مع الإمام الخامنئي | الحجّ: لقاءٌ وارتقاء* نور روح الله | الإمام عليّ عليه السلام الحاكم العادل* فقه الولي | فقه الرياضة (2) أخلاقنا | أين الله في حياتك؟* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه حتّى الآن؟ (1)* مجتمع | أب الشهيد: ربّيته فسبقني إلى الشهـادة صحة وحياة | كي لا يقع أبناؤنا ضحيّة المخدّرات تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها

استشارة ذوي الألباب دليل الرشاد

الشيخ حاتم إسماعيل

 


لا يخفى أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يمكن أن يعيش منفرداً، بعيداً عن بني نوعه، الذين يختلف معهم، في نظرته إلى الحياة والكون. وهذا يقتضي التفاعل بينه وبين الآخرين، بغية تحقيق مصالحهم، ووصولهم إلى السعادة التي يرجونها، مما يعني وقوع الاختلاف فيما بينهم لاختلاف المصالح والعلاقات، فكانت الحاجة إلى تنظيم هذه العلاقات، لتيسير الأمور فيما يحقق مصلحة الجميع، وهذا ما يعني ضرورة التشاور فيما بينهم، حفاظاً على المصلحة العامة، لينعكس على حياتهم راحة وهناء.

* معنى الاستشارة
الاستشارة في الأصل استخراج الرأي بمراجعة الآخرين والأخذ منهم. وهي استفعال من الفعل "شور"، ومنه شرت العسل إذا جنيته واستخرجته، وأشار بمعنى أومأ إلى غيره.  ولا يخفى أن الاستشارة والمشورة على قدر كبير من الأهمية في الوصول إلى صواب الرأي، وصحيح القول، وسديد العمل في كافة الأبعاد السياسية والاجتماعية والدينية وحتى الشخصية. ولقد حثّ الإسلام كثيراً على الاستشارة، وحبّبها للمؤمنين, وأكّد على أنّها من المنجيات، وأن الاستغناء بالرأي من المهلكات. وفي أهمية اختيار المستشار، ورد عن أهل البيت عليهم السلام عدد كبير جداً من الأحاديث الشريفة, بالإضافة إلى مدح القرآن الكريم بعض المؤمنين والثناء عليهم، بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ, فلو لم تكن الاستشارة ذات أهمية عالية لم يكن من داعٍ لأن يمدحهم الله تعالى بها.

* أهمية الاستشارة
ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "من استبدَّ برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها" (1).
وعنه عليه السلام: "من شاور ذوي الألباب دلَّ على الرشاد" (2).
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "لن يهلك امرؤ عن مشورة" (3).

نلاحظ من خلال هذه النصوص، وغيرها، مدى أهمية الاستشارة في حياة الإنسان، على كافة المستويات والأبعاد، فهي ترقى بالإنسان في مدارج الكمال، من حيث صقل شخصيته، وإيصالها إلى غايتها المنشودة، وتدفعه إلى التواضع أمام الآخرين، الأمر الذي يستلزم انطلاقاً أكبر في علاقاته مع الآخرين، وسيطرة على شهوات نفسه من ناحية أخرى، وهو ما ينعكس إيجاباً في نظرة الناس إليه، وعلاقتهم به، ووثوقهم به ومحبته، ولهذا فهو يدرك النجاح في حياته أكثر من غيره، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: "يا علي ما حار من استخار ولا ندم من استشار" (4).

إن مَرَدَّ عدم الندم لدى المستشير إلى أن المشير ليس معصوماً عن الخطأ، ولا مبرءاً عن الزلل، فإن بني آدم خطاؤون، ولهذا فقد يخطئ المشير في مشورته، لكن أهمية الأمر أنه يكون قد بذل جهده، وقام بما في وسعه ليصل إلى الحق، فإن لم يصل إليه فإن عذره أنه قد حاول ذلك.  هذا بالنسبة إلى المشير, وأما المستشير فلأنه إن عمل بالمشورة لا يكون الخطأ, على فرض وقوعه، مستنداً إليه نفسه, نظراً إلى مشاركته الآخرين في عقولهم, كما تقدم عن أمير المؤمنين عليه السلام, إضافة إلى تمتعه بفضيلة التواضع, وعدم الاستبداد بالرأي, ولهذا يقول الإمام الكاظم عليه السلام: "من استشار لم يعدم عند الصواب مادحاً وعند الخطأ عاذراً" (5). وبهذا نفهم قول الإمام الصادق عليه السلام: "لا يطمعنّ القليل التجربة المعجب بنفسه في رياسة"(6)، لما يستتبعه الإعجاب بالنفس من تعنّت وغرور، واحتقار لآراء الآخرين، مما يؤدي إلى ضعف التجربة، بل انعدامها، في مختلف ميادين الحياة، فإنه "خاطَرَ بنفسه من استغنى برأيه" (7)، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام فيما ورد عنه. وعن الإمام الصادق عليه السلام: "المستبد برأيه موقوف على مداحض الزّلل" (8).

* نصح المشير
إلا أنَّ الاهتمام الشديد بالاستشارة من قبل الشارع المقدس، لا يعني الرجوع إلى أيّ كان وطلب المشورة منه، بل لا بد أن يتمتع المشير بمواصفات خاصة تؤهله للقيام بهذه المهمة. ولا بد للمشير أن يبذل جهده في إبداء النصيحة للمستشير، ليتحقق بذلك التكافل بينهما، بل بين كافة أفراد المجتمع، لما في ذلك من تكامل في حياتهم بشكل عام، فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه لمحمد بن أبي بكر: "وانصح المرء إذا استشارك" (9). إن الإسلام اعتبر إسداء النصيحة والمشورة صدقة يتصدق بها المؤمن على إخوانه، فعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "تصدّقوا على أخيكم بعلم يرشده ورأي يسدده"(10). وقد حذر الرسول صلى الله عليه وآله المشير من أن يخون الأمانة، ولا يبذل جهده في إسداء النصيحة، فإن عاقبة ذلك ترتد على المشير نفسه، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: "من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه الله لبّه" (11). وعن الإمام الصادق عليه السلام: "من استشار أخاه فلم ينصحه محض الرأي سلبه الله عزّ وجلّ رأيه" (12).

* آثار التشاور
ذكرنا أن للمشاورة آثاراً وفوائد مهمة تترتب عليها، على الصعيد الشخصي، والاجتماعي، والسياسي، والديني: على الصعيد الشخصي: فإن الاستشارة تسمو بالإنسان في درجات الكمال، حيث إنه يزداد تجربة وسداداً في الرأي، كما تبعد عنه آفة الغرور والتكبر والاعتداد بالنفس. في مقابل ذلك يتحلى بصفة التواضع والبحث عن الحق والرشاد, ويكسب احترام الآخرين له. على الصعيد الاجتماعي: الاستشارة تغذي روح التكافل، والتكامل، والتوادد، والتعاطف، وتبعد شبح الفِرقة والخِلاف والمخاصمة. كما أنها تقوي المعرفة والاطلاع، وتزيد البصيرة بين أفراد المجتمع، مما ينعكس على الفرد والجماعة على حد سواء، وتدفع بهما إلى الرقي والازدهار، على كافة المستويات، إذ تزيد الخبرة في سائر الشؤون الحياتية. على الصعيد السياسي: فمن الواضح أن المراد تنظيم أمور الناس وعلاقاتهم، وإدارة شؤونهم.

ولا بد لمن يتصدى لهذا الأمر من أن يكون على دراية تامة، فيما يصلح حالهم. ولما كان الفرد الواحد غير قادر على كل ذلك بمفرده، فهو بحاجة إلى مستشارين يشاورهم ويستأنس برأيهم، ويسترشد بعقولهم، لما فيه خير الجماعة. على الصعيد الديني: فإنه لما كان الإسلام شاملاً لجميع شؤون الحياة وكل ذلك مرتبط بالله تعالى، فإن الاستشارة والمشورة إذا كانت لله تعالى أدّت إلى القرب منه، وتحصيل التوفيق والرفعة عند الله، ولهذا نرى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليه السلام كانوا يستشيرون أصحابهم في كافة الأمور، رغم ما هم عليه من كمال العقل، والإلهام والتسديد والرشاد، كما صرح به الكثير من الروايات الشريفة، ولهذا نجد الإمام الصادق عليه السلام في مقام حثّ أصحابه على التشاور يقول بحسب ما ورد عنه-: "ما يمنع أحدكم إذا ورد عليه ما لا قبل له به أن يستشير رجلاً عاقلاً له دين وورع؟ ثم قال عليه السلام: أما إنه إذا فعل ذلك لم يخذله اللهُ بل يرفعه الله، ورماه بخير الأمور وأقربها إلى الله" (13). وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "من غشَّ المسلمين في مشورة فقد برئت منه"(14). ومن المعلوم أنّ القرب من الله تعالى أساس الدين وجوهره وغايته، والبراءة والولاية من صميمه كذلك.


(1) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج75، ص104.
(2) م. ن، ص105.
(3) م. ن، ص101.
(4) م. ن، ص100.
(5) م. ن، ص104.
(6) م. ن، ص98.
(7) م. ن، ص98.
(8) م. ن، ص105.
(9) م. ن، ص99.
(10) م. ن، ص105.
(11) م. ن، ص104.
(12) م. ن، ص102.
(13) م. ن.
(14) م. ن، ص99.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع