مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

نور روح الله: توبةٌ تمحو آثار الذنوب(*)


ذكرنا في العدد السابق أركان التوبة. وفيما يلي سوف نذكر شروط قبولها وشروط كمالها مرتّبةً. ثمّ إنّ عُمدة شروط القبول أمران، كما إنّ عُمدة شروط الكمال أمران أيضاً.

روي في نهج البلاغة كلاماً أنّ قائلاً قال بحَضرته عليه السلام: أستغفر الله، فقال له: "ثكلتك أمّك أتدري ما الاستغفار؟ إنّ الاستغفار درجةُ العليين وهو اسم واقع على ستّة معان: أوّلها، الندم على ما مضى. والثاني، العزم على ترك العود إليه أبداً. والثالث، أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله سبحانه أملس ليس عليك تَبِعة. والرابع، أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقّها. والخامس، أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السّحت فتُذيبه بالأحزان حتّى تُلصِقَ الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد. والسادس، أن تذيق الجسد ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول: أستغفر الله"(1).

* حقوق المخلوق والخالق
يشتمل هذا الحديث الشريف على ركنين من أركان التوبة هما: الندامة والعزم على عدم العودة، وعلى شرطين مهمّين للقبول هما: إرجاع حقوق المخلوق لأهلها وردّ حقوق الخالق للَّه سبحانه. إنّ على الإنسان التائب أن يردّ كلّ ما أخذه من الناس دون حقّ إلى أصحابه. وإذا وجد حقوقاً أخرى للنّاس في ذمّته واستطاع أن يؤدّيها إلى أصحابها أو يطلب السماح منهم، يجب أن لا يتوانَى في ذلك، وأن يقضي كلّ الفرائض الإلهيّة أو يؤدّيها. وإذا تعذّر عليه إنجاز ذلك أدّى المقدار الميسور منه. وليعلم أنّ لكلّ هذه الحقوق أصحاباً سيطالبونه بها في النشأة الأخرى بأشقّ الأحوال وليس له في ذلك العالم وسيلة لأداء هذه الحقوق، إلّا أن يتحمّل ذنوب الآخرين، ويدفع إليهم أعماله الحسنة فيصير حينذاك عاجزاً وشقيّاً.

* القنوط أسوأ الذنوب
أيها العزيز: إيّاك أن تسمح للشيطان والنفس الأمّارة بالهيمنة عليك، والوسوسة في قلبك فيصوّران لك العمليّة جسيمةً وشاقّةً ويصرفانك عن التوبة. اعلم بأنّ إنجاز الشيء القليل من هذه الأمور يكون أفضل. ولا تيأس من رحمة الله ولطفه، لأنّ الحقّ المتعالي يسهّل عليك الطريق عندما تقوم بخطوات مستطاعة لديك في اتجاهه، ويهديك سبيل النجاة. واعلم أنّ اليأس من رحمة الحقّ من أعظم الذنوب، وتقدّم إلى الأمام خطوةً واحدةً باتجاه عتَبة قدسه، إنّك إن لم تستطع أن تؤدّي حقوقه، فهو سيتنازل عنها. وإنْ لم تستطع أن تدفع حقوق النّاس، فإنّه سيجبرها.

* شروط التوبة الكاملة
وأمّا الأمران الآخران، الخامس والسادس المذكوران في الرواية المنقولة عن نهج البلاغة المتقدّمة، فهما من شروط كمال التوبة، والتوبة الكاملة، لأنّ التوبة لا تتحقّق ولا تُقبل من دونهما، بل إنّ التوبة من دونهما ليست بكاملة.

اعلم أنّ التائب إذا أراد البلوغ إلى مرتبة الكمال، فلا بدّ له من تدارك ما تركه، وتدارك الحظوظ النفسانيّة التي لحقت به أيّام الآثام والمعاصي؛ وذلك بالسعي لمحو كلّ الآثار الجسميّة والروحيّة التي حصلت في مملكة جسمه ونفسه جرّاء الذنوب، حتّى تعود النفس وتعود الفطرة الى روحانيّتها الأصيلة، وتحصل له الطهارة الكاملة.

لقد علمتَ أنّ لكل معصية ومتعة انعكاساً وأثراً في الروح، كما قد يحصل أثر من بعض الذنوب واللذائذ في الجسم، فلا بد للتائب من أن ينتفض ويستأصل تلك الآثار حتّى تزول منهما كل تبعات ومضاعفات الخطايا والآثام، كما أمرنا الإمام عليّ عليه الصلاة والسلام.

* طهارة النفس من الذنوب
ولا بدّ للسالك سبيل الآخرة وللتائب عن المعاصي أن يُذيق الروح ألم الرياضة الروحيّة ومشقّة العبادة. فإذا عاش يوماً واحداً من اللذائذ الطبيعيّة تداركه بالصوم والمستحبّات المناسبة حتّى تطهر النفس من كلّ آثار المعاصي وتبعاتها التي هي عبارة عن تعلّق حبّ الدنيا بالنفس ورسوخه فيها، وتتطهّر من كلّ ذلك.

نعم، تكون التوبة في هذه الصورة أكمل، ويعود النور إلى فطرة النفس، ويستمرّ في غضون اشتغاله بهذه الأمور التفكّر والتدبّر في نتائج المعاصي وشدّة بأس الحقّ المتعالي، ودقّة ميزان الأعمال وشدّة عذاب عالم البرزخ والقيامة. وليعلم وليلقّن النفس والقلب، بأنّ كل ذلك نتاج وصور هذه الأعمال القبيحة والمخالفة مع مالك الملوك. ونأمل بعد هذا العلم والتمعّن أن تنفر النفس عن المعاصي، وترتدع بشكل كامل ونهائيّ، وينتهي بالتوبة إلى النتيجة المطلوبة، وتتمّ توبته وتكمل. فهذان المقامان من المتمّمات والمكمّلات لمنزل التوبة.

إنّ كل مقدار يساعد عليه حال السالك في سلوكه لطريق الآخرة، يكون مطلوباً ومرغوباً فيه، وعندما تطأ قدماه الطريق ييسّر الله تعالى له الطريق.

* لا تُعرض عن التوبة

ومع ترك التوبة والتسويف والتأجيل قد يبلغ الإنسان الشقاء الأبديّ، والعذاب الخالد والهلاك الدائم. وعند الورود على مقام التوبة قد يتحوّل الإنسان إلى سعيد مطلق، ومحبوب للحقّ سبحانه. فإذا كان الهدف جليلاً على هذا المستوى، فلا بأس من المعاناة والآلام لأيام يسيرة.


(*) الأربعون حديثاً، الإمام الخميني قدس سره، تتمة الحديث 17.
1- نهج البلاغة، قصار الحكم (417).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع