مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

في رحاب بقية الله: الشيعة وبدايات عصر الغيبة


الشيخ كاظم ياسين


الغيبة الصغرى، هي المرحلة الممتدة من وفاة الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام الحسن بن علي العسكري عليه السلام في الثامن من ربيع الأول عام 260 هـ حتَّى وفاة آخر سفير من سفراء ولده الإمام محمد بن الحسن عليه السلام في النصف من شعبان عام329هـ.  وقد تأثَّر الشيعة خلالها بالإجراء الصارم الذي قام به الإمام العسكري، حين أخفى ولادة ولده إلاّ عن بعض خاصَّته، ثمَّ حصر إمكانية مشاهدته بعد ذلك في عدد محدود جداً من أصحابه وشيعته، حسبما تقتضيه الظروف وقابليَّة الشخص المشاهِد، فمنهم من دعاه لمشاهدته(1)، ومنهم من زار الإمام ووجد عنده ولده فحادثه مباشرة، ومنهم من كتب له الإمام كتاباً يخبره بالولادة(2).

* السفير الأول: عثمان بن سعيد العمري
ثمَّ أخذ التواصل بين الإمام المهدي وشيعته ينضج تدريجياً، وقد لعب السفراء دوراً عظيماً في تحقيق ذلك، فكان عثمان بن سعيد العمري يتسلّم الرسائل والحقوق الشرعية من الشيعة ويسلّمها للناحية المقدَّسة. ولكن الشك في حصول الولادة أدَّى عند بعضهم إلى الشك في أصل وجود الإمام، وواصل أغلب شيعة إيران وشيعة العراق طريقتهم في دفع الحقوق الشرعية إلى الوكلاء الماليين للناحية المقدَّسة باسم ولد الإمام العسكري عليه السلام، بعد أن تمَّ إقرارهم من قبل عثمان بن سعيد(3)، وبقي بعض شيعة العراق متردِّداً في ذلك(4)، لأنَّه بقي متردّداً وشاكاً في أصل ولادته عجل الله فرجه(5). فقد ظهر في الكوفة ومناطق العراق متحيّرون لا يدرون ما يفعلون(6)، حتَّى التحق بعضهم بباقي الفرق الشيعية وغير الشيعية(7)، واعتقد كثير منهم(8) بإمامة جعفر.

* حال الشيعة حين بداية الغيبة
ولم تكن غيبة الإمام في السنوات الأولى غريبة عند أتباع التشيّع الحقّ المعتقدين بإمامة محمد ابن الإمام العسكري(عليه السلام)، ولكن عندما علموا بوجود الإمام وغيبته في أيَّامها الأولى، لم يكونوا يتصوّرون أنها ستطول كثيراً، إذ كانوا يعتقدون أنَّه بمجرد حلّ المشاكل الطارئة وتجاوز الخطر الآني، فإنَّه عجل الله فرجه سوف يظهر بسرعة، ويمارس شؤون الإمامة أسوةً بأجداده الطاهرين(9). ومع ذلك فلم يمض وقت طويل قبل أن يدرك الشيعة تدريجياً احتمال أن تكون الروايات الكثيرة التي وصلت عن طريق أجداده، والتي سمعها الناس لمدّة قرن من الزمان، حول غيبة الإمام في المستقبل، ناظرةً إلى الوضع الحاضر الذي يعيشونه، ففي هذه الروايات ذُكِرَ أنَّ قائم آل محمد يختفي عن الأنظار مدة من الزمن، ثم يظهر ليقيم حكومة العدل والقسط(10). أمَّا اسمه الشريف الذي أُخفي عن الناس فقد اكتشفه الشيعة من الروايات(11)، التي تتحدّث عن المهدي الموعود الذي ينتظر العالم ظهوره. فالمسألة المهدوية، هي الاعتقاد بظهور رجل من أهل البيت في المستقبل يقيم دولة العدل والقسط، ويقضي على الظلم والجور في الأرض. وفي أدبيات الشيعة الإمامية يسمّى هذا المنقذ قائم آل محمد"(12).

* السفير الثاني: محمد بن عثمان
بعد وفاة عثمان بن سعيد العمري حل محله ولده محمد بن عثمان الذي كان دائماً ملازماً لأبيه في بيت الإمام العسكري(عليه السلام)، وبقي مساعداً له في الغيبة الصغرى، وتولَّى مهمَّة النيابة لمدَّة طويلة بالرغم من الموقف السلبي الذي اتَّخذه حياله بعض وجهاء الشيعة الذين لم يعترضوا على أبيه(13) من قبل. وتوفّي سنة 305هـ، فقام أقطاب الشيعة في بغداد بإخبار الشيعة بأنَّه في أواخر أيامه عيّن مكانه أحد أعوانه، وهو الحسين بن روح النوبختي، الذي بقي يمارس هذه المهمّة حتى عام 326هـ. وهذا أيضاً رفضه بعضهم أو شكك به(14). وخلفه في منصب النيابة عليّ بن محمّد السمري، الذي لبث 4 سنوات يقوم بمهمة النيابة، وتوفي عام 329هـ دون أن يعيّن أحداً مكانه، وهكذا أغلق باب النيابة، وبدأت الغيبة الكبرى.

* التوقيعات في زمن الغيبة الصغرى
وخلال الأعوام السبعين، والواقعة بين وفاة الإمام العسكري ووفاة آخر النواب الخاصّين، وهي الفترة التي عرفت بالغيبة الصغرى، كان النواب الأربعة يتسلمون الرسائل والحقوق الشرعية من الشيعة، لغرض إرسالها للناحية المقدَّسة. وأحياناً كانوا يبعثون للشيعة ولوكلاء المناطق بالأوامر والتوقيعات الصادرة عنها. وكانت التوقيعات في العادة عبارة عن تعليمات إلى الوكلاء وإيصالات باستلام الحقوق الشرعية، وأحياناً نادرة أجوبة عن المسائل الشرعية، التي كان قد صدر للشيعة أمر بالرجوع فيها إلى الفقهاء(15).  وفي حوالي عام 280هـ، انقطعت التوقيعات بصورة مفاجئة واستمرّت هكذا حتى عام 290هـ، بل إلى آخر عهد محمد بن عثمان، الأمر الذي دعا الشيعة للاعتقاد بوقوع الغيبة الكبرى، التي تنقطع فيها الصلة تماماً بالإمام حسب الروايات(16). ثمَّ صدرت في زمن النائب الثالث عن الناحية المقدّسة توقيعات تلعن الذين رفضوه سفيراً(17). ومنذ ذلك الوقت صار سفير الناحية المقدّسة يرسل الأسئلة الشرعية إلى الفقهاء الشيعة؛ لكي يجيبوا عنها. بل إنَّ السفير نفسه كان يبعث بأسئلته إليهم. وكانت التوقيعات في هذه الفترة مكتوبة بخط أحد الكتاب في دار النيابة وبإملاء السفير نفسه وفقاً للأمر الصادر له عن الإمام طبعاً(18).

* اتساع النفوذ الشيعي
وفي نهاية القرن الثالث، في أيَّام الغيبة الصغرى، ظهر أمر الشيعة في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، فقد أنشأ أئمة الزيدية في اليمن وشمال إيران دويلات مستقلة. ووصل آل بويه، المؤيِّدين للشيعة، إلى السلطة إلى إيران في الربع الأول من القرن الرابع، أواخر أيام الغيبة الصغرى، واستولوا على بغداد والخلافة العباسية، ووصل الحمدانيون الشيعة إلى الحكم في الموصل وحلب. وتغيّر الوضع السياسي في كلّ مكان لصالح الشيعة بشكل لم يسبق له مثيل. وارتقى رجالات الشيعة إلى المناصب الحكومية العليا. ووصل نفوذ المذهب الشيعي إلى درجة جعلت المؤرّخين الغربيين يصفون هذا القرن بقرن الشيعة. خصوصاً وأنّ الخلافة الشيعية الإسماعيلية الفاطمية سرعان ما ظهرت بكل قوة في غرب العالم الإسلامي في نفس القرن.  وهنا نشأ اعتقاد عند الشيعة بأنه إذا كان غياب الإمام حقاً بسبب خوفه على حياته، وإذا كان حقاً سيظهر إذا توفّر له ثلاثمائة وثلاثة عشر حامل سيف من أنصاره(19)، فإن هذا أوان ظهوره؛ وذلك لتوفّر الشروط وارتفاع الموانع. ولكن مسألة غابت عن الذهن الشيعي والإسلامي العام في عصر الغيبة الصغرى وهي أننا لا ينبغي أن نتوقع من الإمام الظهور الكامل في أي ظرف من الظروف، باعتباره مذخوراً لنشر العدل الكامل في العالم كله، فهو إمام العالم ولا بد من تحقق "العالمية" في الوعي البشري أي نشوء المجتمع البشري العالمي الذي سوف يناديه ويستصرخه ليظهر في يوم من الأيام.


(1) إكمال الدين وإتمام النعمة: 2/ 399. بحار الأنوار: 52/ 16. الإرشاد للشيخ المفيد: 2/ 353ـ354. ينابيع المودة: 461، عنه منتخب الأثر: 356.
(2) بحار الأنوار: ج 51 ص 16.
(3) كمال الدين: 478–479 و501 و509 و516 و518.
(4) الكافي 1: 517.
(5) الكافي 1: 318 و329. كمال الدين: 458 و487. غيبة الشيخ: 146 و218.
(6) مروج الذهب 5: 108.غيبة الشيخ: 138 و172.
(7) كمال الدين: 408، الكافي 1: ص146 و520.
(8) كمال الدين: 320 و321.غيبة الشيخ: 136.
(9) فرق الشيعة: 116 و118. المقالات والفرق: 102 و106.
(10) غيبة الشيخ: 38 و40 و41.
(11) الكافي: 1: 328 و330 و331.
(12) المقالات والفرق: 43 وغيبة النعماني: 230.
(13) رجال الكشي: 564 و566.
(14) غيبة الشيخ: ص 192 و227.
(15) كمال الدين: 484.
(16) كتاب التنبيه لأبي سهل النوبختي: 93.
(17) غيبة الشيخ: 228 و252 – 253.
(18) غيبة الشيخ: 181 و228 و229 و240.
(19) كمال الدين: 378.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع