مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

الغيرة: حجر أساس أم معول هدم؟

الشيخ محمد حسن زراقط


"فلانٌ رجلٌ ليس عنده غيرة. لقد دفعته الغيرة إلى طلاق زوجته، أو دفعتها الغيرة إلى طلب الطلاق". "مشكلة ابني الأكبر أنّه يغار من أخيه الصغير".

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:
"إنّ الله تبارك وتعالى غيور يحبّ كلّ غيور ولغيرته حرّم الفواحش ظاهرها وباطنها"(1). يكشف التأمّل في هذه العبارات عن تنوّع المعنى الذي تدلّ عليه كلمة غيرة، فهي من الكلمات التي تبدو واضحةً، لكثرة ما تُستعمل في المحاورات والأحاديث اليوميّة بين الناس.


*تنوّع مفهوم الغيرة
وهذا التنوّع في المعنى يتراوح بين السلب والإيجاب. بين الرذيلة، التي تستوجب العلاج، والفضيلة، التي تستدعي الثناء والمدح. ويتمدّد التنوّع في مفهوم الغيرة إلى تنوّعها بحسب ما يغار عليه الإنسان، كغيرته على من يحبّ أمّاً كان أو أباً (في حالة الأطفال مثلاً)، زوجاً أو زوجة، أو أرضاً ودياراً (في حالة الوطن). ولكلّ واحدٍ من هذه التنوّعات حُكمٌ وتفصيل، قد يختلف عن الآخر. ويبدو من الصعب الدخول في هذه التفاصيل جميعاً. ولأجل هذا، سوف يدور الكلام في هذه المقالة عن الغيرة كمفهوم عامٍّ بغضّ النظر عن الأشياء والأمور التي تتعلّق بها.

*تعريف الغيرة
يعرّف الشيخ النراقي الغيرة بأنّها: "السعي في محافظة ما يلزم محافظته، و[هي] من نتائج الشجاعة وكبر النفس وقوّتها. وهي من شرائف المَلَكات، وبها تتحقّق الرجولية... والفاقد لها غير معدود من الرجال". قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: "إنّ سعداً لغيور، وأنا أغيَر من سعد، والله أغير منّي"(2).

وليست الغيرة بهذا المعنى صفة قبيحة؛ بل وكما يبدو من تعريفها هي فضيلة، على الإنسان أن يسعى للتحلّي بها. وإذا تجاوزنا الجانب الأخلاقيّ، نجد أنّ الغيرة صفة طبيعيّة يتّصف بها الإنسان، بل بعض الحيوانات، دون تعلّم، ما يكشف عن أنّها خصلة تكاد تقرب من الفطرة المودعة في النفس الإنسانيّة. فهذا الطفل الصغير، مثلاً، يعبّر عن اعتراضه أو انزعاجه في سنٍّ مبكّرة عند أيّ تواصل بين أمّه وبين طفل يشعر بأنّه قد ينافسه. وعلى هذا المثال يُقاس سائر الأمثلة.

*الأحاديث في "الغيرة"
وممّا يكشف عن حسن الاتّصاف بهذه الصفة مجموعة من الأخبار والأحاديث نعرض لها فيما يأتي:
1- عن عبد الله بن أبي يعفور قال: "سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا لم يغِر الرجل فهو منكوس القلب"(3).
2- عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: "كان إبراهيم عليه السلام غيوراً وأنا أغيَر منه. وجدع الله أنف من لا يغار من المؤمنين والمسلمين"(4).
3- وفي خبر عن الإمام عليّ عليه السلام يُعاتب فيه معاصريه على سماحهم لنسائهم بالخروج إلى الأسواق، ومزاحمة الرجال فيها(5).
4- وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام يقول: "ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ"(6). وذكر منهم الشخص الذي لا يغار.

*من متفرعات الشجاعة
وممّا يكشف عن أهميّة الغيرة بهذا المعنى ارتباطها بكثير من الفضائل. ويكفي أن نعرف أنّ علماء الأخلاق يعدّون الغيرة من متفرّعات فضيلة الشجاعة، كما تقدّم نقلاً عن الشيخ النراقي. ولا يبدو أنّ أحداً يناقش في حسن الشجاعة أو في كونها فضيلةً. ثمّ إنّ الغيرة لها آثار ونتائج إيجابيّة على الحياة الإنسانيّة كلّها، وهي سبب من أسباب العلاقات الإنسانيّة، وخاصّة بين الزوجين. وهي من الدوافع التي تدعو الأب إلى ضبط سلوك أبنائه وتربيتهم، وهي من الدوافع التي تدعو الإنسان إلى الدفاع عن ماله ووطنه. فقد ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: "من قُتِل دون ماله فهو بمنزلة شهيد"(7). وإذا كانت الغيرة على المال ترفع الإنسان إلى منزلة الشهادة، فما بالك بالغيرة على العرض أو القيم الدينيّة أو غيرها من الأمور التي دعا الإسلام إلى الحفاظ عليها؟

*أين المشكلة؟
يكشف ما تقدّم أنّ الغيرة صفة حسنة. والسؤال هو: متى تتحوّل الغيرة إلى صفة رذيلة يجب تجنّبها والتخلّص منها؟

في الجواب عن هذا السؤال، لا بأس من الإشارة إلى مبدأ أخلاقيٍّ يُنسب تأسيسه إلى أرسطو، الفيلسوف اليونانيّ، وهو ما يُمكن تسميته بقاعدة "الوسطيّة في الأخلاق". وذلك أنّ الفضيلة هي الحدّ الوسط بين الإفراط والتفريط. مثلًا، من الطبيعيّ أن يحفظ الإنسان ماله، ولكن إذا أفرط في حفظ ماله سقط في رذيلة البخل، وإذا فرّط سقط في رذيلة الإسراف، والفضيلة في المال هي الكرم والاقتصاد.

وبطريقة أخرى: الشجاعة فضيلة، ولكن إذا أفرط الإنسان في شجاعته انقلبت إلى تهوّر، وإذا فرّط سقط في الجبن. وبالعودة إلى ما نحن فيه يمكن القول وفق هذه القاعدة: "الغيرة صفة طبيعيّة وضروريّة، ولكنّها ككثير من الفضائل تنقلب مشكلة إذا تجاوز الإنسان فيها الحدّ"، وعندها تنطبق عليها القاعدة المعروفة: "الشيء إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه". إذاً المشكلة ليست في أصل وجود الغيرة، بل في المبالغة فيها وتجاوز الحدّ المعقول في التفاعل معها.

*الغيرة المَرَضيّة
من فوائد الغيرة، كما تقدّم، أنّها عاطفة تدفع الإنسان إلى حماية حدوده المعنويّة. وهي تختلف باختلاف الأمور التي يغار الإنسان عليها. ورغبة في التحديد، سوف نقصر الكلام على الغيرة بين الزوجين. وبناء على ما تقدّم من الطبيعي أن يغار أحد الزوجين على زوجه ويسعى للحفاظ عليه. ولكن يجب على الإنسان أن يضع حدّاً لهذه العاطفة فلا يتركها تتفاعل إلى أن تتضخّم فتتحوّل إلى مرض يعبّرون عنه أحياناً بـ"الغيرة المرضية". ومن المؤشّرات التي تكشف عن قبح الغيرة عندما تتجاوز الحدّ المقبول مجموعة من الأمور، نختم بها مقالتنا هذه.

*المبالغة في الغيرة في الأحاديث
1- عن الإمام عليٍّ عليه السلام في وصيّته لابنه الإمام الحسن عليه السلام أنّه قال: "وإيّاك والتغاير في غير موضع غيرة، فإنّ ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم والبريئة إلى الريب"(8).

2- وقد ورد في آداب السفر كراهة أن يدخل المسافر على أهله ليلاً إلّا أن يخبرهم مسبقاً. ويستند الفقهاء في هذا الحكم إلى رواية عن الإمام الصادق عليه السلام يقول فيها: "يكره للرجل إذا قدم من سفره أن يطرق أهله ليلاً حتّى يصبح"(9). وقد ورد في تبرير هذا الأدب الإسلامي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم؛ أنّه يكاد يشبه الإغارة عليهم وفيه شيء من التخوين لهم.

3- وعن الإمام عليٍّ عليه السلام: "لا تكثر الغيرة على أهلك، فترمى بالسوء من أجلك"(10).

4- وفي الحديث النبويّ: "من الغيرة ما يحبّ الله ومنها ما يبغض الله. وأمّا التي يحبّها الله فالغيرة في الريبة، وأما التي يبغضها الله فالغيرة في غير الريبة"(11).

*الغيرة وخلفيّاتها النفسية والأخلاقيّة
بناء على الأحاديث المتقدّمة، نستفيد أنّ المبالغة في الغيرة خصلة قبيحة، ويمكن اكتشاف قبحها بالاستناد إلى ما تقدم وبشيءٍ من التحليل، نعرضه في الآتي:
- سوء الظنٍّ: تكشف الغيرة المتطرّفة عن سوء ظنٍّ بين الزوجين. ونحن مدعوّون في القرآن الكريم إلى الحذر من سوء الظنّ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (الحجرات: 12). وقد وردت في عدد من الأحاديث الدعوة إلى حسن الظنّ بالمؤمن، وحمل فعله على أحسنه، ومن ذلك: "احمل فعل أخيك على أحسنه ما دمت تجد له في الخير محملاً". ومن المفاهيم المرتبطة بهذا الأسلوب من التعامل بين المؤمنين ما يُعرف عند الفقهاء بـ"أصالة الصحّة في فعل المسلم".

- التمهيد لمحرّمات:
تَضَخُّم الغيرة يوقع المسلم في محرّمات هو مدعوٌّ إلى تجنّبها والبعد عنها. فقد حرّم الإسلام التجسّس وتتبّع عثرات الآخرين. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا (الحجرات: 12). ومن الواضح أنّ تفاعل الغيرة في نفس الإنسان رجلًا كان أم امرأة يدعوه إلى التحرّي عن الأسباب بطريقة قد توصله إلى ارتكاب معصية التجسّس التي نهى عنها الله تعالى. ومن الملفت أنّ بعض الفقهاء المعاصرين يفتي بعدم جواز التجسّس على هواتف الأبناء.

- التلقين السلبيّ:
يمكن نقل القيم السلوكيّة أو تحريض إنسان على فعل شيء بطريقتين، إحداهما تلقينه القيام بفعل أو تلقينه فكرة كقيمة حسنة أو سلبيّة، وفي بعض الحالات، يمكن تلقين مثل هذا الأمر بطريقة سلبيّة؛ كأن نُفرط في تحذير الآخر من أمرٍ حتّى يتحوّل هذا التحذير إلى تحريض على الفعل، وذلك من باب النكاية أو من باب أنّه ما دام سوء الظنّ حاصلاً فلنجرّب. وهذا ما يستفاد من قول الإمام عليّ عليه السلام: "فإنّ ذلك يدعو الصحيحة إلى السّقم والبريئة إلى الريب".

* الشراكة أم التملّك؟
ينبغي أن تبقى العلاقة بين الزوجين علاقة شراكة بحيث يشعر كلٌّ من الطرفين أنّه طرفٌ أساس في هذه العلاقة، له ما للطرف الآخر من حقوق وواجبات. والغيرة الزائدة، عن الحدّ المعقول، هي تعبير عن رغبة أحد الزوجين بالاستحواذ على شريكه وتملّكه. وهذا الأمر يؤدّي إلى ضرب أهمّ الأسس التي تقوم عليها العلاقات الزوجية.


1.الكافي، الكليني، ج 5، 535.
2.جامع السعادات، النراقي، ج1، ص 301.
3.الكافي، م.س، ج65، ص 536.
4.م.ن.
5.م.ن، ص 537.
6.م.ن.
7.م.ن، ج 7، ص 296.
8.نهج البلاغة، الكتاب 31، من وصيته إلى الإمام الحسن عليه السلام.
9.هذا الأدب من الآداب المشهورة التي يتحدّث عنها الفقهاء في آداب السفر. مثلاً: غاية المراد في شرح نكت الإرشاد، الشهيد الأوّل، ج3، ص 11؛ تذكرة الفقهاء، العلامة الحلّي، ج 2، ص 576.
10.التحفة السنيّة في شرح النخبة المحسنية، السيد عبد الله الجزائري، ص280.
11.م.ن.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع