مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

الشكر مفتاح القلوب


تحقيق: ريان سويدان


إنّ لفظ "الشكر" يُستمدّ من أسماء الله الحسنى جلّ جلاله فهو "الشَكور". من هنا نستلهم أنّ الشكر هو من صفات الله سبحانه وتعالى وأودعها في خلقه لكي يشكروه على نعمه. وحريّ بالإنسان المؤمن الذي يشكُر خالقه أن يستخلص قيمة إظهار الشكر لأخيه المؤمن من خلال شكره للخالق. هذا ما يجعلنا نطرح تساؤلات عديدة حيال ما نشهده اليوم في مجتمعنا من انتقاص لتلك القيمة الجليّة.

*أهميّة الشكر كقيمة اجتماعية
وعن أهميّة إظهار الشكر كقيمة اجتماعية كان لنا وقفة مع الباحثة التربويّة الأخت فاطمة نصر الله التي بيَّنت لنا أنّ "الشكر هو من القيم الأخلاقيّة المنبثقة عن القيم الدينيّة في أيّ مجتمع من المجتمعات، وهو بدايةً قيمةٌ تتحوَّل فيما بعد إلى تربية وسلوك يسلكه الإنسان من خلال التعاطي مع الآخرين نتيجة الاحتكاك اليوميّ بهم سواء كان مع الأشخاص المقرَّبين منه كأفراد عائلته أو الأشخاص الذين أقام معهم علاقات اجتماعيّة في مكان العمل أو مكان الدراسة. لذلك تعتبر قيمة الشكر من القيم الأخلاقيّة الأساسيّة التي يجب أن تظهر على الإنسان من الناحية التربويّة لأنه من خلالها يستطيع أن يتعاطى مع أخيه الإنسان بطريقة إيجابيّة تُثمر مواقف إيجابيّة".

وعن المواقف التي تملي علينا إظهار الشكر للآخرين تابعت نصر الله أنّه "في الكثير من المواقف الحياتيّة يقدّم لنا بعض الأشخاص خدمة معيّنة سواء كانت خدمة معنويّة أو خدمة ماديّة، يتوجّب هنا على الإنسان أن يبادر إلى الشكر لكي تعمّ المحبّة بين الأفراد، لأنّ هناك الكثير من النتائج الإيجابيّة التي تتوقّف على ممارسة الإنسان لقيمة الشكر في حياته العمليّة".

تعتبر زينب (45 عاماً، ربّة منزل) أنّ أهميّة الشكر تكمن في توطيد العلاقات الاجتماعيّة فضلاً عن الجانب الإنسانيّ فالإنسان بحاجة إلى أخيه الإنسان بالفطرة.

وترى هداية (23 عاماً، موظفة) أنّ الشكر هو واجب دينيّ لأنه "من لا يشكر المخلوق لا يشكر الخالق" وبعيداً عن المنطلق الدينيّ فهو أيضاً واجب أخلاقيّ.

*الشكر قيمة دينيّة
مدير الإشراف الدينيّ في جمعية التعليم الدينيّ الإسلاميّ الشيخ صلاح العسّ يعرّف الشكر بأنّه "من أشرف الأعمال وأفضلها، وهو عبارةٌ عن تقدير نعمة المنعم سواء أكان خالقاً أم مخلوقاً، وتظهر آثار هذا التقدير في القلب بصورة المحبّة، وعلى اللسان بصورة الثناء والمدح، وفي الأفعال باستعمال الجوارح في احترام المنعم".

وعن تربية الأولاد على ممارسة قيمة الشكر كقيمة دينيّة يبيّن لنا الشيخ صلاح العسّ ذلك من خلال تعريفهم بأركان الشكر الثلاثة:

1- ينبغي تعليمهم أنّ النعم كلّها جليّها وخفيّها هي من الله سبحانه وأنّه المنعم الحقيقيّ وأنّ المخلوقين كلّهم منقادون لحكمه ومسخّرون لأمره.

2- أن يشعروا بالسرور لهذه النعم، لأنّها هديةٌ دالّةٌ على عناية المنعم بهم، يقول الإمام عليٌ عليه السلام: "الشكر ترجمان النيّة"(1).

3- أن يعبّروا عن ذلك الشعور بالشكر للمنعم، لأنّه من آثار ذلك الشكر، زيادة النعمة ووفورها، يقول الله عزّ وجلّ: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ (إبراهيم: 7)، وعن الإمام الصادق عليه السلام: "من أُعطي الشكر أُعطي الزيادة"(2). وقد حثّت الشريعة على الشكر، يقول الإمام عليّ عليه السلام: "الشكر أعظم قدراً من المعروف، لأنّ الشكر يبقى والمعروف يفنى"(3).

*كيف نقوم بالشكر؟
وعن طريقة التعبير عن الشكر ترى أمّ البنين (23 عاماً، موظفة) أنّ طريقة الشكر تختلف بحسب الفعل الذي قام به الشخص الآخر، أحياناً يكون التعبير بالكلام الذي بدوره يكون بدرجات أيضاً. ويمكن أن يكون الشكر بتقديم هدية أو فعل مقابل يعبّر عن الامتنان. بينما يقدّم عليّ (29 عاماً، موظف) الشكر بنفس لحظة تأدية الخدمة له لفظيّاً ويعود ويشكره مرة أخرى بزيارة أو بهدية.

ومن هذا المنطلق تحدّثنا الباحثة التربوية فاطمة نصر الله عن كيفية إظهار الشكر، إذ تقول إنّ الإنسان يقوم بالشكر بعدّة أوجه:
أ- بالكلمة: وهي الطريقة المعتادة والبديهيّة، وتكون باستخدام الكلمات البسيطة والمحبّبة التي تظهر أهميّة الموقف الذي حصل، أي موقف الشكر.

ب- الفعل: يمكن توجيه الشكر من خلال القيام بالأفعال. وهذا، يمكن أن نراه بعدّة أشكال. قد يكون: بتقديم هدية أو بالقيام بزيارة معينة أو بتكريم معيّن.

كما وتكشف لنا نصر الله عن وجود حقيقة علميّة مفادها أنّ الإنسان إذا قام بمبادرة الشكر للآخرين يتعزّز لديه السلوك الإيجابيّ الخاصّ بالشكر أكثر، لأنّ المنطقة المسؤولة عن هذا السلوك في الدماغ، تنمو خلاياها وتشعّباتها كلما قام الفرد بالشكر وإظهار الامتنان، وعندما يتكرّر سلوكه تُعزّز المنطقة الدماغية بدورها السلوك فيتوطّد لديه أكثر.

*شُكر المنعِم شكر الله
على صعيد متّصل، يقول الشيخ صلاح العسّ إنّه علينا تدريب أبنائنا على ممارسة الشكر بالشكل السليم، لأنّ شكر المنعِم من المسؤوليات اللازمة على المنعَم عليه، فعلى كلّ شخصٍ أن يشكر المنعم على نعمه وإن كان المنعم إنساناً، إذ يقول الإمام الرضا عليه السلام: "من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله عزّ وجلّ"(4).

وعلينا أن نلفت نظرهم إلى أنّ شكر النّعم يكون باحترام المنعم والطاعة له، مثلاً، يكون العبد شكوراً إذا علم ارتباط الخلق بالحقّ، وعلم انبساط رحمة الحقّ عليه من أوّل ظهوره إلى ختامه، فما دامت حقيقة سريان ألوهيّة الحقّ لم تنتقش في قلب العبد بعد ولم يؤمن بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلا الله، ولا تزال غبرة الشرك والشكّ عالقةً في قلبه، لا يستطيع أن يؤدّي شكر الحقّ المتعالي بالشكل المطلوب.

*اختلاف مراتب الشكر
كما ويؤكّد الشيخ صلاح على ضرورة إدراك أبنائنا أنّ شكر المنعم، تختلف مستوياته ومراتبه بين فردٍ وآخر، وهناك عوامل تؤثّر في اختلاف المراتب، منها:

1- أنّ شكر المنعم تابع لمعرفته، فكلّما ازداد الإنسان معرفة بالمنعم ازدادت مرتبة شكره له، فمقدار المعرفة يؤثّر في مستوى الشكر ودرجته، وهنا ينبغي حثّ الأبناء على شكر الله تعالى والوالدين، يقول الإمام الرضا عليه السلام: "إنّ الله عزّ وجلّ... أمر بالشكر له وللوالدين، فمن لم يشكر والديه لم يشكر الله"(5).

2- الشكر هو الثناء على النعم، وهو تابعٌ لطبيعة النعمة، فالنعم الظاهريّة تختلف مرتبة شكرها عن النعم الباطنيّة، ومرتبة شكر النعم التي من نوع العلوم والمعارف تختلف عن مرتبة شكر النعم التي تعتبر فيضاً إلهيّاً متجليّاً للإنسان، وهكذا كلّما كانت النعم أعمق كلّما اختلفت طبيعة الشكر.

*لماذا يمتنعون عن الشكر؟
يعتبر مهدي (26 عاماً، مدرّس) أن امتناع البعض عن تقديم الشكر يكون عامله اجتماعيّاً تربويّاً بحيث يغيب عن تربية الطفل تقديم الشكر، وهناك أيضاً عوامل نفسيّة كحبّ الأنا. وترى تهاني (22 عاماً، طالبة) أنّ موانع تقديم الشكر هي عدم تقدير خدمات الآخرين والتقليل من أهميّتهم.

تلخّص لنا الباحثة فاطمة نصر الله أهمّ موانع تقديم الشكر في النقاط التالية:
1- افتقاد البيئة الأسريّة لممارسة قيمة الشكر اتّجاه الناس، بحيث يتعلّم الأولاد من خلال الوالدين عدم القيام بهذه القيمة على المستوى العمليّ وبالتالي ينضج الولد وهو لا يتمتّع بهذه القيمة في وجدانه وفكره، وتنعكس أيضاً على بقيّة أفراد المجتمع.

2- الدور الأخطر الذي تلعبه وسائل الإعلام من خلال ما تقدّمه من برامج للأطفال والناشئة وللكبار التي أضحت تغيّر القِيَم الإيجابية وتبدّلها إلى قِيم سلبيّة.

3- سوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعيّ، بحيث تصبح عاملاً مساعداً على تقليص القيم الأخلاقيّة في المجتمع.

*للنهوض بمجتمع يقدّر قيمة الشكر
تذكر لنا الباحثة التربوية فاطمة نصر الله أبرز الإجراءات والنصائح لتربية الأبناء على قيمة الشكر:

أولاً: نصائح للوالدين:
1- يتوجّب على الوالدين أن يقوما بترداد كلمات الشكر على مسمع الأولاد لكي يتعلّموا ويعتادوا على قيمة الشكر.
2- على الوالدين القيام بعملية الشكر اتّجاه الناس وأمام الآخرين حتى يستفيد الأبناء من هذه الطريقة في التعاطي مع الآخر.
3- اختيار البرامج المناسبة للأولاد من وسائل الإعلام، وحسن استخدام وسائل التواصل الاجتماعيّ لتعزّز لديهم قيمة الشكر أو أي قيم أخرى.

ثانياً: المؤسسات المدنية:
تتحمّل المدرسة المسؤولية الكبرى بعد الأسرة في تعزيز هذه القيمة التربوية العالية جداً، والتي يمكن أن تُمارَس من خلال وسائل المعلم والمنهج التعليميّ والنظام الإداريّ المعتمدَيْن داخل المدرسة. كما وتساعد المدرسة في ذلك: النوادي، والمؤسسات الأخرى المعنية بالعلاقة مع الناس كدُور العبادة من خلال الأنشطة الدينيّة والأنشطة الثقافيّة التي تقيمها.


1- عيون الحكم والمواعظ، الليثي الواسطي، ص47.
2- الوافي، الفيض الكاشاني، ج4، ص346.
3- ميزان الحكمة، الريشهري، ج2، ص1492.
4- عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق، ج2، ص27.
5- ميزان الحكمة، م.س، ج4، ص3674.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع