مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

حديث الروح: حوار مع آية الله الشيخ حائري الشيرازي

حوار: السيد ربيع أبو الحسن


من المجالس التي تحيي القلوب بوابل الحكمة مجالسُ العلماء. لذا، تشرّفت مجلّة بقيّة الله بلقاء العالم المتخلّق بأخلاق الله آية الله الشيخ حائري الشيرازي أستاذ الأخلاق في الحوزة العلمية، والذي كان يشغل منصب ممثّل الإمام الخامنئي في محافظة فارْس، وكان ممثّل الإمام الخميني قدس سره في المحافظة نفسها. في لقائنا معه نهلنا من مشارب العلم والإيمان والشهادة، وحدّثنا عما عاينه من بركات الإمام الخميني قدس سره والقائد الخامنئي دام ظله.

*قد يقضي الإنسان جُلَّ عمره للوصول إلى الله تعالى، برأيكم ما هي أقصر الطرق إليه تعالى؟

إن أقرب الطرق للوصول إلى الله تعالى هو الأخذ بنِعَم الله وتجنّب نِقم الله. فالعقل من نِعم الله وخُلق ضده الجهل. وقصد الله تبارك وتعالى في ذلك، والله أعلم، أن يكون العقل في رياضة دائمة مقابل الجهل؛ لأن الرياضة والمبارزة والمشارطة تزيد في القوّة والقدرة عند الإنسان.

فإذاً، لله تبارك وتعالى علينا نعمتان: نعمة العقل ونعمة الجهل. نعمة العقل لإرشادنا لصلاحنا ولطاعة الله، ونعمة الجهل لتكون محفزاً لرياضة العقل وقدرته في العمل، لنصل من خلال ذلك الجهاد إلى أقرب الطرق إلى الله تبارك وتعالى.

*كيف نستطيع كمؤمنين العمل على تدعيم إرادة الطاعة والابتعاد عن المعصية؟

يرتكب الإنسان المعصية نتيجة ضعف التوجّه إلى العدو (النفس). فإذا غرّتنا طاعتنا وعبادتنا حصل لنا العجب بأنفسنا، وهذا العجب أعظم معصية للمخلوق، وهو أشدّ خطراً من المعصية، فإذا كنا مُعجبين بطاعتنا ومغرورين بها، وكَلَنا الله تبارك وتعالى إلى أنفسنا حتى نعصيه، فإذا عصيناه زال عجبنا بطاعتنا ورجعنا إلى ذِلَّتنا الباطنة.

فحتى يبقى الإنسان في حالة العبودية، لا بدّ أن تكون هذه الذلّة الباطنة عنده أقوى من العزّة الظاهرة. وهذا كان حال الصالحين الذين تولّوا مراكز رئاسية، إذ رزقهم الله قبل الرئاسة ذلّة باطنة لسلامة دينهم. وكلّ مَنْ كانت عزّته الظاهرة أقوى من ذلّته الباطنة فهو في خطر.

وفي دعاء للإمام زين العابدين عليه السلام في مكارم الأخلاق: "اللّهم صلِّ على محمّد وآل محمّد ولا ترفعني في الناس درجة إلاّ حططتني عند نفسي مثلها، ولا تُحدث لي عزّاً ظاهراً إلاّ أحدثت لي ذلّةً باطنة عند نفسي بقدرها...".

فإمامنا الخميني قدس سره كانت له رئاسة دينية، وقدّر الله له رئاسة دنيوية أيضاً. لذا، ابتلي، قبل وصول الرئاسة الدنيوية المقدّرة له، فقد فَقَدَ أحبَّ أولاده إليه المجتهد البارز المرحوم آية الله السيد مصطفى، وقال للدنيا: "يا دنيا بعد المصطفى عليكِ العفا" كما قال الحسين عليه السلام عند شهادة ولده: "يا علي على الدنيا بعدك العفا".

*المجتمع المقاوم زاخر بالشهداء. ما هي بركات وجود مدد الشهداء في تاريخ الأمم وثقافتها وإرادتها؟

الشهداء نماذج النورانية والسعادة في المجتمع. فإذا كنت مسافراً إلى بلدٍ تحتاج إلى ضوء لترى مسيرك... وفيما مضى كانوا يضعون منارات في طريق المسافرين، فيجعلون فوق الأسطوانة ناراً عظيمة ليبصر بها المسافرون طريقهم. قال حاتم الطائي:

 وأوقدت ناري كي يبصر ضوؤها

 وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله

 فقلت له أهلاً   وسهلاً  ومرحباً

 رشدت  ولم  أقعد  إليه   أسائله

فكما أنّ النار أو المنارة هي للإرشاد إلى الطريق، كذلك حال كلّ شهيدٍ فهو منارٌ في طريق السعادة. وهذا الحسين بن علي عليه السلام منار لأهل العالم يبصّرهم أقرب الطرق إلى الله تبارك وتعالى.

 

*نتوجّه إلى الله تعالى بالشكر على نعمه المحيطة بنا، فما هي حقيقة الشكر الذي به تدوم النعم؟

الشكر يكون بالقول كما يكون بالعمل. ولكن اللسان أكثر تعبيراً لأنه ممثّل جميع الأعضاء للبيان. أما الشكر الحقيقي فهو في الأعمال وفي الاستفادة من النعم الإلهية بما يرضي الله.

*بحسب تجربتكم في مسألة النعمة والبلاء وخاصةً فيما يتعلّق بالفِتن والبلاء، حبّذا لو تقدّمون لنا وللمؤمنين بعض النصائح النورانيّة لنعبرهما بسلام.

خير ما يزيد في صبر الإنسان قولُه تعالى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا  (التوبة:81)، فذِكر هذه الآية يخفّف من مرارة المصيبة في الشدائد أو الإحساس بالحرقة.

ورد في إحدى الروايات أن الزهراء عليها السلام كانت، ذات مرّة، في بيتها الزوجي تطحن الحنطة والشعير بالرحى وتقول: "والله خير وأبقى، والله خير وأبقى". كانت تعمل وتذكر الله تعالى؛ وهذا دستور هام في العمل أن نردّد آية عندما نقوم بالعمل، والله تعالى هو المؤيّد والمسدّد. فالسيدة فاطمة عليها السلام كانت تقابل تلك الفترة المشوبة بالفقر والقلّة وتقول لنفسها: "والله خيرٌ وأبقى"، ولهذا نقول عند المصيبة: "إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ"، حتى نصبر على المصائب.

*الشهيد دستغيب قدس سره حاضرٌ في مجتمعنا من خلال ترجمة كتبه، بماذا تميّز السيد الشهيد؟ وما هو أبرز ما استفدتموه من كتبه؟

كان السيد الشهيد آية الله دستغيب قدس سره مولَعاً في إطاعة الولي الفقيه. حتّى أنّه أبان الحرب لما سُئل: إلى متى تطول هذه الحرب؟ قال: نحن في طاعة الولي الفقيه فإذا ختم الحرب فهو الخاتم، وإذا أمر بالإدامة فالحرب دائمة ومستمرة. الحرب تدوم بدوام أمر الوليّ. أما أبرز الاستفادات من كتبه قدس سره فهو ذكر الله تعالى على كل حال.

*في صراع الحق مع الباطل قد تحدث حوادث عظيمة وفجائع كثيرة. برأيكم كيف يمكن للمؤمن أن يبقى ثابتاً ولا يتزلزل في طريق الحق؟

لقد كان نبيُّنا موسى عليه السلام يطلب من الله أن يصاحب عالماً عاملاً حتى تزداد معرفته، فأجابه الله وعرَّفه الخضر عليه السلام. والتقى به موسى عليه السلام وطلب منه المصاحبةَ زماناً حتى تزداد معرفته وتوالت الأحداث بينهما وتعجّب النبي موسى عليه السلام من أفعال الخضر عليه السلام؛ لذلك قال له: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا أي أمراً عظيماً ومنكراً...

نحن في هذا الزمان تحت رعاية مَنْ هو معلّمٌ لأمثال الخضر عليه السلام: إمام زماننا عجل الله تعالى فرجه الشريف. إنَّ موسى عليه السلام لم يستطع صبراً على خضره فكيف نستطيع صبراً على ما يفعل بنا خضرُنا عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ قد يفعل بنا ما نُفجع به، ونقول: هذا شيء سيِّئ ولَيته لم يحصل. ولكن بعد مضيّ الأزمان نعلم أن سعادتنا في ما خفنا منه.

وهذا ما حصل في مسألة المصالحة في آخر الحرب بيننا وبين دول العالم وصدَّام. حينها قال الإمام الراحل قدس سره: "إنّي تجرعت هذا الأذى من السمّ..." ولما مضت مدّة علمنا أن دواءنا وشفاءنا كان ذلك!

فقد ظهرت لأهل الدنيا مظلوميتنا وأننا لم نكن نحن البادئين بالحرب، وهذا أحسن لنا من فتح بغداد. وهكذا كلما ابتلينا بشيء سوف نجد أنه كان خيراً لدنيانا وآخرتنا إذا كنا صابرين وشاكرين. فوصيّتي للمؤمنين الصبر والتعامل مع الأحداث برويّة وحكمة.

*ما هي نصيحتكم الموجزة للأهل لبذر الأخلاق الحسنة في أولادهم؟

أوصي الوالد أن يكون أصدق الأصدقاء لولده، وأن يكون أقرب إلى الناس منه، حتى يعود إليه في كل أفعاله ويطلب نصحه ومشورته. وأوصي الأم والأب أن يلاعبا أولادهما. فاللعب يقرّب بينهم أكثر فأكثر.

وأنصح الوالدين أن لا يكون في كلامهما ما يؤذي الولد، وأن يزيدا في محبتهما لولدهما إذا كان يفعل الخير، وينقصان منها إذا عصى وبذلك يهتم بطاعة أهله وتدوم المودة والمحبة بينه وبينهم.

*من دواعي سرورنا أن تذكروا لنا أبرز ما حُفر في وجدانكم من علاقتكم بالإمام الخميني قدس سره والسيد القائد.

حينما كنا في ظلّ قيادة الإمام الخميني قدس سره، فيما مضى، كنّا مبتلين بالقحط وحبس المطر... حتى أن بعض العشائر اضطر إلى بيع بعض المواشي ليحصلوا على الشّعير لإطعام باقي الماشية...

وكان يوم خميس حينما ذهبت خارج البلد للتنزّه، فوجدت عشيرة يظهر عليها أثر الفقر والحاجة، فسألتهم عمّا بهم من الجدب والقحط وحزنت كثيراً لما يصيبهم من فاقة وضرر. ثم رجعت إلى مقرّي. وكان السيد الرسولي، في تلك الأثناء، ضيفاً لي وهو في مكتب الإمام قدس سره وكان يوم اجتماع لأئمة الجمعة في محافظة فارس.

فتكلّمت معه وقلت: نحن نترك مسائلنا ونطلب من الإمام قدس سره مسألةً واحدة. نحن نعتبر أن نزول المطر يتحقّق ببركة وجود صاحب العصر والزمان (أرواحنا له الفداء) ونحن معتقدون - أيضاً - أن الإمام قدس سره نائبه لذا نحن نطلب من الإمام المطر. وجرت الدموع على وجهي من فرط التأثّر. وبدا الحزن واضحاً على السيد الرسولي وعاهَدَنا أن يطرح هذه المسألة في أول لقاء له بالإمام قدس سره. ثم رحل إلى طهران. وبعد يومين، أي يوم الأحد، ملئت السماء بالغيم ومُطرنا سبعة أيام بلياليها وأيامها بلا خطر أو خراب أو دمار، وكان أثر ذلك في غاية النفع والفائدة. هذا ما شهدته من استجابة دعوة الإمام قدس سره.

وأما السيد القائد فحينما أردت السفر إلى لندن كان بينه وبيني لقاء للوداع وقد نصحني بمسائل مهمّة كان ينصح بها مَنْ يسافر خارج البلاد.

لما كنت في مجلسه كان أمامي بعض الحلويات فأشار القائد عليّ بأخذ بعضٍ منها فتوقفت، فما كان منه إلّا أن أخذ بعض الحلويات وناولني إياها، فقلت له: أيكون لي شفاعة؟ فأخذ بعضاً منها وقرأ عليها سورة الحمد بكمال التوجه، فقلت في نفسي: لا آكلها في هذا الزمن، بل آكلها في وقت أحتاج إليها، فجعلتها في منديل ووضعتها في جيبي. ثم لما ذهبت إلى لندن وكنت محتاجاً إلى الدواء لأجل الشفاء فتناولت منه مقداراً قليلاً فكان فيه الشفاء... وهذه التجربة جرّبتها مرة أخرى عندما حُملت إلى المستشفى بسيارة الإسعاف لشدة حالتي الصحية السيئة فأرسلت إليه أسأله بعض السكر مما يقرأ عليه فلم يمضِ إلاّ ساعتان حتى وصلني السكر من طهران إلى شيراز، فلما أكلتُ منها شفيتُ فكانت هذه عادتي... كذلك في شهر رمضان سنة 2011م كنت مريضاً جداً كالمحتضر والدم يسيل منِّي ولا يتوقف، فأرسلت إلى القائد حاجتي إلى ما به شفائي فبعث إليّ شيئاً من السكر فكان فيه شفائي. وهذا ما جربته مع القائد الأعظم والسلام.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع