مع الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجّاد عليه السلام (1) نور روح الله: المَلِكُ المعبود المستعان مع إمام زماننا: العدل في المدينــة المهدويّــة (*) أخلاقنا: الوسوسة العمليّة.. طاعة شيطانيّة(*) مجتمع: "سلام فرمانده" صرخة جيلٍ مهدويّ(1) مناسبة: ما زالت المُقاومة عزّنا: ومـحمّـد كَبُـــر حكايا الشهداء: "ذَهَبُ خلّة وردة" (2) تقرير: شباب مجتمع المقاومة (الملتقى الشبابيّ الأوّل) قرآنيات: تفسير سورة الهُمزة (*) آخر الكلام: مُرابط الصحراء(*)

لغتنا العربيَّة الجميلة... أين نحن منها؟

تحقيق: ليندا زراقط



اللغة العربية هي لغة القرآن، قال الله تعالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا (سورة يوسف:2)، كما أنّها لغة الآباء والأجداد. للأسف الشديد اليوم نرى الكثير من العرب يعلّمون أبناءهم لغات أجنبية كاللغات الأوروبية، كونها الأكثر تداولاً عالمياً، مثل الانجليزية والفرنسية، على حساب العربية. وفي وقتنا الحاضر، ابتعد الناس عن لغتهم الفصحى، إذ صار لكلِّ بيئة لهجة خاصة بها، ولم نعد نسمع أفراداً يتكلَّمون الفصحى في مجتمعهم العام، إلاّ في الخطابات السياسية وخطبة يوم الجمعة. وهناك عدد كبير من التلاميذ لا يعرفون لماذا يدرسون اللغة العربية، وما هي أهميتها، وعدد آخر لا يحبها، وجرت العادة عندما يتحدَّث أحدنا بالفصحى أن يُقابَل بالسخرية والاستهزاء في وقت أصبحت اللغة الأجنبية سائدة في أحاديثنا ودراستنا وأعمالنا. هنا يُطرح السؤال الآتي: لغتنا العربية الجميلة، لغة القرآن، أين نحن منها؟ في هذا التحقيق لمجلة "بقية الله"... مفتاح المعلومات.

* غربة اللغة العربية وسط أبنائها
تعاني اللغة العربية في الوطن العربي غربة وسط بعض أبنائها -في أيامنا هذه- وهذا أمر ليس جديداً على اللغة العربية؛ فهي تتعرَّض لأشكال مختلفة من الغزو بين الوقت والآخر. تقول نور (16 سنة - الصف الأول الثانوي): أكره اللغة العربية وأحب الإنجليزية أكثر منها، ولعلَّ السبب الرئيسي يعود إلى أساتذة المادة، ولا نتكلَّم بالفصحى إلاّ داخل الصف. وإذا حصل وتحدّثنا بها خارجه، فيكون من باب المزاح والضحك، ولا أعرف ما هي أهميَّة اللغة العربية. ويشاركها الرأي علي (12 سنة - الصف الثامن) الذي لا يحبّ اللغة الفصحى أبداً، ويفضّل الإنجليزية على العربية، ويتكلَّم الفصحى في الصفّ، لأنَّه مجبر على ذلك. وفي كثير من الأحيان، يتكلَّم بالعامية داخل الصفّ. وعندما يتكلَّم أحد في الحياة اليومية باللغة الفصحى تصيبنا الدهشة والاستغراب والاستهزاء كما يقول. وعن تعلّم اللغة العربية يضيف: نتعلّم اللغة العربية لنأخذ أشياء جديدة، ولأنَّها لغتنا الأساسية. أمّا عباس (13 سنة - الصف الثامن) فلا يواجه مشكلة في تكلّم الفصحى ولكن داخل الصفّ فقط، ويتعلّم اللغة العربية كي يعرف قواعدها، ويجول في خاطره دائماً: لماذا نتعلم اللغة العربية؟ هو يحب المادّة كثيراً ويفضلّها على الإنجليزية لأنَّها أجمل، ولا يتكلَّم بالفصحى في الحياة اليومية لأنَّه ليس مجبوراً على التحدّث بها، وغير معتاد على ذلك، فهي كما يرى غير محبّبة أو مفضّلة لدى الأهل والناس.

* أحب اللغة العربية وأجهلها... معقول؟
لدى حسن (11 سنة - الصف السادس) الوضع مختلف فهو لا يسأل نفسه أبداً: لماذا نتعلَّم اللغة العربية؟ ويقول إنّ اللغة العربية لغتنا الأساسية، ولكن لا أفضّلها على الإنجليزية، كلاهما تقع في نفس المرتبة بالنسبة لي. بينما محمَّد (7 سنوات - الصف الثالث) يقول: أحبّ مادة اللغة العربيَّة لأنَّها جميلة وسهلة وأحبّها من أجل النجاح. ولا يعرف محمد ما هي أهميَّة اللغة العربية. وتقول السيدة فاطمة: عندما يعود ابني باسل (3 سنوات) من مدرسته يتكلَّم معي ومع والده بالفصحى ويهمّ بالضحك، ولا نجد نفسينا أنا ووالده إلا والضحكة مرسومة على وجهينا. والذي تقوله السيدة فاطمة، إنّ دل على شيء، إنَّما يدلّ على افتقارنا لاعتزازنا باللغة العربية. أيَّها القارئ العزيز، إذا كان لديك أخ أو طفل صغير سينطلق قطاره التعليميّ للمرَّة الأولى في حياته وتكلّم مثل باسل بالفصحى، فلا تسخر منه، بل شجّعه، واعلم أيضاً أنّ تصرّفك المشجّع في بداياته التعليمية المبكرة سوف يخلق له (ولك أيضاً) بيئة تعليمية جيدة ترغّبه وتحببه باللغة العربية.

* اللغة العربية.. مشاكل وحلول
إزاء ما سمعناه، كان لا بدّ لنا من التفتيش عن الأسباب ومعرفة الحلول. ولذا تحدثنا إلى الشاعر الأستاذ -محمد حمادة- مدير مدرسة العاملية (تخصص أدب عربي) وأفادنا بما يلي: إنَّ الإشكالية تكمن في محطات عدَّة أهمها: في المنزل: فالأهل الذين لا يعرفون الأسباب الترغيبية للطفل وحمله على حبّ اللغة العربية الأم، لغة الآباء والأجداد، هم مسؤولون بالدرجة الأولى. وفي المدرسة: على مدرّس اللغة العربية أن يقدّم مادة اللغة العربية بأسلوب محبّب وبسيط بعيداً عن التعقيد والجفاف، وعليه أن يشجِّع تلامذته على حبّ المطالعة وقراءة النصوص الأدبية ودواوين الشعر العربي، وعليه أيضاً أن يبرز محسّنات اللّغة وبلاغتها وجمالها وروعتها، كما لا بدّ له من تقديمها للمتلقِّي بأبهى حلّة. أمَّا لماذا ندرس اللغة العربية؟ فلأنَّها لغتنا ووسيلة المعرفة والثقافة والحوار مع الآخر. لكن وفي أحيان كثيرة يصطدم الطفل (أي التلميذ) بأبوين غير متعلِّمين ولا يجيدان التكلّم باللغة العربية الفصيحة، وهنا الإشكاليَّة الأولى! أمَّا الإشكاليَّة الثانية، فهي عاداتنا ومفاهيمنا اللاتربوية، وسخريتنا من الذين يتكلَّمون باللغة الفصحى، وهذا أمر سيئ وعقيم. وهنا وجّه الأستاذ حمادة نداء إلى المؤسسات التربوية لتشجيع التلامذة على التحدّث باللغة العربية داخل الصفوف وفي الملاعب، ونداء آخر لأولياء التلامذة أنْ يشجّعوا أبناءهم على التكلّم باللغة الفصحى في المنزل والنزهات وأمام الأقارب ليطردوا من نفوسهم عوامل الخجل والخوف والإرباك!

* الأسباب المدمِّرة لثقافتنا وعلاجها
يعتبر الأستاذ محمد حمادة أنّ الأسباب المدمِّرة لثقافتنا ولغتنا الجميلة هي الغزو الأجنبي وبعض محطّات التلفزة والقنوات الفضائيَّة، التي تبثّ البرامج والمسلسلات بلغة محكية فتفسد على التلميذ معارفه اللغوية الصحيحة  بطبيعة الحال لا بدّ من الوقوف على بعض الأمور المسبِّبة لهذا الجهل، ومنها الثقافة المنزلية عند الأهل والبيئة الاجتماعية، التي يعيش فيها التلميذ، والمدرسة والمدرّس والكتاب والأتراب، كلُّ هذه العوامل مجتمعة تؤدِّي إلى جهل أهميَّة اللغة إذا لم تتوفَّر في هذه العوامل المرتكزات الأساسيَّة لقيامها بالدور المنوط بها.. ويُضيف: إنّ الطفل أبرع مستوعب للمعلومة، وهو إناء شفَّاف نرى من خلاله ما يوضع فيه. والطفل أصدق معبّر عن الراوي؛ لأنَّ ذاكرته غير مشوّشة وهو يحتفظ بالمعلومة كما يتلقَّاها. لذلك، علينا أن نبادر إلى غرس حب اللغة في عقول أبنائنا التلامذة وأن نعمد إلى تعريفهم بأهميتها وتسليط الضوء على كل جميل فيها، هكذا نقرّب الأبناء من لغتهم ونحفظ ذاكرتهم من الشوائب والأخطاء.

* ملاحظة تهمّ الجميع...
استراتيجياً، فيتحدَّث العربية اليوم قرابة 422 مليون نسمة من العرب تمتدّ بلادهم على رقعة واسعة من المحيط إلى الخليج. ومن الناحية الدينية، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا: إنَّ العربية هي وعاء القرآن وهي وعاء الدّين لا بل وعاء الحياة كلها، وهي المفتاح إلى الثقافة الإسلامية والعربية، ومن هنا بدأت أهمية العربية، ومن هنا برزت ضرورة الاعتناء بها. فإنَّ لنا أن نفخر بهذه اللغة لأنَّها عنوان هويتنا ولأنّ الله عزّ وجلّ قد اختارها وعاء للوحي، ووسيلة للتواصل، وتقديراً لها كأداة خالدة عبر الزمان -الزمان كله- ولتقويم اللسان لا بدّ من تعلّم النحو، فالنحو هو من شروط المتكلّم سواء أكان ناظماً أم ناثراً، خطيباً أم شاعراً. وتاريخياً، فإنّ العربية وعاء لحضارة واسعة النطاق, عميقة الأثر, ممتدة التاريخ. لقد نقلت إلى البشرية في فترة ما أسس الحضارة وعوامل التقدّم في مختلف العلوم البشرية والتطبيقية. ولغوياً، فإنّ العربية تتمتّع بكثير من خصائص الفصاحة والبيان والبلاغة، فقد ظهر في رجال العرب من اشتهر بالخطابة والبيان والإيجاز الّلغوي وإدراك الفروق الدّقيقة بين المعاني، والتّفريق بينها عن طريق المترادفات.

* إرشاد... وتوجيه
لا بدّ لنا أيها الأصدقاء من أن نعرف التالي:

المشكلة أنّ خطراً يهدِّد لغتنا العربية، لغة القرآن الكريم. هناك خطرٌ شديد يكاد يقترب من خطر الانقراض لمصلحة اللهجات العاميَّة التي هي خليط عجيب من اللغات. السبب: إهمالنا الحديث بها واستخدامها في حياتنا اليومية، ما ولَّد حاجزاً نفسياً بيننا وبين اللغة، فصار بيننا من يدَّعي أنَّها صعبة وأنَّها لم تعد تصلح لعصرنا هذا، وحتَّى أنّ من حاول أن يتحدّث بها وجد من الناس سخرية جعلته يتراجع بسرعة عن قراره. فلنبدأ بالذّود عن هذه اللغة العربية الجميلة، التي احتوت تراثنا وحضارتنا. وهنا نناشد وزارة التربية والتعليم المساهمة الأكبر في الدِّفاع عن هذه اللغة الأم بإرجاع دروس النسخ وتفعيلها، وتخصيص جائزة لطلبة المدارس المتفوقين في اللغة العربية والنسخ والذين يتحدثون بهذه اللغة الفصيحة ويكتبونها في الصف والنشاطات.  هذه هي لغتنا المقدسة، رأينا كيف تطورت عبر العصور حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، ويحس بجمالها الحقيقي وقيمتها من يدرسها ويتعلمها، وكفاها شرفاً أنها لغة القرآن الكريم.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع