مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

العائلة الكبيرة .. إلى انقراض؟


تحقيق: فاطمة الجوهري غندورة


زيادة أعباء الحياة وكثرة المتطلّبات، اختلاف أساليب التربية، دخول المرأة ميدان العمل، انتشار البطالة، ازدياد رقعة الفقر والتضخّم السكانيّ. كلّ هذه العناوين طرحت فكرة ما يُسمّى "تحديد النسل" الذي هو عبارة عن نظام يتّبع بهدف منع أو تقليل النسل.

كان أوّل مؤيّدي نظرية تحديد النسل "مالتوس"، الذي اعتبر أنّ عدد السكان إلى تزايد في ظلّ ميل طبيعة الإنسان إلى التكاثر. ولو قارنّا هذا التكاثر بوسائل العيش، فإنّنا سنجد أنّ التكاثر يفوق وسائل العيش، مسبّباً مجاعةً في المستقبل. وقد كان لهذا الرأي معارضوه من علماء الاجتماع، الذين اعتبروا أنّ زيادة السكان تلبّي حاجتنا الدائمة للمهارة والذكاء، وبالتالي لتقدُّم الإنسان ورقيّه. وأمّا علماء الدين من المسلمين فنادوا بقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في زيادة التناسل: "حتّى أباهي بكم الأمم"(1).

بين أن يكون تحديد النسل حلّاً لصعوبات ومشاكل الحياة، أو مشكلة أمام إحراز التقدّم والتطوّر، سنعرض وجهة النظر الاجتماعيّة والنفسيّة والدينيّة... وقبل ذلك، ما هو رأي الناس الذين تقع عليهم أعباء ومسؤوليات ومصاريف العائلة الكبيرة؟

*كثرة الأولاد.. عُزوة
ترى "أمّ عماد" وهي أمٌّ لتسعة أولاد، أنّ الأولاد نعمةٌ من الله على الإنسان، وكثرتهم عُزوة، فهم سندٌ بعضهم لبعضٍ من جهة، وعونٌ للأهل من جهة أخرى، وتنصح كلّ امرأة بالإكثار من البنين، بحجَّة "لازم يا ابنتي نعمل حساب عزرائيل".
أمّا "أبو علي" وهو أب لسبعة أولاد، فيرى أنّ أعباء الحياة الكثيرة لا تمنعه من الإكثار من الأبناء. وفي النهاية كلّ ولد يأتي رزقه معه، ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا (هود: 6).

*قد تكون... أنانيّة
أمّا "مريم" وهي أمٌّ لطفلين فيصفها زوجها بأنها "أنانيّة"؛ كونها لا تحبّذ إنجاب أكثر من طفلين. فهي تحبّ الأطفال وتحبّ كثرتهم، لكنّ أمور تربيتهم دقيقة وتحتاج إلى العناية، كما إنّ راحة الأم الجسديّة والنفسيّة ضروريّة لاستقرار الأسرة.

يوافقها "عليّ" وهو أب لأربعة أولاد الذي يصف أسرته بالمثاليّة؛ كونه لديه ابنتان وولدان، ويقول: "لا بدَّ أن ينظّم الإنسان موضوع النسل بالمقارنة مع طاقته، وقدرته على تأمين الحاجات الماديّة، أو تلبية احتياجات أبنائه النفسيّة والعاطفيّة. وما أجمل أن يكون لكلّ واحد من الجنسين أخ رفيق له!".

*الوجهة الصحيحة
وفي لقائنا د. غسان طه أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية لبحث الموضوع من ناحية اجتماعيّة استهلّ حديثه مشيراً إلى أنّه "ليس هناك سلبيات وإيجابيات بالمطلق، فالنموّ السكانيّ يقاس بالمقارنة مع الظروف الاقتصاديّة، والثقافيّة، والدينيّة لكلّ دولة. ومن المعروف أنّه كلّما انخفض عدد السكان، كلّما زاد نصيب الفرد من الدخل، وبالتالي تزداد القوّة الشرائية".

وأضاف: "لا بدّ من أخذ المساحة بعين الاعتبار في تحديد انعكاس التزايد في الولادات، فالمساحات الكبيرة تمكّن السكان من البحث عن الموارد الطبيعيّة المتنوّعة واستغلالها".

اعتبر أنّ "تناقص السكّان سيؤدّي إلى نقص في الأيدي العاملة، والقضاء على روح الإبداع والمنافسة وعدم التطوير في قطاعات الإنتاج".

*البطالة
ولدى سؤالنا عن إمكانيّة اعتبار تحديد النسل حلّاً للبطالة أجاب د. طه: "إنّ تحديد النسل لا يحلّ مشكلة البطالة، فمعدّلات البطالة في الغرب (حيث انتهاج سياسة الحدّ من النسل) ما زالت موجودة، والبطالة ليست ناتجة عن زيادة عدد السكان، بقدر ما تنتج عن سوء توزيع الثروات في العالم، وتطبيق النُظُم الاقتصاديّة الفاسدة، التي تبيح الربح السريع والاحتكار والجشع.

ولتجاوز مشكلة الفقر والبطالة، وخصوصاً في البلدان النامية، لا بدَّ من تخطيط أوسع للإنتاج الزراعيّ، وتسريعٍ لعملية الإنماء للتمكّن من الاكتفاء الذاتيّ".

"إذاً، ليس هناك من عدد مثاليّ للأسرة، لأنّ العدد السكانيّ ينظر إليه قياساً إلى مساحة الأرض، والتطوّر في النظام الاقتصاديّ، فهما اللذان يحدّدان حجم الأسرة المثاليّة".

*عائلة طفل أو عائلة أطفال
ولمعرفة وجهة نظر علم النفس بيَّنت الأخصائيّة عزيزة عيسى في علم النفس التربويّ أنّ عدد الأبناء في الأسرة ينعكس سلباً وإيجاباً، فأسلوب تربية الأهل يختلف باختلاف عدد الأبناء، ما يؤثّر نفسيّاً على سلوك الأطفال ومستقبلهم، ومدى تكيّفهم في الحياة الاجتماعيّة.

"إنَّ وجود التنوّع يسمح للجنسين، الذكر والأنثى، في التعرّف إلى الخصائص الجسميَّة والنفسيَّة والاجتماعيَّة لكلّ منهما، وعلى الاختلافات فيما بينهما، وعلى قبولها وكيفية التعامل معها في المستقبل".

كما أكّدت عزيزة عيسى أنّ عدد الأبناء يؤثِّر سلباً وإيجاباً على الأهل، لناحية تأمين احتياجات أطفالهم الماديّة والعاطفيّة وإشباعها بشكل متوازن، وذلك يتطلّب جهداً خاصاً وكبيراً من قبل الوالدين.

الأسرة الكبيرة من حيث عدد الأبناء، تجعل أعباء الحياة ومتطلباتها كلّاً من الأمّ والأب في حالة إرهاق وضغط، بسبب الجهد والعمل الزائد، بعكس الأسرة المؤلَّفة من ولد أو ولدين أو ثلاثة. فالوالدان لا يعيشان أزمة الضغط النفسيّ، والأم تكون في حالة راحة نفسية أكثر، بسبب قدرتها على تلبية حاجات أطفالها ومتابعتهم، بأدقِّ التفاصيل. كذلك الأب، يكون قادراً على ممارسة دوره؛ فينشأ الطفل في جوٍّ خالٍ من التشنّجات والتوتّرات والخلافات، مُشبَعاً ماديّاً وعاطفيّاً ومُستقِرّاً نفسيّاً.

* بين التنظيم والتحديد
وكان لا بدّ من معرفة رأي الدين للإضاءة بشكل موضوعيّ على رأي الشريعة الإسلامية في مسألة تحديد النسل. فكان لقاؤنا مع الشيخ إسماعيل حريري الذي أكّد أنّ هنالك تداخلاً في كلّ مِن معنى تحديد النسل ومعنى تنظيمه، فتنظيم النسل لا يعني إلغاءه بل هو الإنجاب المدروس الذي يراعي ما حثّت عليه الشريعة الإسلاميّة من مواصفات ولاحظته وجوداً أو عدماً بدءاً من اختيار الزوجة والزوج وما يرتبط بهما من صفات خَلْقِيّة وخُلقيّة.

أمّا تحديد النسل فقد يدخل في التنظيم إذا كان مؤقّتاً كمنع الحمل المؤقّت من خلال تناول حبوب منع الحمل.

أمّا إذا كان إلغاءً للحمل وقطعاً للنسل بشكل دائم فهو أمر غير محمود في الشريعة الإسلامية وأكثر من ذلك فهو مذموم في حالات معيّنة يصل فيها إلى حدّ الحرمة الشرعيّة.

لذلك فإنّنا نجد أنّ التنظيم أمر مطلوب ومرغوب بينما التحديد الذي هو قطع الإنجاب مطلقاً أو لمدّة محدودة، ما لم يكن بغرض التنظيم هو حرام شرعاً وأمر غير مرغوب فيه.

*الأصل في الإكثار
وبيَّن الشيخ حريري أنّه لا مانع شرعاً -بمعنى أنّه ليس محرّماً- من تحديد النسل بمعنى تقليله فيما إذا كان في كثرة العيال عُسر في المعيشة فيكون يساره وصلاح دينه في القلة، أو إذا كان في كثرة الإنجاب ضرر من مرض وغيره على شخص الأمّ أو الحمل. وقد تكون الأسباب العقلانية والشرعية تفرض أو ترجح عدم الإكثار... وإن كان الأصل هو محبوبيّة الإكثار ورجحانه شرعاً.

*فوائد ومضارّ
أمّا عن فوائد ومضارّ تحديد النسل فقد ذكر سماحته أنّ المسألة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فقد يكون هنالك حاجة إلى الإكثار فيكون تحديد النسل بمعنى تقليله فضلاً عن قطع النسل ممنوعاً.
وقد تكون هنالك ضرورة لإيقافه ولو لفترة محدودة كما في حالات الابتلاء بأمراض عامّة تنتقل عبر الإنجاب وبالوراثة.

وفي كلتا الحالتين، يُصدر الحاكم قراراً في أيّ منهما ويكون نافذاً، إذا كان الحاكم ممّن له أهليّة إصدار هكذا قرارات.

*مشروعة أو غير مشروعة
وتحدّث سماحته موضحاً أنّه فيما لو أجيز تنظيم النسل لا بدّ من سلوك واستخدام الوسائل المشروعة التي لا يترتّب عليها ضرر نفسيّ أو جسديّ. وقد ذُكرت في الفقه الإسلاميّ وسائل مشروعة، كوسيلة العَزل بين الرجل وزوجته أو تناول حبوب منع الحمل، فيما نهى عن استخدام وسائل غير مشروعة كإسقاط الحمل بعد تحقّقه.

وختم سماحته مشيراً أنّه لا بدّ أن تخضع مسألة تحديد أو تنظيم النسل لدراسة شرعيّة واجتماعيّة عميقة قوامها توجيهات مناسبة واضحة حتّى لا يقع الناس في اجتهادات خاطئة تكون إمّا مخالفة للشرع الإسلامي أو تحمل في طيّاتها آثاراً اجتماعيّة سلبيّة تضرّ بحالة المجتمع وتكوينه.

على أنه لا ينبغي أن نغفل أهميّة الإنجاب في الشريعة الإسلامية وما ورد من حثّ أكيد وتشجيع شديد عليه فلا يغالي البعض برفض ذلك.


1- المبسوط، الشيخ الطوسي، ج4، ص152.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع