منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

إمامة الجواد عليه السلام في الصِغر


الشيخ أحمد خشاب‏


قال تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء من هذه الشجرة الطيبة الإمام محمد بن علي الملقب بالجواد عليه السلام تاسع الأئمة المعصومين وثالث المحمدين اشتهر بأبي جعفر الثاني حتى لا تلتبس كنيته مع أبي جعفر الإمام الباقر عليه السلام.

ولد في المدينة سنة 195ه.ق. واستشهد سنة 220ه.ق. على يد زوجته أم الفضل بنت المأمون بتحريض من الخليفة المعتصم. تولى شؤون الإمامة بعد شهادة أبيه الرضا سنة 203ه.ق عن عمر سبع سنين وقد جاء بعده الإمام الهادي عليه السلام ليتولاها عن عمر 8 سنوات ثم بعد العسكري عليه السلام قائم آل محمد المهدي عجل الله فرجه ليتولاها وله من العمر 5 سنوات فكان الإمام الجواد عليه السلام أول تجسيد حي للإمامة التي احتلت مكانتها في المسائل الكلامية حتى غدت من أهم القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي، وخصوصاً مسألة أن يتولى الإمامة إمام قبل البلوغ. وبإلقاء نظرة فاحصة على العصر الذي عاش فيه الإمام الجواد عليه السلام نرى أن الطائفة الشيعية واجهت مخاضاً عسيراً وزلزالاً لو تمكّن منها لأمكن أن يقتلعها من جذورها وذلك لصغر سن الإمام، يقول ابن رستم الطبري: لما بلغ عمره 6 سنوات وشهور قتل المأمون أباه وبقيت الطائفة في حيرة واختلفت الكلمة بين الناس واستُصْغِر سن أبي جعفر وتحير الشيعة في سائر الأمصار.

هذه الحالة التي حصلت أدت إلى أن يتجه بعض الشيعة إلى أحمد بن موسى قائلين بإمامته ورجعت جماعة إلى القول بالوقف على الإمام الكاظم عليه السلام. قال النوبختي وغيره: وكان سبب الفرقتين اللتين ائتمت واحدة منها بأحمد بن موسى ورجعت الأخرى إلى القول بالوقف أن أبا الحسن الرضا عليه السلام توفي وابنه محمد ابن سبع سنين فاستصبوه واستصغروه وقالوا لا يجوز الإمام إلا بالغاً.

ويذكر صاحب كتاب عيون المعجزات كيف اختلفت الكلمة بين الناس ببغداد والأمصار بعد شهادة الرضا عليه السلام واجتماع العلماء في دار عبد الرحمان بن الحجاج في بركة زلول وقول يونس بن عبد الرحمان دعوا البكاء من لهذا الأمر وإلى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا؟ يعني أبا جعفر عليه السلام. فإذا كان حال يونس بن عبد الرحمان هذا وهو من العلماء الأجلاء ومن أصحاب الاجماع فكيف يكون حال الناس الآخرين ومن المعلوم أن الناس قد خاضوا في أمر سن الإمام عليه السلام وجعلوا ذلك من جملة المآخذ التي يمكنهم من طريقها التشكيك بإمامته وزعامته ونيابته عن رسول الله وبالتالي أصبح واضحاً أن إمامته ولم يبلغ سن الرشد أخطر مشكلة واجهت الشيعة في ذلك العصر. لكن قوة الطائفة الشيعية الإمامية التي هي من أعرق الفرق وأبلغها حجة في الصراع الفكري والتي ترى فيها سائر الفرق أنها أقوى منافسة فكرية لها استطاعت أن تتخطى هذا الإعصار بالحجة وتربح المعركة وذلك من خلال هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم على شيعتنا بركة منه كما قال أبوه الرضا عليه السلام وما قام به الأئمة من التمهيد لهذا الأمر. فهذا صادق آل محمد عليه السلام يمهد لهذا الأمر يقول أبو بصير: دخلت عليه ومعي غلام يقودني خماسي لم يبلغ فقال كيف أنتم إذا احتج عليكم بمثل سنه؟ وقال سيلي عليكم بمثل سنه. والرضا عليه السلام ينص على إمامته وعظيم منزلته ويرفع إشكالية صغر السن وهذا ما نراه بالعديد من الروايات وقد عقد صاحب البحار العلامة المجلسي باباً للنص على إمامته فتارة يشير الرضا عليه السلام أنه سيولد له ولد يفرق بين الحق والباطل كما في كتاب ابن قياما الواسطي وتارة يشير إلى إمامة الجواد عليه السلام من خلال أنه يحمل علامة الإمامة كما في رواية الحسن بن الجهم حيث يكشف له الإمام الرضا عليه السلام عن كتفي الإمام الجواد عليه السلام فيرى شبه الخاتم داخل اللحم ويقول الرضا عليه السلام مثله في هذا الموضع كان في أبي عليه السلام.

وتارة يعبر الرضا عليه السلام أن الله قد وهب لي من يرثني ويرث آل داود أو بعبارة لم يولد في الإسلام أعظم بركة منه ولم يكن الرضا عليه السلام يذكره إلا بالتعظيم والتبجيل ... كتبت إلى أبي جعفر وكتب لي أبو جعفر ومن كان يستصغر سنه فكان الرد من قبله أن عيسى قد قام بالحجة وهو ابن ثلاث سنين إشارة إلى قوله تعالى إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً كما في رواية صفوان بن يحيى. أو إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا أكابرنا القذة بالقذة كما في رواية معمر بن خلاد. أو كما جاء في رواية ابن أسباط: يا علي إن الله احتج بالإمامة بمثل ما احتج بالنبوة حيث قال تعالى: ﴿وآتيناه الحكم صبيا إشارة إلى نبي الله يحيى عليه السلام.فالرضا عليه السلام نصَّ ومهَّد لإمامة ابنه رغم صغر سنه ولذلك نلاحظ أن جمهور الشيعة كما يفهم من كلام الريان بن الصلت حيث تصدى لكلام يونس بن عبد الرحمان كانوا ما زالوا يعتقدون أن علم الإمام وراثي وأن صغر سنه عليه السلام لم يكن ليؤثر على قدرته لتلقي العلوم والمعارف. فقد قال الريان بن الصلت إن كان أمره من الله فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ وقوته وإن لم يكن من عند الله فلو عمر ألف سنة فهو واحد من الناس. هذا مما ينبغي أن يفكر فيه. ومن المعلوم أن الشيعة الإمامية ينظرون إلى الإمامة باعتبارها قضية إلهية تحتاج إلى النص والتعيين وهم مطلعون على مختلف أحوال الإمام وشؤونه كالعصمة والطهارة والعلم الجامع هذا أولاً.

ثانياً: نفس الإمام الجواد قد تصدى للإجابة على من يقولون ويتحدثون عن حداثة سنه.

ففي الكافي أنه سأله البعض فقال له: إنهم يقولون في حداثة سنك فقال: إن الله تعالى أوحى إلى داود أن يستخلف سليمان وهو صبي يرعى الغنم فأنكر ذلك عباد بني إسرائيل وعلماؤهم، وقال علي بن حسان: يا سيدي إن الناس ينكرون عليك حداثة سنك، فقال: "وما ينكرون من ذلك قول الله عزّ وجلّ، قال الله عزّ وجلّ لنبيه: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومَنْ اتبعني، فوالله ما اتبعه إلا علي وله تسع سنين وأنا ابن تسع سنين".
وفي رواية محمد بن فضيل الصيرفي يقول الإمام الجواد عليه السلام: "عندي سلاح رسول الله وهو فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل يدور معنا حيث درنا وهو مع كل إمام". ولا يخفى ما لموقف عم الرضا علي بن جعفر الذي كان من أكابر العلماء ومن الأجلة وكبير السن من أثر في التباس إمامة الجواد عليه السلام من جهة والإشارة إلى عظيم منزلته فإذا به يسوي نعلي الإمام حتى يلبسهما، وفي رواية أخرى يقول علي بن جعفر حين وُبِّخ من قبل أصحابه: اسكتوا إذا كان الله عزّ وجلّ وقبض على لحيته لم يؤهل هذه الشيبة وأهَّل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه. وحين يشتبه أمر النص عند الشيعة أو يحتاجون لمزيد اطمئنان كان هناك وسائل تُعتمد كالامتحان بتوجيه الأسئلة الفقهية والاعتقادية أو بإظهار الكرامات من قبل الإمام كالإخبار عن أمور لا يمكن معرفتها إلا بتعليم من قبل الله عزّ وجلّ ولذلك كان سرعان ما يُكتشف زيف من يدعي الإمامة زوراً ويظهر كذبه كعبد الله وأحمد بن موسى مدَّعِيَا الإمامة بعد شهادة الرضا عليه السلام وقد اجتمع ثمانون من فقهاء بغداد والأمصار وعلمائهم في دار الصادق وسألوا عبد الله فأجاب بغير الواجب وحين هموا بالانصراف متحيرين مغمومين دخل أبو جعفر وسُئل فأجاب عنها الحق ففرحوا ودعوا له وأثنوا عليه كما في رواية عيون المعجزات، وفي رواية أخرى أنه سئل أي الجواد "ع" في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب وله عشر سنين والعدد في الرواية محمول على المبالغة في كثرة الأسئلة.

ويبقى أن أشير إلى موقف الخليفة العباسي وخطره بالأسلوب الجديد الذي اتبعه مع الرضا عليه السلام أولاً ثم تابع المؤامرة مع الإمام الجواد عليه السلام والذي يدل على معرفته بإمامة الجواد عليه السلام وهو موقف ملي‏ء بالمكر والكيد والدهاء فمن جهة يزوج المأمون ابنته أم الفضل من الجواد عليه السلام متظاهراً بالمحبة والإكرام ومن جهة يعمل على محاصرته بقطع صلاته بشيعته والشيعة به ويعمل على النيل من الإمامة من خلال إسقاطه علمياً بإمتحانه بالسؤال ويجلب المتكلمين عليه طمعاً في أن يقطعه واحد منهم فيسقط محله عند العلماء وينهار المذهب الإمامي بأفول نجم الإمام لكن الإمام كان يجيب بالجواب الشافي فيبقى القمة الشامخة التي لا يوصل إليها والنور الذي يستضاء به مجتازاً ذلك المخاض العسير وممهداً للحدث العظيم والكبير لإمامة قائم آل محمد المهدي عجل الله فرجه وهو صغير السن ومثبتاً دعائم الدين فالسلام على هادي الأمة ووارث الأئمة وخازن الرحمة وينبوع الحكمة وعديل القرآن في الطاعة.

كانت سن الإمام أخطر مشكلة واجهت الشيعة في ذلك العصر لكنها استطاعت أن تتخطى الإعصار بالحجة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع