مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

في رحاب بقية الله: المدّخر لنصرة الدين

الشيخ نعيم قاسم

اختبرَنَا الله تعالى في هذه الدنيا مخيِّراً إيَّانا بين الحق والباطل، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ (الكهف: 29)، وبيَّن لنا محاسن وخيرات طريق الإيمان، ومساوئ وخسائر طريق الباطل، وأنَّ ما نختاره في الدنيا ينعكس بتمامه على الآخرة، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشر، ولا يُفلح إلّا من اختار طريق الحق واتَّبعه.

يركِّز القسم الثالث من زيارة الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف على حُسن اتِّباع الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف، بما هو حقٌّ يؤدي إلى نُصرة الدين وهزيمة الظالمين: "أَشْهَدُ أَنَّكَ الحَقُّ الثَّابِتُ الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، وَأَنَّ وَعْدَ الله فِيكَ حَقٌّ، لا ارْتِيابَ لِطُولِ الغَيْبَةِ وَبُعْدِ الأَمَدِ، وَلا أَتَحَيَّرُ مَعَ مَنْ جَهِلَكَ وَجَهِلَ بِكَ، مُنْتَظِرٌ مُتَوَقِّعٌ لأيّامِكَ. وَأَنْتَ الشَّافِعُ الَّذِي لا تُنازَعُ، وَالوَلِيُّ الَّذِي لا تُدافَعُ، ذَخَرَكَ الله لِنُصْرَةِ الدِّينِ، وَإِعْزازِ المُؤْمِنِينَ، وَالانْتِقامِ مِنَ الجاحِدِينَ المارِقِينَ".

* أشهد أنك الحقّ الثابت
علَّمنا الإسلام أن نتَّبع الحقَّ مقياساً وهادياً، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ (الكهف: 29)، وهذا ما يستدعي منَّا أن نعرف الحق لنعرف أهله، وأن نتلمَّس خطوات الطريق في حياتنا للاهتداء بمعالم هذا الحق. ومن المقطوع به أنَّ كتاب الله تعالى هو الحق على مستوى النظرية والقواعد والتوجيهات: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ الْعَالَمِينَ (السجدة: 2). والنبي صلى الله عليه وآله وسلّم وآله عليهم السلام هم الحق على المستوى العملي والتطبيقي، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (الحشر: 7). وقد أَتَى رَجُلٌ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقَالَ لَه: "مَا أَدْنَى مَا يَكُونُ بِه الْعَبْدُ مُؤْمِناً؟... فأجاب: أَمَّا أَدْنَى مَا يَكُونُ بِه الْعَبْدُ مُؤْمِناً أَنْ يُعَرِّفَه الله تَبَارَكَ وتَعَالَى نَفْسَه، فَيُقِرَّ لَه بِالطَّاعَةِ، ويُعَرِّفَه نَبِيَّه صلى الله عليه وآله وسلّم فَيُقِرَّ لَه بِالطَّاعَةِ، ويُعَرِّفَه إِمَامَه وحُجَّتَه فِي أَرْضِه وشَاهِدَه عَلَى خَلْقِه فَيُقِرَّ لَه بِالطَّاعَةِ.
ثم قَالَ: الَّذِينَ قَرَنَهُمُ الله عَزَّ وجَلَّ بِنَفْسِه ونَبِيِّه، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُم (النساء: 59).
قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جَعَلَنِيَ الله فِدَاكَ أَوْضِحْ لِي.
فَقَالَ عليه السلام: الَّذِينَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلّم فِي آخِرِ خُطْبَتِه يَوْمَ قَبَضَه الله عَزَّ وجَلَّ إِلَيْه: إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ الله، وعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ كَهَاتَيْنِ وجَمَعَ بَيْنَ مُسَبِّحَتَيْه، ولَا أَقُولُ كَهَاتَيْنِ وجَمَعَ بَيْنَ الْمُسَبِّحَةِ والْوُسْطَى، فَتَسْبِقَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَا تَزِلُّوا ولَا تَضِلُّوا، ولَا تَقَدَّمُوهُمْ فَتَضِلُّوا"(1).

فإذا ما أردنا اتِّباع الحق، علينا أن نهتدي بالكتاب الكريم والنبي والعترة الطاهرة، وآخر العترة بقية الله تعالى في الأرضين الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. وهذا ما تُعبِّر عنه زيارة الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف: "أَشْهَدُ أَنَّكَ الحَقُّ الثَّابِتُ الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ".

* لا تخلو الأرض من حجّة

سُئل الإمام العسكري عليه السلام عن الخبر المروي عن آبائه عليهم السلام: "إنَّ الأرض لا تخلو من حجةٍ لله على خلقه إلى يوم القيامة، وإنَّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
فقال عليه السلام: إنَّ هذا حقٌّ كما النهار حقٌّ.
فقيل له: يا بن رسول الله فمن الحجة والإمام بعدك؟
فقال عليه السلام: ابني محمد، هو الإمام والحجة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية. أما أنَّ له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقَّاتون"(2).

"وَأَنَّ وَعْدَ الله فِيكَ حَقٌّ، لا ارْتِيابَ لِطُولِ الغَيْبَةِ وَبُعْدِ الأمَدِ، وَلا أَتَحَيَّرُ مَعَ مَنْ جَهِلَكَ وَجَهِلَ بِكَ". إنَّها إرادة الله تعالى أن تكون له غيبةٌ طويلة، وحيرةٌ يُختبر فيها الناس، وهي غيبةٌ مؤكدة يتبعها الظهور الحتمي لمولانا الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف كما أكّدت الروايات، ومنها عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: "المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، تكون له غيبة وحيرة، يضلّ فيها أقوام، ويهتدي فيها آخرون"(3).

فلا حيرة لدى المؤمنين، ولا يخفى أهمية الإيمان ببزوغ فجر العدالة الممتدة على مستوى المعمورة على يد قائم آل محمد عجل الله تعالى فرجه الشريف، وانعكاس هذا اليقين على سلوك وخيارات الإنسان في هذه الحياة الدنيا.

* انتظار الفرج
الانتظار هو سمة فترة الغيبة الكبرى، وهو الأمل بسيادة الفضائل وتعميم العدل واستخلاف المؤمنين وانتصار الحق. الانتظار هو حركة الأمّة لتهيئة الظروف الملائمة لظهور المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، ما يتطلَّب أن يكون المنتظرون جديّين وفاعلين بانتظار إمامهم، لذا جاء في الزيارة: "مُنْتَظِرٌ مُتَوَقِّعٌ لأيّامِكَ"، وفيها يقين بالظهور.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "سلوا الله من فضله، فإنَّ الله عزَّ وجل يُحبُّ أن يُسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج"(4).
وفي سؤال لأمير المؤمنين عليه السلام: "فأيّ الأعمال أحبُّ إلى اللّه عزَّ وجل؟ أجاب: انتظار الفرج"(5).

* الذخيرة الإلهية
"وَأَنْتَ الشَّافِعُ الَّذِي لا تُنازَعُ، وَالوَلِيُّ الَّذِي لا تُدافَعُ".

لا تقتصر الولاية على آثارها الدنيويّة بالنصر والتوفيق، بل تمتد إلى الآخرة بشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وآل البيت عليهم السلام للمؤمنين، وعندما يتصدّر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف القيادة للأمة، فإنَّ صلاحياته في الشفاعة لهم تمكّنه من أن يشفع عند الله تعالى للمنتظرين والمجنّدين تحت لوائه، ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (طه: 109)، وهي مكرمةٌ لا يُنازع فيها، إذ إنَّه الولي المعصوم الذي لا يضاهيه أحدٌ في زمانه، وهو المتقدِّم على الجميع في ما منحه الله تعالى إياه كخاتمٍ للأوصياء، فهنيئاً لمن التحق به، وتعلَّق بإمرته، وسلَّم في كل شؤونه لأوامره ونواهيه.

الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الذخيرة الإلهية لنصرة دينه في آخر الزمان: "ذَخَرَكَ الله لِنُصْرَةِ الدِّينِ، وَإِعْزازِ المُؤْمِنِينَ، وَالاِنْتِقامِ مِنْ الجاحِدِينَ المارِقِينَ"، تتلازم قيادته مع نصر المؤمنين وعزَّتهم، وهزيمة الكافرين وذلَّتهم. عن الإمام الجواد عليه السلام: "ما منَّا إلّا وهو قائم بأمر الله عزَّ وجل، وهادٍ إلى دين الله، ولكنَّ القائم الذي يُطهر الله عزَّ وجل به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملأها عدلاً وقسطاً، هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سميُّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وكنيّه، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذلّ له كل صعب، ويجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر: ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أقاصي الأرض، وذلك قول الله عزَّ وجل:" ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص، أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد، وهو عشرة آلاف رجل، خرج بإذن الله عزَّ وجل، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عزَّ وجل"(6).

اتِّباع الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف مضمون النتائج في الدنيا والآخرة، وهو خيار الهدى بالانتظار أثناء الغيبة، والانقياد عند الظهور، وفي الحالتين هو اتِّباعٌ يُسعد المؤمنين في الدنيا والآخرة.


1.الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص414.
2.كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص409.
3.الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص338.
4.سنن الترمذي، الترمذي، ج 5، ص225.
5.معاني الأخبار، الشيخ الصدّوق، ص199.
6.كمال الدين وتمام النعمة، م.س، ص378.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع