مع الإمام الخامنئي | الحجّ: لقاءٌ وارتقاء* نور روح الله | الإمام عليّ عليه السلام الحاكم العادل* فقه الولي | فقه الرياضة (2) أخلاقنا | أين الله في حياتك؟* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه حتّى الآن؟ (1)* مجتمع | أب الشهيد: ربّيته فسبقني إلى الشهـادة صحة وحياة | كي لا يقع أبناؤنا ضحيّة المخدّرات تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها

الآداب المعنوية للصلاة: في المقدمات: الطهور

ع.ن.



وحيث شرّع الله جلّت عظمته التطهير بالماء أصالة وبالأرض حين افتقاد الماء الطهور. فإن لهذا الطهور أسراراً على السالك أن يكون ناظراً إليها حين توجهه للطهارة كمقدمة للصلاة.

ولكي نقترب من هذه الأسرار يبين الإمام الخميني قدس سره مطلباً شريفاً ينبثق من حقائق الوجود ومراتبه وطرق ومدارج كماله، فيقول: "إعلم أن للإنسان السالك في الوصول إلى المقصد الأعلى ومقام القرب الربوبي طريقين على نحو كلي. الأول: وله مقام الكلية والأصالة وهو السير إلى الله بالتوجه إلى مقام الرحمة المطلقة وخصوصاً الرحمة الرحيمية وهي رحمة توصل كل موجود إلى كماله اللائق به".

فمن حقائق السلوك المعنوي والسير التام التجردي للإنسان، أن الله سبحانه هو الذي جعل كل مخلوق سالكاً إليه: "الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى"، ويسّر له سبيل الوصول إلى كماله الذي هو الأسماء والصفات الإلهية، وهي مجتمعة تسمى مقام الرحمة المطلقة. فالرحمة جامعة لكل الكمالات والرمان الرحيم اسمان جامعان لكل الأسماء الإلهية ومنهما تنبع جميع الكمالات المطلقة. وهذه الرحمة أيضاً متضمنة للهداية التي توصل كل موجود إلى كماله. فالأصل في السلوك هو التوجه إلى الرحمة المطلقة، وخصوصاً الرحيمية التي تسمى عند البعض بالهداية الخاصة بعد سلوك طريق الإيمان.
"إن دار التحقق في نظر أهل المعرفة وأصحاب القلوب هي صورة الرحمة الإلهية، والخلائق دائماً مستغرقون في بحار رحمة الحق تعالى، ولكنهم لا يستفيدون منها".

فما هي أهم مظاهر هذه الرحمة المطلقة؟

"هذا الكتاب الإلهي العظيم وهو القرآن الكريم هو أحد المظاهر العظيمة للرحمة الإلهية المطلقة". فهو جامع كل الكمالات ومراتب الهداية إلى الله. وهو الكمال النهائي لكل موجود.
"وأن الرسول الخاتم والولي المطلق الأكرم صلى الله عليه وآله هو الرحمة الواسعة والكرامة الإلهية المطلقة.. وقد كان قدومه إلى هذه الدار الدويرة رحمة للموجودات لإخراجهم من دار الغربة والوحشة..".
فإذا تعرف السالك إلى أهم مظاهر الرحمة المطلقة، وقوي نظره إليها، يصبح مستعداً أكثر من ذي قبل للاستفادة والاستفاضة من ماء الرحمة. وعليه أن يرى التطهير بماء الرحمة صورة لاستفادته من الرحمة الإلهية النازلة، والتي جاءت أسرارها في القرآن الكريم وفي سُنَّة الكمّل المعصومين (صلى الله عليهم أجمعين). وبالتالي عليه أن يقوم بأمر هذا التطهير.

فأهم آداب الوضوء والتطهير بالماء هو النظر إلى هذه الرحمة المطلقة التي أجراها الله سبحانه فيه، وجعله وسيلة للوصول إليها.
"وإذا قصر يده عنها بسبب القصور الذاتي أو تقصيره..." أي إذا فُقد الماء، فعلى السالك أن يعتبر ذلك من قصوره الذاتي أو تقصيره. وبالتالي عليه أن يتوجه إلى ذله ومسكنته وفقره وفاقته، وهنا ينفتح عليه باب آخر للطهارة ـ وللخروج من القصور أو التقصير ـ وهو الطهارة الترابية. وحقيقتها التوجه بالاضطرار الذاتي والفقر الذاتي والخروج من التعزز والغرور وحب النفس. فقد جعل الله سبحانه الطهارة الترابية للسالك لينظر إلى أصله وفقره. فهنا يكون التراب أحد الطهورين ويصير السالك مورداً لترحم الحق تعالى وتلطفه.

يقول الإمام قدس سره:

"وكلما قوي هذا النظر في الإنسان، أي النظر إلى ذلة نفسه يكون مورداً للرحمة أكثر".
وفي الآداب المعنوية الباطنية، ما هو الشيء الذي يبطل هذه الطهارة؟
إنه ما يقابل التوجه إلى الفقر الذاتي وهو السلوك بقدم الاعتماد على النفس والعمل. يقول الإمام أن مثل هذا السالك يكون هالكاً لا محالة، فإن أحد أهم حكم هذه التشريعات الإلهية هو إيصال الإنسان إلى مقام لا يرى لنفسه فضلاً ولا فعلاً، وهو ما يسمى بالتوحيد الأفعالي والصفاتي.
إن مثل هذا الإنسان مثل الطفل الذي يتجاسر على المشي ويفتر بقدمه ويعتمد على قوته، فهذا الطفل لا يكون مورداً لعناية أبيه، بل يكله الأب إلى نفسه.. ولكنه إذا عرض اضطراره وعجزه على جناب الأب الشفيق وخرج من الاعتماد على نفسه وعلى قوته كلياً يصير مورداً لعناية الأب الذي سيأخذ بيده، بل يأخذه في حضنه ويمشي به بقدمه.
فهذا أصل كلّي من أصول ومبادئ السير والسلوك. والوصول إليه من أهم مطالب السالكين. والمطلوب فيه الاعتقاد الجازم بأنه لا مؤثر في الوجود إلا الله، أي لا مزكي ولا مطهر إلا هو سبحانه. ثم يذكر الإمام فائدة عظيمة هي لأهل السلوك بشارة كبرى:

"فالأحرى بالسالك إلى الله أن يكسر رجل سلوكه وأن يستدعي البراءة من الاعتماد على نفسه وارتياضه وعمله كلياً، ويفنى عن نفسه وقدرته وقوته ويجعل فناءه واضطراره دائماً نصب عينيه حتى يقع دائماً مورداً للعناية الإلهية، فربما يسلك حينئذٍ طريقاً يطول سيره منه سنة في ليلة واحدة بالجذبة الربوبية"  ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ .

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع