منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

شخصية العدد: أبو ذر الغفاري

الشيخ تامر محمد حمزة

 


هو في السماء أعرف منه في الأرض...
إنه من أولئك الكبار الذين أضاءت أسماؤهم صفحات التاريخ. اشتهر باسم جندب بن جنادة وكنيته أبو ذر, أسلم والنبي بمكة وكان رابع أربعة أو خامس خمسة كما جاء في مناقب آل أبي طالب من أن أول من أسلم علي ثم خديجة ثم جعفر ثم زيد ثم أبو ذر (1). قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق من أبي ذر"(2). عن الإمام الحسـين عليه السلام: يــا أبا ذرّ إنّ القوم إنّـــمــا امــتهـنوك بالبلاء لأنّك منــعتهم ديـنـــك فمنـعـوك دنياهم.

* كرمه وزهده
لقد تحلى أبو ذر بمجموعة من الصفات الحسنة التي طالما اتصف بها الأنبياء والأوصياء ومنها الزهد في الدنيا والسخاء على الآخرين وعبادة الله الواحد الأحد. وبعض تلك الشذرات التي تحكي لنا شخصيته ما جاء على لسان الإمام الصادق عليه السلام: "...وأما أبو ذر فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين معه خصاصة، نحر لهم الجزور أو من الشاة على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضل عليهم ومن أزهد من هؤلاء؟"(3).

ومنها ما رواه الإمام الصادق عليه السلام أيضاً من أن أحدهم أرسل إلى أبي ذر موليين ومعهما مئتا دينار وقال لهما: قولا لأبي ذر خذ هذه الأموال واستعن بها على ما نابك, فقال أبو ذر: ...لا حاجة لي فيها وقد أصبحت يومي هذا وأنا من أغنى الناس, فقالا له: عافاك الله وأصلحك ما نرى في بيتك قليلاً ولا كثيراً مما يُستمتع به فقال: بلى تحت هذا الأكاف الذي ترون رغيفا شعير قد أتى عليهما أيام فما أصنع بهذه الدنانير؟ لا والله حتى يعلم الله أني لا أقدر على قليل ولا كثير (4). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أراد أن ينظر إلى زهد عيسى ابن مريم عليه السلام فلينظر إلى زهد أبي ذر"(5).

* عبادته
روي أن أبا ذر بكى من خشية الله حتى اشتكى بصره، فقيل له: يا أبا ذر لو دعوت الله أن يشفي بصرك. فقال: إني عنهما لمشغول وما عناني أكبر. فقيل: ما شغلك عنهما؟ قال: العظيمتان الجنة والنار، وقيل: عند الموت يا أبا ذر ما مالك؟ قال:عملي, قالوا: إنما نسألك عن الذهب والفضة، قال: ما أصبح فلا أمسي وما أمسي فلا أصبح, لنا كندوج (6) نرفع فيه خير متاعنا, سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: كندوج المرء قبره(7).

* موافقة الرسول لرأيه
كان أبو ذر يملك سداداً في الرأي وبصيرة جعلاه موضع تأييد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أكثر من موقف ومشورة، من ذلك ما ورد عن زرارة حيث قال: كنت قاعداً عند أبي جعفر عليه السلام وليس عنده غير ابنه جعفر عليه السلام فقال يا زرارة إن أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال عثمان: كل مال من ذهب أو فضة يدار ويعمل به ويتجر به ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول فقال أبو ذر: أما ما أُتجر به أو دير أو عُمل به فليس فيه زكاة, إنما الزكاة فيها إذا كان ركازاً أو كنزاً موضوعاً, فإذا حال الحول ففيه الزكاة، فاختصما في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: القول ما قال أبو ذر(8). ومن حكمه ما رواه أبو بصير عن الإمام الباقر عليه السلام: كان أبو ذر يقول: "يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر, فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك وورقك"(9).

* ولاؤه ومودته
كان شعار أبي ذر السياسي الذي خطه لنفسه ولغيره: "إن إمامك شفيعك إلى الله, فلا تجعل شفيعك سفيهاً ولا فاسقاً"(10). ومنه انطلق للدفاع عن الحق الذي أرسى قواعده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد ورد عنه أنه كان يأخذ بباب الكعبة وهو يقول: من عرفني فقد عرفني ومن أنكرني فأنا أبو ذر سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "ألا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك"(11).

وأما على صعيد مودته لأهل البيت عليهم السلام فقد روى أنس بن مالك: "كنت أنا وأبو ذر وسلمان وزيد عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودخل الحسن والحسين عليهما السلام فقبَّلهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقام أبو ذر فانكب عليهما وقبّل أيديهما ثم رجع فقعد معنا... فقال: لو سمعتم ما سمعت فيهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفعلتم بهما أكثر مما فعلت، قلنا وما سمعت يا أبا ذر؟ قال: سمعته يقول لعلي عليه السلام ولهما: يا علي والله لو أن رجلاً صلى وصام حتى يصير كالشن البالي إذاً ما نفع صلاته وصومه إلا بحبكم. يا علي من توسل إلى الله بحبكم فحق على الله أن لا يرده، يا علي من أحبكم وتمسك بكم فقد تمسك بالعروة الوثقى، قال: ثم قام أبو ذر وخرج وتقدمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرناه بخبر أبي ذر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: صدق أبو ذر صدق والله ما أظلّت الخضراء وما أقلّت الغبراء أصدق من أبي ذر"(12).

* كراماته
يكفيه واحدة من العشرات أنه أحد الذين تم اختيارهم للصلاة على الجثمان الطاهر لمولاتنا سيدة نساء العالمين سلام الله عليها كما آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين سلمان. وقد جرى اسمه مراراً على ألسنة بعض الأئمة الأطهار في مواطن مختلفة.

* أبو ذر على لسان جبرائيل
عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "دخل أبو ذر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جبرائيل فقال عليه السلام: من هذا يا رسول الله؟ (وهو أعلم به) قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أبو ذر، فقال عليه السلام: أما إنه في السماء أعرف منه في الأرض"(13).

* مهر ولائه
عن الإمام السجاد عليه السلام قال: "إن علم العالم صعب مستصعب لا يحتمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان"(14). فنجاح أبي ذر في ثباته في هذا الطريق جعل خاتمة حياته غريبة كما بدأت، ولقد آثر غربته مع الولاية على الإقامة دونها، وكان يشكل وجوده عبئاً على السلطة فقررت نفيه من مكان إلى آخر حتى نفي إلى صحراء الربذة.

* الوداع الأخير لسفر أخير
كان وداع أبي ذر قبل نفيه مؤلماً جداً على قلب الأمير عليه السلام فخرج لمشايعته ومعه الحسن والحسين وعقيل وعبد الله بن جعفر قائلاً لهم: ودعوا أخاكم، فإنه لا بد للشاخص أن يمضي وللمشيع أن يرجع فتكلم كل رجل منهم على حياله فقال الحسين بن علي عليه السلام: رحمك الله يا أبا ذر إن القوم إنما امتهنوك بالبلاء لأنك منعتهم دينك فمنعوك دنياهم، فما أحوجك غداً إلى ما منعتهم وأغناك عما منعوك، فقال أبو ذر: رحمكم الله من أهل بيت فما لي شجن في الدنيا غيركم، إني إذا ذكرتكم ذكرت بكم جدكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (15).

* مالك الأشتر ينعى أبا ذر
ولقد مكث أبو ذر بالربذة حتى مات، فلما حضرته الوفاة قال لامرأته: اذبحي شاة من غنمك واصنعيها، فإذا نضجت فاقعدي على قارعة الطريق فأول ركب ترينهم قولي: يا عباد الله الصالحين هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قضى نحبه ولقى ربه فأعينوني عليه فأجيبوه فإن رسول الله أخبرني أني أموت في أرض غربة وأنه يلي غسلي ودفني والصلاة عليّ رجال من أمته الصالحون. قال محمد بن علقمة: خرجت في رهط أريد الحج منهم مالك الأشتر... حتى قدمنا الربذة فأخبرتهم زوجة أبي ذر فنظر بعضهم إلى بعض فحمدنا الله على ما ساق فاسترجعنا لعظيم المصيبة ثم جهز وصلى عليه مالك الأشتر ودفن وقام على قبره وهو يقول: اللهم إن هذا أبا ذر صاحب رسولك، عبدك في العابدين، وجاهد فيك المشركين، لم يغيّر ولم يبدل لكنه رأى منكراً فغيره بلسانه حتى جُفي ونُفيَ وحُرم واحتُقر (16).


1.مناقب آل أبي طالب، ابن شهر اشوب، ج1، ص 288.
2.منتهى المطلب، الحليّ، ج 1، ص 22.
3.الكافي، الكليني، ج 5، ص 68.
4.راجع: بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 22، ص 298.
5.م.ن، ص 343.
6.شبه مخزن توضع فيه الحنطة ونحوها ويطلق على الخزانة الصغيرة.
7.راجع: بحار الأنوار، م.س، ج2، ص431.
8.جواهر الكلام، ج15، ص73 74.
9.أصول الكافي، ج2، ص 114.
10.الوافي، الفيض الكاشاني، ج 8، ص 1182.
11.السرائر، ابن إدريس الحلي، ج 2، ص 679.
12.كفاية الأثر، القمي، ص 70-71.
13.روضة الواعظين، النيسابوري، ص 284.
14.بحار الأنوار، م.س، ج2، ص190.
15.مكارم الأخلاق، الطبرسي، ص122.
16.روضة الواعظين، م.س، ص 284.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع