مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

أول الكلام: لَبَلَاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ


السيد علي عباس الموسوي

من أهمّ الطبائع البشريّة التي جُبِلَت عليها الفطرة الإنسانيّة، أنْ يرسم الإنسان هدفاً وغاية ويسعى للوصول إليهما. فلا عبث في حياة هذا الإنسان، وإنْ أخطأ في تشخيص ذلك الهدف أو في طريق الوصول إليه.

وينعكس تحديد الهدف ورسم الغاية على حياة الإنسان، بشكل عام، وعلى سلوكه وتصرّفاته بشكل خاص وبارز. فإذا كان الهدف هو نيل الدنيا وكان الإنسان مبتلى بقصور في النظر والمعرفة بالحقائق المرتبطة بنفسه وبالكون المحيط به، فإنّه سوف يتحوّل إلى ساع يبحث عن الدنيا ويخاف أن يفوته شيء منها، وهو يتوهّم أنّ نهايتها بالموت؛ ولذا تجده يُعرض عن كل دعوة إلى الآخرة، بل يُجيّر كلّ عمل يقوم به في هذه الدنيا -حتى لو كان إنسانياً وخيّراً- إلى ما يخدم هدفه الدنيويّ، ويقرّبه من نيل حظوة من مال أو جاه.

وهكذا ترتسم صفات الشخصية الدنيوية ومعالمها بصفات متناقضة أحياناً؛ لأنّ المصالح الدنيوية تقع في حدّين متناقضين أحياناً، وبصفات بعيدة عن العقل؛ لأنّ من لا يرى الآخرة، كان في عقله من القصور ما يحول بينه وبين الاتصاف بصفات العقلاء، ويصبح الإنسان نَهِماً، يرى الحرية تتمثّل بأن يكون له الحقّ في أن يصل من خلال استخدام أي وسيلة ممكنة، إلى ما يعود عليه بالنفع في هذه الدنيا.

وأمّا لو كان رسم الهدف إلهياً، أي مُتلقَّى من خلال العقل السليم، والوحي والمعصوم، فإنّه سوف يرسم صفات ومعالم شخصية أخرى، وذلك لأنّ من عرف حقيقة نفسه، وأنه متمحّض في العبودية لله عزّ وجلّ، ومن أوصله الوحي باليقين إلى أنّ كماله في أداء حقّ العبودية هذا، فإنّه سوف يتحلّى بصفات العبد التام، وسوف يرى كماله في كلِّ فعل يرقى من خلاله في درجات العبودية، وسوف يرى أن حريّته الحقيقية تكمن في جوهر عبوديّته لخالقه.

ولا تعني هذه النظرة الإلهيّة لحقيقة الهدف الإنساني، أنّ على هذا الإنسان أن لا يعتني بأمر هذه الدنيا وأن لا يسعى فيها، بل تكشف لنا الآيات، وبوضوح، أنّ الخط الإيماني يسعى لأن يكون هو الحاكم في هذه الأرض، وأنّه جعل من أهدافه أن يُخضع الناس جميعاً للحكومة الإلهية، وأن ينفّذ حكم الله في هذه الأرض.

إنّ كون الهدف إلهياً لا يعني أنّ السعي هو لوراثة الجنّة وأن يفوز بسعادة الآخرة فقط، بل الهدف الإلهي يتمثّل بدخول الناس في دين الله أفواجاً، وبالجهاد في سبيل إعلاء كلمة الدين، وبالعمل على مواجهة كلِّ حاكم ظالم.

ولأنّ هذا كلّه يتمّ في ظلّ حكومة الحاكم الإلهيّ المنصَّب من عند الله عزّ وجلّ، كان الانتظار سِمَة عصر الغيبة. وهذا الانتظار يختزن داخله مضموناً راقياً متمثّلاً بالتمهيد لليوم الموعود، عبر اتّباع نائب المعصوم في غيبته.

إنّ وراثة الأرض، بحسب التعبير القرآنيّ، هي هدف مرسوم للعباد الذين وصفهم القرآن بالصالحين، وبيّن أنّ العبودية لله عزّ وجلّ هي التي تحقّق هذا الهدف؛ لذلك لن يناله إلّا القوم الذين يتّصفون بالعبودية. وبما أنّ المهمّة لا ترتبط بكلّ فرد وحده، بل ترتبط بالمجتمع ككيان واحد، كان التعبير القرآنيّ بصفة "عابدين" للقوم جميعاً، قال تعالى:  ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: 105 - 106).

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع