منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

الإمام الجواد عليه السلام ومعجزة الإمامة


السيّد عبد الله فضل الله


الإمام المعصوم هو الوصيّ على الرسالة بعد أن أُكملت على يد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ودور الوصيّ هو متابعة فصولها بياناً وتفصيلاً كما نزلت وكما ينبغي فَهمها وتطبيقها، وهذا من ضرورات كمال الدين وإتمام النعمة به ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا (المائدة: 3). والرسالة بلا وصيّ يبيّن ما خفي منها يعرّض الدين للتشتّت والضياع، كما حصل للمسلمين الذين فارقوا مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

*الإمام المعصوم نقاء الدين
وعليه، فإنَّ لكلّ معصوم وظيفته الرسالية التي برزت حسب الظروف المحيطة به. ولذلك فإنَّه من المفيد أن نقارن بين الأفكار السائدة في أيّام كلّ إمام معصوم، وما تضمّنته تلك الأيّام من معاناة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وبين توجيهاته وإرشاداته وتصويبه للأحكام الشرعيّة وفْق الأصْل الإسلاميّ الذي أتى به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو القائل بحسب الرواية المنقولة عن الفريقين: "إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً"(1). فالإمام المعصوم هو الحارس المنصوب من الله عزّ وجلّ لحماية النهج الأصيل من الاندراس والزوال كما حصل لليهوديّة والنصرانيّة من قبل. ودور الأئمّة هو الذي أبقى معالم الدين النقيّة إلى الآن وإلى يوم القيامة فلا يبقى للناس على الله حجّة بعد الرسل وذلك بخاتمة الرسالات والنبوّات.

*ظروف عصره عليه السلام
الإمام الجواد عليه السلام هو علمٌ من الأئمّة الأعلام المعصومين الذي أثبت بعدّة قرائن أنّ الامامة هي عهدٌ من الله، كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (البقرة: 124)، وذلك لصغر سنّ الإمام؛ إذ إنّه تقلّد الإمامة وهو ابن ثمان أو تسع سنوات وألقى حجّته على كلّ أهل زمانه من سلاطينٍ وأهل علم، وهو ما تحدثت به الروايات. ولكن تنبغي الإشارة إلى أنّ عصر الإمام الجواد عليه السلام قد شهِد فكرة تأصيل التعصّب المذهبيّ والتحريض ضدّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام؛ إذ كلّما تقادمت الأيّام في عهد الأئمّة كلّما تأصّلت مدرسة الحرب الفكريّة والكلاميّة والفقهيّة ضدّهم وضدّ أتباعهم عليهم السلام، وهذا ما تشهد به روايات المناظرات، ولا بأس بذكر الشاهد على كلامنا:

1. التحريض على أهل البيت عليهم السلام

يروي العيّاشي عن زرقان صاحب ابن داود رواية يذكر فيها مسألة فقهيّة تتعلّق بحدّ قطع اليد للسارق، إلى أن يقول بعد أن ثبت عجز ابن داود العلميّ، في معرفته من أين تقطع اليد، مقابل الإمام الجواد عليه السلام فاغتمّ لذلك كثيراً وقال: "قامت قيامتي وتمنّيت أني لم أكُ حيّاً... إلخ"- يقول الزرقان إنّ ابن داود قال له: "صرت إلى المعتصم بعد ثالثه" -لأنّ المناظرة تمّت بحضور المعتصم وقوّاده ووزرائه وأهل العلم- فقلت: إنّ نصيحة أمير المؤمنين عليَّ واجبة وأنا أكلّمه بما أعلم أنّي أدخل النار!!! فقال: وما هو؟ قلت: إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيّته وعلماءهم لأمر واقع من أمور الدين فسألهم عن الحكم فيه فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك، وقد حضر المجلس أهل بيته وقوّاده ووزراؤه وكتَّابه، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه، ثم يترك أقاويلهم كلّهم لقول رجل يقول شطْر هذه الأمّة بإمامته ويدّعون أنّه أولى منه بمقامه ثمّ يحكم بحكمه دون الفقهاء..."(2)، ممّا يشير إلى لغة التحريض على الإمام وعلى أهل البيت، وهو ما يشير إليه قوله الأخير: يقول شطر هذه الأمّة بإمامته ويدّعون أنه أولى منه بمقامه.

2. التحريض على الإسلام الحقّ

وكذلك روى ريان بن شبيب في رواية طويلة له إنّ العباسيّين غلُظ عليهم عزم المأمون تزويج ابنته أمّ الفضل للإمام أبي جعفر الجواد عليه السلام فكان من جملة ما قالوه له: فإنَّا نخاف أنْ يخرج به عنّا أمراً قد ملَّكناه الله وينتزع منّا عزّاً قد ألبسَناه الله.

ثمّ يقولون، وهو محلّ الشاهد حول الحرب على مدرسة أهل البيت، وتأمّل التحريض ضدّهم جيلاً بعد جيل إلى أن أصبح مدرسة لمواجهة الإسلام الحق: "وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم...".(3).

فمضمون هذه الأخبار وغيرها ينبئ عن الحرب المستمرّة التي بدأت بأحقاد بدريّة وانتهت في زمن الأئمّة، وتحديداً من بداية القرن الثالث الهجريّ، إلى تموضع مذهبيّ في مقابل أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم.

*غزارة علمه صغيراً عليه السلام
وكان العطاء العلميّ في عهد إمامة أبي جعفر الجواد عليه السلام له صفة تجعله مُلفتاً لنظر الباحثين الذين رأو أنّ عطاءه عليه السلام كان عطاء من عاش عمراً طويلاً، نظراً إلى غزارته، مع أنّه عاش أقلّ أعمار الأئمّة عليهم السلام، بل إنَّ عمره الشريف الذي لم يتجاوز خمساً وعشرين عاماً لا يستطيع أن يقدِّم الإنسان العادي مثله في الانتشار والتأثير، فقد روي(4) أنّه سُئل في مجلس واحد ثلاثين ألف مسألة فأجاب عنها وله من العمر عشر سنوات، وألقى الحجّة على كلّ من يدّعي علماً كقاضي قضاة بغداد "يحيى بن أكثم" و"ابن أبي داود السجستاني" وأمام الحاشية والقوّاد وبقيّة أهل العلم حيث ألقى الحجّة عليهم، بما لا يسع المرء القياس عليهم كما تفيد روايات المناظرات، ممّا ساعد المأمون على إلزامهم الحجّة بتزويجه ابنته حيث يقول: وأمّا أبو جعفر محمّد بن عليّ فقد اخترته لتبريزه على كافّة أهل الفضل في العالم والفضل مع صِغر سنّه والأعجوبة فيه. لذلك فيقولون له إنّه: "صبيّ لا معرفة له ولا فقه فأمهله ليتأدّب ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك"(5).

وهنا يبرز ذكاء المأمون وحنكته وكيفية إدارة دفّة السلطة بيده، فقال لهم: ويحكم إنّي أعْرَف بهذا الفتى منكم وإنّ هذا من أهل بيت علمُهم من الله تعالى وموادّه وإلهامه(6) إلى آخر قوله؛ واتفقوا على مناظرته لاعتقادهم الغلبة عليه.

*المناظرات حجّة وبيان
وإذا راجعنا ظروف الحصار التي عانى منها الإمام وأتباع أهل البيت عليهم السلام يمكن أن نستكشف أمراً في غاية الأهميّة، ألا وهو وصول بيانهم عليهم السلام إلى كلّ الناس ولكن عن طريق المناظرات وما أمكنهم من تعليم وتدريس تلامذتهم، وهو أمرٌ لا يمكن أن يكون مؤثّراً إلّا على أيدي الأئمّة عليهم السلام بما يملكون من إحاطة بالعلوم والمدارك العقليّة بما يؤهّلهم أن يلقوا الحجّة على كلّ من سألهم وناظرهم. وهذا ما سارت به أحاديث الناس وتناولته الركبان إلى كلّ أقاصي بلاد المسلمين.

*مسألة يحيى بن أكثم
فمناظرته، كما يظهر من الروايات، تناولت الشأن الفقهيّ ومقدار علم الأئمّة الذي لا يقاس بما عند الآخرين، وتناولت الشأن الثقافيّ الذي حاول تقديس الرموز التي نكثَت عهد رسول الله ووصيّته إلى المسلمين بحقّ أهل بيته عليهم السلام.

الشأن الأوّل ـ الفقهيّ: كان محاولة تعجيز من القوم له عليه السلام عن طريق مناظرة مَن يرونه من أكفئهم كقاضي قضاة بغداد "يحيى بن أكثم"، إذ يقول الراوي ريان بن شبيب: فخرجوا من عنده -أي المأمون- واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها ووعدوه بأموال كثيرة على ذلك، ثم تقول الرواية: فقال أبو جعفر عليه السلام: سلْ إن شئت، فقال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيداً؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: قتله في حلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أو جاهلاً؟ قتله عمداً أو خطأً؟ حرّاً كان المحرم أو عبداً؟ صغيراً كان أو كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أو معيداً؟ من ذوات الكبر كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد أم من كباره؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد أم بالنهار؟ مُحرماً كان للعُمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً؟

فتحيّر "يحيى بن أكثم" وبان في وجهه العجز والانقطاع، ثمّ إنّه لمّا تفرّق الناس قال المأمون لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك إن رأيت أنْ تذكر الفقه فيما فصّلته من وجوه قتْل المحرم لنعلمه ونستفيده(7).

وهكذا تذكر الرواية جواب الإمام عليه السلام فيما فصّله من المسألة.

الشأن الثاني ـ الثقافيّ: فكان في تفنيد ما رُوّج للناس حول الروايات التي تشهد بفضل بعض الصحابة(8).
وهو أيضاً لا يقلّ خطورة، حيث كان على الإمام عليه السلام هدْم الموروث الذي عُمل على تقديسه عند السلاطين وأئمّة المذاهب، ممّا يؤدّي إلى تصويب مرجعيّة الفكر الدينيّ والفقه الإسلاميّ إلى أئمّة الهدى عليهم السلام.

*تلامذة الإمام الجواد عليه السلام
كما برزت مسيرة الإمام الجواد عليه السلام العلميّة أيضاً من خلال الجهد الذي قام به في تدريس وتعليم تلامذته وهم بالعشرات. وقد أحصى السيّد "محمد كاظم القزويني" في أصحاب الإمام الجواد عليه السلام ما يصل إلى مئتين وخمسة وسبعين شخصاً من الرجال والنساء، ونذكر منهم من برز في عالم الرواية والتأليف:

- الحسن والحسين ابنا سعيد الأهوازيّان، وقد كانا مصنِّفين مهمَّين وقد نقلا عن الرضا والجواد عليهما السلام.

- محمّد بن إسماعيل بن بزيع، كذلك اتّصل بالإمامين وقد تبرّك من الإمام الجواد عليه السلام بقميصه ليكون كفناً له.

- أحمد بن عبد الله بن البرقي، صاحب كتاب المحاسن، يحوي فوائد في الجغرافيا والتاريخ والتراجم والآثار.

- عليّ بن مهزيار وهو من أشهر أصحاب الجواد عليه السلام كان نصرانيّاً فأسلم على يديه.

ويوجد العشرات أمثالهم، وقد اكتفيت بهذا القدر اختصاراً لمعرفة دور الإمام عليه السلام على رغم صغر سنّه وظروفه المحيطة به آنذاك ما يعبّر بحقٍ عن أنّ الإمامة عهد إلهيّ ونور ربّانيّ لا يرتقي البشر إلى مقامات الأئمة التي أنعم الله بها علينا، فالسلام عليهم يوم ولدوا ويوم استشهدوا ويوم يبعثون، سلام الله عليهم أجمعين.


1- صحيح مسلم، ج2، ص238، ومسند أحمد بن حنبل، ج3، ص17، كذلك نفس المصدر عن أبي سعيد الخدري، ص26 و59.
2- تفسير العياشي، محمد بن مسعود العياشي، ج1، ص348.
3- بحار الأنوار، المجلسي، ج50، ص79-47. الإرشاد للشيخ المفيد، ص319 - 323.
4- الكافي، الكليني، ج1، ص496.
5- الإرشاد، الشيخ المفيد، ص319 - 321.
6- (م.ن).
7- بحار الأنوار، (م.س)، ص77.
8- الغدير، الشيخ الأميني، ج5، ص321 في سلسلة الموضوعات قال: أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ج2، ص106. وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال، ج2، ص302.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع