نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

قراءة في كتاب: عقوبة الطفل في التربية الإسلاميّة


حوراء حمدان


في وصيّته للإمام الحسن عليه السلام، يُعبّر الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام عن مرحلةٍ من مراحل الطّفولة بقوله: "إنّما قلب الحَدَث كالأرض الخالية ما أُلقي فيها من شيء قبلَته، فبادرتُك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشْتغل لُبّك". يختزن هذا البيان العلويّ العديد من المضامين، منها الاستعداد الكامن في قلب الطفل "الحَدَث" لتقبّل أي غُرسٍ تربويّة "أخلاقيّة كانت أمْ لم تكن". وفي هذا الاستعداد القلبيّ تنبيه لأيّ مُربٍّ وتأكيد على أرجحيّة الأدب تربويّاً، حيث تبرز التحديات في انتقاء الأسلوب الذي يُحقّق الوصول الآمن للهدف.

*ما ينفع المؤدَّب
وإذ "لا أدب مع غضب"(1) كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّه من المهم أن نتساءل إنْ كان أسلوب العقوبة البدنيّة ممّا ينفع المؤَدّب ويحقّق المراد من التأديب، وإن كان يحوز على "مشروعيّة دينيّة" ناهيك عن نجاعة استخدامه تربويّاً. يجيب الشيخ سامر عجمي عن هذه التساؤلات وغيرها في مؤلَّف بعنوان "عقوبة الطفل في التربية الإسلامية" الذي أصدره مركز الأبحاث والدراسات التربويّة.

يستعرض الكاتب على مدار سبعة فصول، بعد الافتتاحيّة التسويغيّة، الرؤية الكونيّة الإسلاميّة، ويرسم الخطوط العامّة للمنهج التربويّ الإسلاميّ موضّحاً خلاله الموقف الشرعيّ والتربويّ من مسألة العقوبة؛ عاطفاً على أبرز النظريّات التربويّة المعاصرة. وفيما يلي لمحة عامّة، عمّا اختزنه الكتاب في طيّاته من أفكار وعناوين.

*التّوحيد الحاكم

إنّ الهدف التربويّ الأبرز يستهدف بناء الإنسان وإعداده. هذا الإعداد لا يتمّ من دون معرفة الأساس النظري والرؤية الفلسفيّة التي تجيب عن الأسئلة الوجوديّة. ويتقوّم التشريع الإسلاميّ من خلال رؤية كونيّة توحيديّة، فالله هو الخالق والمالك والوليّ الذي تسري إرادته التكوينيّة في الأشياء جميعها كما تسري تماماً إرادته التشريعيّة. وبما أنّ الله هو المالك والوليّ فهو تعالى يملك حقّ العقاب بما يستوجبه حقّ الطاعة.

*"مدرحيّة" الإنسان وقصوره
المدرحيّة تعني أنّ الإنسان في خلقته مكون من نشأتين، المادّة ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (ص:71) والروح ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي (الحجر:29). ويتحرّك بين قوّتين: قوّة الدفع أي القوّة الغضبيّة، وقوّة الجذب أي القوّة الشهويّة. من هنا، كان لا بدّ من التشريع بما يتضمّن ذلك نظام الجزاء والعناصر الأخلاقيّة.

إنّ التّشريع بالنظرة الإسلاميّة منحصر بالله عزّ وجلّ لعلمه وغناه، كما ذكرنا؛ ذلك أنّ أيّ إفراط أو تفريط أو ميل لقوّة دون أخرى قد يودي بالشخصيّة الإنسانيّة. وكان التحديد الإسلاميّ للسلوك الإنسانيّ تحديداً ذاتيّاً، نابعاً من القوّة الداخليّة الإنسانيّة، وتحديداً موضوعيّاً، متمثّلاً بالتشريعات الفقهيّة والقوانين الجزائيّة.

*مراحل الطفولة ومفهومها
اختلف الباحثون التربويّون والنفسيّون في تحديد بداية الطّفولة. ويشير الكاتب إلى جملة من الآراء حولها. كما يذكر الرؤية الحقوقيّة العالميّة التي تنصّ على نهاية مرحلة الطفولة في سن الثامنة عشر. كما يُفصّل في الرؤية الإسلاميّة معتمداً على الروايات الشريفة التي تذكر علامات البلوغ وسنّه الشرعيّة. كما تُقسّم الطفولة إلى مراحل أهمّها المرحلة الرضاعيّة ومرحلة التمييز وما قبلها.

*مفهوم التربية والرؤية الإسلاميّة
إنّ المعنى المراد من التربية في اللّغة العربيّة يتضمّن مطلق أنواع التنمية والتنشئة والرعاية لكافة أبعاد الشخصيّة الإنسانيّة. وهي تتضمّن حسن قيام التنشئة والإصلاح على سبيل التدريج ليصل الشيء من حدّ النقص إلى الكمال اللّائق به.

أمّا إسلاميّاً، فيعتبر الكاتب أنّ عدم تحديد مدلول التربية في القرآن والأحاديث جعل الفهم العرفيّ للمسألة هو المرجعيّة. ويقصد الكاتب بالتربية "تنمية الطفل وتهيئته.. في جميع جوانب شخصيّته على المعارف الحقّة والقيم الأخلاقيّة... والسلوكيّات الحسنة باستعمال الثواب والعقاب"(1).

تُبيّن الرؤية الإسلاميّة إمكانيّة التربية بزرع القيم وتعديل السلوك من خلال الإرادة الأخلاقيّة، كما تُبيّن إمكانيّة التغيير الذي يحصل من خلالها. وليس الهدف الإسلاميّ استئصال القوى النفسيّة وإنّما تهذيبها وتعديلها من خلال التوازن في إشباع الحاجات المدرحيّة.

يولد الطّفل على الفطرة الخيّرة، ويختزن في ذاته القابليّة النفسيّة للخير وللشر على السواء. لذا، فإنّ الرؤية الإسلاميّة ترفض النظرة المتشائمة للطفل "إنّه شرّير بطبعه"، كما تذهب بعض الرؤى الفلسفيّة والدينيّة.

*أسلوب العقاب تربويّاً
العقاب، تربويّاً ونفسيّاً، هو استخدام إجرائيّ منفّر يهدف إلى تقليل حدوث السلوك غير المرغوب مستقبلاً. والعقاب البدنيّ هو أحد هذه الإجراءات حيث تُستخدم فيها القوّة الجسديّة التي قد تصل إلى مرحلة عنفيّة.

تعدّدت الآراء حول العقاب البدنيّ بين مؤيّد ومعارض، فمن ضرورته التربوية لضبط السلوك إلى اعتباره أسلوباً مهيناً لا يحترم كرامة الطفل. إلّا أنّ محددات السلوك تخضع للبيئة الثقافيّة والاجتماعيّة. وعليه يكون استخدام هذا الأسلوب مرتبطاً بسياسة المُربّي. ويدلف الكاتب إلى عدد من التوصيات لعلماء تربويّين قبل الشروع بأسلوب العقاب من البحث عن أسباب السلوك غير المرغوب إلى تحديد لائحة بها.

*العقوبة البدنيّة في الرّؤية الإسلاميّة
مفهوم العقاب إسلاميّاً ليس فعلاً ابتدائيّاً، بل يتولّد بعد الفعل السّيئ الذي يستحقّ المجازاة، وإلّا فمع عدم الاستحقاق فإنّ العقاب يصبح ظلماً. ويُميّز الكاتب بين مفهوم العقاب والعنف، وبينه وبين التعزير الموكول إلى الحاكم الشرعيّ.

إنّ مبدأ الثّواب والعقاب منسجم مع الطبيعة البشريّة، حيث يجذبها الطمع بالثواب ويدفعها الخوف من العقاب، وهذا ما تنصّ عليه الشريعة. فالله جلّ وعلا استخدم أسلوب الترهيب والوعيد في خطّ علاقته مع الإنسان، لما في ذلك من قوّة تربويّة رادعة. وهو أسلوب موجّه إلى البالغ العاقل القاصد كما يشير الكاتب. وعليه، فمن غير الجائز استخدامه مع الأطفال.

يجيز الإسلام التأديب بالضرب للطفل المميّز (سبع سنوات إلى حين البلوغ) دون أذيّة إلّا أنّه ليس واجباً، بل مع وجود أسلوب ناجع آخر لا يُجيز ذلك. هذا بالإضافة إلى حصريّة استخدامه بوليّ الطفل المميّز الشرعيّ أو المأذون منه، وذلك بعد الإلمام بحالة الطفل والإتيان بالبيّنة على استحقاقه التأديب.

*أهمية الكتاب التربويّة
إنّ البعد التربويّ الذي يحمله الكتاب بين طيّاته يجعله جديراً بالاهتمام، فمن بداية الدّراسة استخدم الكاتب أسلوباً منهجيّاً واضحاً للوصول إلى النتيجة المرجوّة. فبدأ أولاً بتسويغ بحثه مبيّناً أهميّة النظر في مسألة العقاب كوسيلة تربويّة وقضيّة العقوبة البدنيّة للأطفال، خاصّة، نظراً للجدل الواسع الذي تحوزه هذه القضيّة.

من حيث المنهج، استند الكاتب إلى الأساس النظريّ الإسلاميّ والرؤية الكونيّة الإلهيّة كقاعدة تحتيّة ومدخل ضروريّ يبرّران البناء العام. ووضّح المفاهيم المتعلّقة بالدراسة ثم قدّم عرضاً لأبرز النظريّات التربويّة المعاصرة.

على أنّ المشكلة التي تبرز تالياً هي التساؤل: إنْ كان الدين الإسلاميّ يُحرّم العنف ضدّ الأطفال ويضع الكثير من الضوابط الحاكمة على الأساليب التأديبيّة التربويّة، فما هو السبب وراء استخدامه بشكل واسع؟ لذا، كان من الممكن إجراء استطلاعات رأي للوقوف عند المشكلة ومحاولة حلّها اجتماعيّاً.

ومن الجدير بالذّكر، أنّ القانون اللبنانيّ الذي انتقده الكاتب في ختام دراسته تمَّ تعديله مؤخّراً، حيث أجاز مسألة التأديب اللاعنفيّ للأهل دون الأساتذة.


1- عيون الحكم والمواعظ، علي الليثي الواسطي، ص531.
2- عقوبة الطفل في التربية الإسلامية، سامر عجمي، ص114.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع