول: "زرع المفاهيم الدينية في نفوس الأطفال من الأولويات بالنسبة لي، فأنا أعتقد بأن التربية الحسينية بالذات يجب أن تبدأ قبل الولادة وذلك من خلال المواظبة على زيارة عاشوراء مثلاً، فالجنين يشعر بكل شيء ويتفاعل معه، وأنا أثناء حملي بوحيدتي كنت أقرأ الزيارة الكاملة، وابنتي أصبحت تردد الزيارة غيباً وعمرها لا يتجاوز الأربع سنوات".

ويشاطر الأستاذ علي السيدة زينة الرأي، معتبراً أن البيت هو ميدان الطفل الأول وله الأثر الأكبر في نفسه، وكلما كان الجوّ إيمانياً وحسينيّاً، كلما كان الطفل ملتزماً وواعياً للقضية، ويضيف قائلاً: "أنا لا أكتفي بما يرى ويسمع أولادي في المنزل، بل أتعمّد اصطحابهم إلى النوادي الحسينية والمساجد والمسيرات وأشجّعهم دوماً على المشاركة إن كان عن طريق الكشافة أو المدرسة كي يدركوا القضيّة جيداً ولأن الأسلوب متخصص ومؤثّر أكثر".

هذا وتجد شهناز في النوادي الكشفية الخلاص من أسئلة أطفالها اللامتناهية حول الإمام الحسين عليه السلام، "سجّلت أولادي في الكشّافة مؤخّراً بناءً على نصيحة صديقتي في المسجد، فقد كنت خارج لبنان منذ صغري ولا أدرك الكثير حول عاشوراء ومراسمها، وفي الكشافة يتمّ إطلاعهم على القصة الحسينية من كل جوانبها بشكلٍ يتلاءم مع فهمهم، وبأساليب متنوعة بين القصة والتمثيل والأفلام والمشاركات الميدانية".

* مواكب الطفل الرضيع
بدأت فكرة موكب الطفل الرضيع في إيران منذ سنوات عديدة بمجلس في قرية، وامتد ليشمل كل المدن والقرى، ومن إيران انتشر في العديد من الدول (السعودية، البحرين، باكستان، الهند، العراق،...)، ومن ثم انتقل إلى لبنان بتوجيه من سماحة السيد حسن نصر الله حفظه الله، وهو يقام في أول يوم جمعة من شهر محرم. وتقول مسؤولة الهيئات النسائية في حزب الله الحاجة خديجة سلوم: "إن إحياء مراسم يوم الطفل الرضيع بدأت بعدد كبير آخذٌ في التزايد عاماً بعد الآخر، بدأ إحياء هذه المراسم في العام 2009 في مجمع سيد الشهداء في منطقة بيروت، ووصل عدد الأطفال إلى 5000 طفل، أما في العام الماضي فقد وصل العدد إلى نحو الـ 13000 طفل".

ولدى سؤال الحاجة خديجة عن تنسيق الموكب تستحضر قولاً للإمام الخميني قدس سره جاء فيه: "لقد نسّق بين كل هؤلاء الإمام الحسين عليه السلام"، في إشارة إلى أن المنسّق والداعي الحقيقي لمجالس العزاء هو الإمام الحسين ووالدته الزهراء عليها السلام وتعتبر أن ما يقومون به "ما هو إلّا خطوات تنفيذية إجرائية، تتلخّص بالآتي: تنظيم عملية إحصائية أولية لعدد الأطفال الرضّع، خياطة الأثواب المخصصة للأطفال وتوضيبها مع بطاقات الدعوة الموجهة للأمهات المشاركات في مجلس الطفل الرضيع ومن ثَمَّ توزيعها عليهن، تنظيم حملة إعلانية تتنوع بين بيانات إذاعية وتلفزيونية، ومنشورات، ودعوات شفهية مباشرة من على منابر العزاء، تجهيز قرّاء القرآن والعزاء واللطمية، تحضير مجسَّم مهد الرضيع، تأمين المستلزمات الإعلامية من رايات خاصة بالموكب مروراً بالورد والشموع..، وأخيراً تأمين فرق عمل في كافة الأحياء تتولى إحضار الأمهات وأطفالهن في مسيرات ومواكب مهيبة إلى مكان المجلس".

أما عن الهدف من هذا الموكب فتقول الحاجة خديجة "هو لتجتمع الأمهات وأطفالهن في هذا المجلس لمواساة أهل البيت عليهم السلام، ولنلملم الوجع المزروع في أفئدتنا جيلاً بعد جيل ونخرجه خطاباً مدوّياً فيصل نداء عاشوراء إلى العالم من خلال مظلومية هذا الرضيع". وفي سياق الحديث تلفت الحاجة إلى الاستنكار الكبير والحملة التي نظمتها المواقع الإلكترونية للكيان الصهيوني ضد هذا المجلس بوصفه انتهاكاً لمشاعر الأطفال وحقوقهم، "وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على الأثر الإيجابي الكبير الذي يخافون حصوله نتيجة هذا المجلس".

* "برنامج الإحياء العاشورائي للناشئة"
في خضمّ عاشوراء، أسّست وطوّرت جمعية كشّافة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه برنامج "الإحياء العاشورائي للنّاشئة"، الذي جمع عمق المضمون والمفاهيم العاشورائيّة، وسلسلة الأحداث والوقائع الواردة في السيرة الحسينيّة من جهة، وما بين الأسلوب الجاذب والعاطفي بقوالب فنيّةٍ وأدبيّةٍ من جهةٍ أخرى، ليتناسب مع الفئات العمريّة ذات الحساسيّة الخاصّة، ومع قدراتها الذّهنيّة والثّقافيّة.

ويتجلى الإحياء العاشورائي للنّاشئة، حسبما يعرض مسؤول كشافة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشيخ نزيه فيّاض، من خلال "إقامة برنامجٍ يوميٍّ مخصّصٍ للنّاشئة من عمر 5 سنوات إلى 14 سنة ضمن حلقاتٍ عمريّةٍ خاصّة، ويشتمل البرنامج على تلاوة السّيرة وسرد القصص والأنشطة التّفاعليّة، كالمسرح العاشورائي، والإنشاد، واللّطم, والمباريات، وكذلك من خلال المشهديّات العاشورائيّة بحيث يقدّم عاشوراء ومفاهيمها بشكلٍ مفهومٍ ومحبّب".

وإدراكاً منها لمدى أهمية وقدرة العمل التّربوي والتّعليمي على مخاطبة الأطفال بناءً لقدراتهم وأذهانهم، "اعتنت الجمعيّة بالبرامج والمتون والنّصوص المناسبة". ويضيف الشيخ نزيه "أنّ إشراك الأطفال في كافّة البرامج بتوجيهٍ من القادة والمربّين له الأثر الأكبر في إيصال المعاني وتعميقها، فهناك قرّاءٌ من الأطفال، وكذلك الرّواديد، هناك وسائل كالمسرح، والمسابقة، واللّطم، والمسيرات، ولبس السّواد، فيما ينعكس إظهاراً للعواطف والولاء وشعوراً بالانتماء الفعلي لمسيرة الإمام الحسين عليه السلام". واعتبر "أنّ القوالب الفنيّة والتّربويّة التي ابتدعتها الجمعيّة بينت، وبالتّجربة، أنّه بالإمكان مخاطبة الأطفال من مراحلهم الأولى بها، والشّاهد على ذلك حجم التفاعل والانجذاب الذي نراه بادياً في مشاركتهم ومعارفهم وسلوكياتهم".

هذا ويؤكّد الشيخ فياض مدى تأثير المفاهيم العاشورائية في الأطفال ونموها معهم، وينعكس ذلك من تكرار الحضور والمشاركة يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام. ويُمكن ملاحظة ذلك من خلال الاتّجاه نحو التديّن والالتزام والعمل الصّالح بكلّ أنواعه، وتحديداً نحو الإحياء العاشورائي نفسه، حيث إنّ في الجمعية من نشأ من قادتها طفلاً وتربّى في أجواء الإحياء العاشورائي حتّى صار منظّماً ومُشاركاً وخادماً لهذه المسيرة. وللإشارة، فإنّ الحضور اليومي في الأعمال العاشورائيّة للنّاشئة يفوق الخمسين ألفاً، وعدد القادة والقائدات العاملين يفوق الثلاثة آلاف، وينفّذون هذا البرنامج في نحو أربعمائة قاعة وباحة ونادٍ على امتداد الأراضي اللبنانية.

باختصار، بعد أن أيقن العالم مدى قدرة الأجيال الصاعدة على التغيير، أصبح الأطفال محطّ اهتمام الجميع. وفي هذا السياق تمّ إدراك أهمية زرع القضية الحسينية في نفوسهم لكي تكون نشأتهم صالحة وقلوبهم ملأى بالتحدي ومجابهة الباطل مهما كان، ولهذا كان طريق العمل طويلاً وبرامجه متنوّعة فيها من الإبداع والتطوّر ما جعلها محط أنظار الكبار قبل الصغار، وبذلك ظهر التخصّص كما الإبداع، وتبيّن مخزون الكفاءات في مجتمعنا الإسلامي.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع