منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

تسابيح شهادة: عمامة.. وبندقية مقاوم

ندى بنجك

يحصل أن تنبت في عمرك لحظات تشعر أنها هي خلاصة العمر، وأنها أطيب ما مرَّ عليك، تؤنس ذاكرتك، وتعبق في حكاياتك، لا يخبو وهجها في العلن أو في السرّ. ويحصل أن تسكن في بالك وجوه، تستحضرها، فتتلألأ ابتسامة في عينيك، إذ تعيدك إلى مكان أو زمان، له في ذاكرتك البصريّة حضور خاص.

هو هكذا، يأسرك بلحظةٍ عاشها. يسكن في بالك من دون سابق مجالسةٍ، تشعر أنك تحبه من دون أن تعرفه. إنه الشيخ أحمد يحيى "أبو ذر".
لِلّتي سَكَنَتْهُ، فصارت لونَه وثوبَه وصوتَه وسجدة صلاته، والكفّ التي تلقّت دمه، للأرض وحدها أن تحكي حكايته: يا ابن الحكايات التي منها الطريق إلى الله، ومنها المكنون في الأسرار، ومنها الآتي من إشارات في رحلة الأنوار، ومنها التفصيل في المعرفة، ومنها العرفان حيث المختصر. يا ابن "وأن الراحل إليك قريب المسافة".. يا ابن "ليس بجمع الكتب رفعُ الحجب".

*الأرض تحكي حكاياته
"من أنت، حتى جعلتني أخجل منك، وأنا الأرض؟ لم يحتبس فيك الضوء مرةً، فكيف تفَجَّر في لحظة واحدة؟! هناك رأيتك عند مدخل "رشاف" قريتك، تمدّ عينيك ناحية الشجر الذي تحرّر، وقبالة النّظرة كانت ترصدك الطلقة، أتت في اللحظة التي كنت تُشرّع فيها بوّابة التحرير، وتَخشى من أن يُغلق باب الشهادة.

شعرتُ بنارك وأنتَ تصلّي خلف تلك السروة، وأنت تركع وأنت تسجد، ثم رأيت وجهك يهلّ بالنور، فنظرتُ إلى صدرك، كان الدم قد تندّى فوق عباءتك، هي الشهادة إذاً... قد فُصِّلَتْ لك في لحظة تشبهك وبحجمك.
رأيتُ الدمع المخفيّ في عينيك، والغضب المجروح... عندما غادرتَ مع أهلك إلى بيروت بعد التهجير في العام 1978. كنت قد عرفتَ دربك. قررتَ أن تلتحق بالسلك العسكري للدرك اللبناني من أجل إعالة الأهل. عرفت من أيّ الأبواب تدخل إلى طاعة الله. كنت تدرك أثر أن تجمع سجدات الصلاة من البيت وتأتي بها إلى الثكنة لتَهدي الرفاق، وأن تفرش سجادة الصلاة في إحدى ساحات الأشرفية، وأنت ضمن نوبة حراسة، تلك كانت وظيفة، وأما شغلك الشاغل، فهو أنّ المؤذّن أذّن، وأنّ النداء "الله أكبر".

لم تكن السنوات طويلة بالزي الدركيّ، اختتمتها خلال إنزال خلدة العام 1982، بعدها كان القلب قد استقر نبضه، وهو يختلج بالسفر إلى إيران من أجل دراسة العلوم الإسلامية. إلى قم وصلتَ عريساً. سكنتَ في غرفة بلا أثاث، فرشت الأرض بالكرتون، لأسابيع اجتهدت بالدراسة وسرعان ما انصرفت إلى الجهاد، مدافعاً عن ثورة الإمام الخميني المقدّس في الحرب الإيرانية العراقية. ومن هاتيك الجبهات، كانت روحك لا تنفصل عن جبهة الجنوب، فقررت العودة إلى لبنان.

*معمّماً مقاوماً
جئت إلى المحور في بنت جبيل، رجل دين يمسك الشمس بيديه، وتحطّ النجوم على كتفيه. فالعمامة ألبسك إياها الإمام الخميني قدس سره قائلاً: "سترى النصر بهذه العمامة بإذن الله". وهل هذا سرّ تلك الجاذبية الخاصة التي لمعت بينك وبين المجاهدين منذ اللحظة الأولى؟ صوتَ الخمينيّ أتيت تزرع في المحاور، وصاحب لكنةٍ لا تنفكّ عن عشق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ووجه بلديّ مكسو بقمح البيادر، دخلت القلوب، سكنت في النبض ولم تغادر.

لم تكن أول معمّم مقاوم، لكنك كنت أول معمّم جاء يعلن تفرغه وانضمامه للصفوف العسكرية في المقاومة وبتوصية من السيد عباس الموسوي رحمه الله، "وأن يُسمح للشيخ أحمد بالمشاركة في أيّ عملية هو يريدها". فأوكلت إليك مهمة التّبليغ أيضاً، إلى جانب العمل العسكريّ.

*ستظلّ كما أنت
هل بإمكانك أن تمنع الهواء من أنْ يختال بين الشجر؟! كنت هكذا في الميادين "شيخ أبا ذر". لم تكن تنتظر الموافقة على المشاركة، فأنت تلبس العباءة والعِمّة، وتحت هذا الزي توجد بدلة عسكرية، وجعبة تلازمك، والسلاح هو رفيق الرحلة الطويلة العاشقة والعابقة.
أنت والمجاهدون جمع بينكم سحر له حنين التراب، وتناغم عجيب كما لو أنك المطر وهم السحاب. تصنع لهم الطعام لكي يأكلوا، تسهر معهم... طيب مثل الخبز، دافئ مثل الشمس، ولك روح هي جمع خيوط من ضوء، وضوؤك أنت صنع صلاتك، وصلاتك تشبه شهادتك.
كنت بحجم قائد نوعي... وتأبى المشاركة إلّا كعنصر عادي.

تكفّلت أيتام الشهيد صالح حرب منذ لحظة شهادته وإلى يوم شهادتك. كنت تصر على زوجتك أن تقتسم حتى حاجيات المؤنة بين بيتك وبيوت المجاهدين، وأنت الذي لحدت بيديك أكثر من ثلاثمائة شهيد، وكان يوم إجازتك في المحور يوماً مخصصاً لزيارة أضرحة الشهداء وعوائلهم..
وأنت أنت.. وستظلّ أنت، لن أنسى عباءتك المتواضعة، وعِمَّتك التي تلفّها بلا تكلف على الطريقة الخمينية، كما كنت تقول. لن أنسى حذاءك المعكوف، وكيف تحبّ أن تبلّ الخبز بالماء، ليكون طعامك..

شيخ أبا ذر... لم تشبه إلا نفسك
يمرّ الزمان بعد الزمان، وما أحلاه أن يمرّ
فاسمك "شيخ المحاور.. وكفى".
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع