مع الخامنئي | نحو مجتمع قرآنيّ* اثنا عشر خليفة آخرهم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف* أخلاقنا | اذكروا اللّه عند كلّ نعمة* مناسبة | الصيامُ تثبيتٌ للإخلاص مجتمع | "الأمّ بتلمّ" مناسبة | من رُزق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حُبّها أذكار | شهر رمضان المبارك آخر الكلام | الأوراق المغلّفة الافتتاحية | ما أفضل أعمال شهر رمضان؟ القرآنُ مشروع حياة

الولاية والشورى في المنظور القرآني


لآية الله جوادي الآملي


هذا الموضوع لآية الله جوادي الآملي هو جزء من بحث متكامل كان قد ألّفه حول العناصر الأساسية للسياسة الإسلامية معتبراً أن الركيزة الأساس لهذه السياسة هي تربية الإنسان على أساس الكرامة الإلهية وبالنظر إلى أهميته الكبيرة نضعه بين يدي القرّاء الكرام.

إن الكرامة تقتضي أن لا يعبد الإنسان ولا يطيع إلا خالقه الذي هو خالق كل شيء، ولا يخضع إلا له، ولا يحتاج إلا إليه، ولا يسأل إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه ولا يثق إلا به، ولا يسلك إلا سبيله، وبالتالي لا يموت ولا يحيى إلا له. كما أمر الله تعالى أكرم خليقته وأشرف بريته صلى الله عليه وآله وسلم بذلك حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(الأنعام: 162)

ثم أمر الناس باتخاذه صلى الله عليه وآله وسلم أسوة فقال عز من قائل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(الأحزاب: 21)

فليسي لغير الله تعالى سلطة على الإنسان كما بينه تعالى بقوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ(آل عمران: 79 - 80)
 

وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. (المائدة 116 - 117).

فليس لأحد أن يدعي السلطة على الناس. كما أن الكرامة الإنسانية تأبى الخضوع لغير الله فلا إله إلا الله ولا رب سواه.

وأما طاعة الأنبياء العظام، والمرسلين الكرام، والأئمة البررة فهي في الحقيقة طاعة لله لأن الإمام لا شأن له إلا الخلافة عن الرسول، والرسول بما أنه رسول لا شأن له إلا إبلاغ ما يتلقى من الوحي بلا زيادة ولا نقيصة لأنه (ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) فليس له أن ينطق بما يهوى، أو يحكم بين الناس بما يرى، بل يحكم بينهم بما أراه الله حيث قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا(النساء: 105)

﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ(المائدة: 49).

﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(ص: 26).

وحيث أن الحكم لا بد وأن يكون بالحق وأن الحق لا يكون إلا من الله فحسب كما قال تعالى:
﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ
(يونس: 94) فالحكم لا يكون إلا بما أنزل الله، وأما الحكم الذي لا يكون بالحق (أي بما أنزل الله) فهو جور وجاهلية - شرقية كانت تلك الجاهلية الجائرة أم غربية - حيث قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ(المائدة: 50).

وكما أن لا شيء عدا الحق إلا الضلال إذ: ﴿فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(يونس: 32).

فكذلك ماذا بعد الحكم بالحق إلا الجاهلية - فتحصل أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكل من كان إماماً معصوماً فهو مع الحق، كما أن الحق معه يدور معه حيثماً دار، ولكن الحق من الله فكم فرق بين موجود يكون مع الحق وبين مبدئه المتعال الذي يكون منشأ الحق ومنه الحق. فعلى هذا التحليل تكون إطاعة الولي المعصوم هي إطاعة الله لُباً كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا(النساء: 64).

حيث يدل على أن إطاعة الرسول إنما هو بإذن الله، وحيث أن: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(أحزاب: 4).

فحكم الله تعالى بإطاعة الرسول مسبوق بتعليمه الحق إياه، وأمره بإبلاغ ذلك الحق إلى الناس ثم أمر الناس بإطاعة ذلك الرسول.

وحاصله أن إطاعة الرسول - بما أنه رسول - هو تكريم للرسالة، وأن الرسالة - بما هي رسالة - لاشأن لها إلا إظهار الحق من الله سواء كان في التشريع بالإيجاب والتحريم، أو في التكوين بالإحياء والإماتة - مثلاً - لأنه مظهر فعله تعالى على التوحيد الأفعالي، يده بمنزلة يده تعالى كما أشار إليه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(الفتح: 10).

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(الأنفال: 17).

فحينئذٍ تنحصر الطاعة في أمر الله تعالى ونهيه، فما وافق حكمه تعالى يطاع، وما خالفه يطرح - كائناً ما كان - كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا(الأحزاب: 6).

إلا أن تلك الولاية هي من مظاهر ولاية الله تعالى فهو صلى الله عليه وآله وسلم مظهر السلطة الإلهية لا أنه سلطان مستقل بنفسه ومما يؤيد أن النبوة والرسالة - بما لهما من الشؤون المهمة - مظهر لقول الله وفعله، ومجلى لقهره ولطفه، ومرآة لجماله تعالى وجلاله تعالى - قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(الحاقة: 40 - 48).

حيث يدل على أن شيئاً من أقاويله التي يبلغها لا تكون من عنده وتقولا على الله وافتراءً عليه، وإلا لكان ما كان من الأخذ باليمين، وقطع الوتين مع عدم الحجز والمنع من أحد لأنه تعالى هو القاهر فوق عباده ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه".

وهكذا سيرته صلى الله عليه وآله وسلم وسُنّته العملية التي تكون حجة إلهية للناس سيرة مرضية إلهية حسبما أشير إليه وحيث أن جميع شؤونه صلى الله عليه وآله وسلم مظاهر شؤون الله الذي كل يوم هو في شأن فمن كذّب شيئاً في أقواله صلى الله عليه وآله وسلم أو أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم فإنما كذب الله تعالى في قوله وفعله حيث قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(الأنعام: 32).

لدلالته على أن تكذيبه صلى الله عليه وآله وسلم ليس تكذيباً لشخصه ورداً لمقالته من حيث هو شخص خاص وإنسان مخصوص، بل هو جحد وإنكار لآيات الله تعالى لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله وفعله وقلبه وقالبه آية إلهية، فتكذيبه صلى الله عليه وآله وسلم تكذيب لله، كما أن تصديقه تصديق لله تعالى. ومما يرمز إلى ذلك من أن جميع تلك الشؤون الدينية إنما هي بالأصالة لله تعالى، وإنما هي لغير الله من جهة كونه آية له ومظهراً محضاً له قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(النساء: 59).

حيث أنه تعالى ثلث الأمر أولاً، وثناه ثانياً، ووحده ثالثاً، لأنه في أول قوله تعالى أوجب إطاعة الله وإطاعة الرسول وأولي الأمر، وفي ثاني قوله تعالى جعل الحَكَم والمرجع الذي يرجعون إليه عند التنازع أمرين: أحدهما نفسه تعالى والثاني رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يذكر لأولي الأمر اسم لأن جميع شؤون أولي الأمر إنما هي مبرزات شأن الرسول، ومظاهر سنته وليس لغيره صلى الله عليه وآله وسلم شأن مستقل وفي ثالث قوله تعالى وهو ذيل الآية الكريمة جعل المعيار والميزان في ذلك الطوع وهذا الرجوع أمر واحد ولا ثاني له ولا شريك له. وهو الإيمان بان الله تعالى هو الأول الذي منه يصدر كل شيء، والآخر الذي إليه ينتهي كل شيء فليس لغيره تعالى شأن مستقل. وهذا هو التوحيد وعياً وإرادة فتدبّر.

فتحصل أن السياسة الإسلامية التي تدور مدار كرامة الإنسان تقتضي أن لا سلطنة لأحد على أحد. فليس لأحد أن يدّعيها، وليس لأحد أن يتحملها، بل هي لله تعالى فحسب. ففي أي مورد حكم الله تعالى بالتباع وجب اتباعه طوعاً ورغبة، وفي أي مورد نهى الله تعالى عنه وجب الانتهاء عنه. وقد أمر الله تعالى باتباع رسوله حيث قال: ﴿ما أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الحشر:7).

وقال تعالى أيضاً: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 63)، أي بقوة القلوب وقوة الأبدان فيجب أخذ ما آتاه الرسول بقوة القلب والقالب معاً.

* الشورى أم الإمامة؟
قد تقدّمت الإشارة إلى أن الحياة الإنسانية الاجتماعية لا تتحقق بدون النظام والتشكيل، وهو قد يكون بالشورى وقد يكون بالإمامة -بمعنى أن الحاكم الذي يرجع إليه في حل المشاكل وبيده أزمّة أمور المملكة وتنفيذها، وحفظ ثغورها، وجباية أموالها والذبّ عنها، ودعوة الناس إلى النفر والحرب، والصراع أو السلم، والمعاهدة والمهادنة،

 ما إلى ذلك هل هو شخص واحد جامع لجميع الشرائط، أم أشخاص عديدون يتشاورون ويتبادلون وجهات النظر فيؤخذ بالمجمع عليه أو المشهور بينهم- لأنهم إما يتفقون على أمر فهو المجمع عليه، أو يختلفون فيه بالأكثر والأقل فهو المشهور لديهم- ولكل من المسلكين فوائد ومزايا ولكن الأولى هو الأوّل مهما أمكن لما جرت عليه سيرة الأنبياء حيث أنّه لم تعهد نبوة استشارية ولا رسالة بالشورى،

بل إن تعدد الأنبياء في عصر ما فأما أن كان يختص كل واحد منهم بقوم وقطر من الأرض أو كان بعض منهم تابعاً لآخر نحو تبعيّة لوط لإبراهيم عليه السلام ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (العنكبوت: 26) أو نحو تبعية هارون عليه السلام لموسى عليه السلام . وإن كان شريكاً في أمره، ولكن لم يكن مساوياً له بل كان وزيراً عضداً لموسى عليه السلام وهكذا جرت سمة الإمامة للأئمة عليهم السلام حيث أنه لم تعهد إمامة استشارية، ولا خلافة وإمامة بالشورى بل إن تعدد الأئمة في عصر كانت إمامة بعضهم بالفعل دون بعض، وإن أمكن أن تكون ولايتهم التكوينية وما لهم من المقامات النفسية (التي لا تنالها يد الجعل والنصب الاعتباري كما لا تصل إليها يد النزع والغصب) بالفعل.

وأما المشورة وإن ورد في مدحها أنه: "ما خاب من استشار" وأنه "من استبد برأيه هلك"، وفي صلاح الزوجين الذين يخاف شقاقهما دعوة إلى بعث الحكمين ولكن في الفصال والطلاق ورد:
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
(البقرة/233).

وهكذا ورد في مدح سيرة المؤمنين الواجدين لعدة شرائط: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(الشورى: 38).

وهكذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالمشاورة حيث قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(آل عمران: 159).

ولكن لا يدل شيء من ذلك على لزوم كون القيادة بالمشورة والزعامة بالشورى. أما الأدلة الدالة على حسن الاستشارة فليست على حد يعارض ما يدل على نظام الإمامة وأن الناس يحتاجون إلى إمام يديرهم لأن لسان تلك الأدلة هو مدح المشورة الذي لا كلام فيه دون تعيين كيفية الحكومة، وأما ما يدل على أن أمر المؤمنين بالشورى ففيه:

أولاً - أنه يختص بما كان ذلك الأمر هو أمرهم يعني إذا كان تعيينه بأيديهم، وأما إذا كان هو أمر الله لا أمرهم فلا مجال الشورى فيه. وحيث أن السياسة الإسلامية - كما تقدم - تقتضي أن لا يكون لأحد على أحد سلطة إلا من قبل الله تعالى وتعيينه، فتعيين كيفية الحكومة والسلطنة بيد الله تعالى، فهو أمر الله لا أمر الناس حتى يشاور بعضهم بعضاً ويستشيروا، ولو سلم فإنما الاستشارة في تعيين القائد لا أن تكون القيادة بالشورى (وكم فرق بينهما) وما وقع في صدر الإسلام كان من قبيل المشاورة في تعين الزعيم لا أنه كانت الزعامة بالشورى.

 وإلى هذا الأمر الدقيق أشار مولانا علي بن أبي طالب عليه السلام بقوله:
(... وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان في ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى) (نهج البلاغة الكتاب 6).

حيث بين عليه السلام أمرهم إنما هو تعيين الإمام بالمشاورة لا أن الإمامة بالشورى بأن يكون هناك أئمة يتشاورون، وأن تكون القيادة بالشورى.
نعم للإمام أن يستشير قومه ويشاورهم ولكن التصميم بيده والعزم بإرادته، والحزم بقلبه، فلذا قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ. فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ.

حيث جعل العزم النهائي، والتصميم الغائي يده. ومن هذا الباب قال علي عليه السلام لابن عباس: (لك أن تشير عليّ وأرى، فإن عصيتك فأطعني).

واصل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا(الأحزاب: 36).

حيث يدل على أن أمر الرسالة وتصميم الرسول ليس بالشورى، فليس لغيره حق في النظر النهائي، والتصميم الغائي، وهكذا من هو بمنزلة الرسول، وهو الإمام العدل الحق.

فتحصل أن الشورى إنما هو في تعيين القائد وانتخابه لا في القيادة إلا أن تتعذر الإمامة ولم يتيسر لشخص معين، وادعى غير واحد القيادة ولم يمكن تعيين أحدهم فحينئذٍ لا علاج إلا بأن تكون القيادة بالشورى حسماً للتشاح، وفصلاً للتنازع (نعوذ بالله منه).
بقي ههنا أمران: أحدهما لزوم كون الأمة واعي في انتخاب إمامها وثانيهما لزوم كون الإمام جامعاً لشرائط الإمامة. وكلاهما في غاية الأهمية في السياسة الإسلامية.

أما الأمر الأول فيلزم أن تكون الأمة من الوعي بدرجة تكفيها في معرفة شرائط الإمامة وفي اجتماعها فيمن يدعي الإمامة، أو يريدون تعيينه لها. وهذا الأصل هو الموجب لأن يكون لرأي الجمهور قيمة، وإلا فلا قيمة لرأي من لا يعرف الإمامة وشؤونها وشرائطها ولا لرأي الجمهور الجاهل بشأنها.

وإنما القيمة لرأي من يعلم الحق ويعرفه. كما قال عز من قائل: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(سبأ: 6).

حيث أنه تعالى جعل معيار التشخيص والتحقيق رأي العلماء ومن أتاه الله العلم، وإلا فلا وقع له. وهكذا استدل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحتج على قومه بقوله: ﴿قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (يونس: 16).

يعني أنهم لو تفكروا وتعقلوا لعرفوا أنه رسول الله ، وأن ما جاء به هو وحي أنزلها لله، فيؤمنون به صلى الله عليه وآله وسلم، ويخضعون لأمره خضوعاً لأمر الله تعالى. وأما الذين لا يعرفون الإمامة، وشرائطها، ولا يعلمون الحكومة وشؤونها: فلا كرامة لهم - كما تقدم - ولذا قال الحكيم في كتابه الكريم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(الزخرف: 54).

يعنى أن فرعون وجد قومه خفاف العقول خالين من المعرفة والتحقيق وقد عمل هو شخصياً على تركيز الجهل وعدم المعرفة لديهم بحرمانهم من الوعي والتعليم ثم طلب منم الطاعة فأطاعوه إماماً، والجهل داء لا دواء له لأنه لا فقر أشد من الجهل كما أنه لا مال أعود من العقل، فيا ليت الشعوب والجماهير نبهت الحكومات ووعتها حتى ينقطع شر الطغاة والفراعنة: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(الأنعام: 45).

وحيث أن القرآن عين الكرامة ولا يمس كرامته شيء من الإهمال، وكان العمل به موجباً لأن تصير الجامعة الإنسانية كريمة كما تقدم فقد عين واجب الأمة في انتخاب إمامها بأنه لا بد وأن تكون الأمة واعية وعارفة وذكية كي لا تتحمل الضيم

 وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ(الحج: 3 - 4).
يعني أن الكلام في الله تعالى لا بد وأن يستند إلى علم عقلي أو نقلي معتبر فمن يجادل فيه بغير علم فهو جاهل، ويكون انتخابه وتعيينه من يحكم عليه بغير وعي ومعرفة، فلذا يتبع كل إمام وزعيم وقائد كائناً من كان شرقياً أو غربياً، ملحداً أو منافقاً، خائناً أو عميلاً للأجنبي، فيتبع كل شيطان متمرد على حكم الوحي والعقل. فهذه الأمة الخفيفة الوعي..

يمتلكها كل شيطان مارد، وتنهب معادنها وذخائرها الأيادي الخائنة، فتذهب هذه الأمة الجاهلة ضحية جهلها وحرمانها من كرامتها التي يدعوها إليها الإسلام ويأمرها بها.

وأما الأمر الثاني فيلزم أن يكون الإمام مع كونه عادلاً بإطاعة مولاه في جميع ما أمر به وندبه إليه بالإتيان، وفي جميع ما نهاه عنه وزجره عنه بالامتناع والانتهاء عنه بترك الأهواء والميول، صائناً لنفسه مستقلاً في رأيه ومالكاً لوعيه وحراً في إرادته حتى لا يطمع فيه أهله، ولا غير أهله،

 ولا نفذ إلى قلبه من كان من أهله أو أجنبياً عنه ولا يمكر به الداخلي ولا الخارجي ولا يستفزه القريب والغريب ولا يستخفه الصديق والعدو حتى يليق بزعامة الأمة وقيادة الملّة (التي يعمل فيها التقي) بخلاف غيرها من الأنظمة الفاجرة (الي يتمتع فيها الشقي).

 ولقد عيّن القرآن الكريم وظيفة الإمام المتبوع بأنه لا بد وأنه يكون عالماً بالله، وهادياً إلى سبيله، وسائراً في صراطه حتى لا يضل الناس ولا يمنعهم عن خيرهم المقدر لهم حيث قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا(الجن: 8 - 9).

يعني أن المجادل في الله لو لم يكن جداله مستنداً إلى برهان عقلي، أو وحي سماوي بلا واسطة أو هداية مستفادة من الوحي مع الواسطة يكون ضالاً، فإذا ادعى الإمامة والمتبوعية والحال هذه فلا شأن له لا الضلال الموجب لخزي الدنيا وعذاب الحريق في الآخرة - فكما أن منطوق الآية الثالثة من سورة الحج ينادي بلزوم الوعي في الأمة والجمهور كذلك يعلن لزوم القداسة في الإمام حتى يكون إماماً عادلاً، وهادياً إلى صراط العزيز الحميد كما يلزم أن تكون الأمة عارفة والجمهور عالماً حتى تكون أمة مرحومة تنال خيرها المقدر لها.

 وكما أن خفة الأمة وجهلها كانت تستوجب اتباعها لكل شيطان مريد ولأن يسيطر عليها كل فرعون، حيث أن لكل موسى فرعون كذلك فإن خفة الإمام وعدم صيانته النفسية وعدم حريته الإرادية توجب لأن يغفل عمن يمكر به. فلذا قال الحكيم في كتابه الكريم: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ(الروم: 60).

وحيث أن المتبوع الجائر أن أتيح له أن يقول: (ما علمت لكم من إله غيري) وأن يقول: (أنا ربكم الأعلى) لا يتحاشى عنه مع استخفاف التابعين، فإن لم يمكن له ادعاء الألوهية فهو يقنع بادعاء الظلية ويقول: (أنا ظل الله) وما إلى ذلك مما لا يقوله إلا الخفيف ولا يقبله إلا المستخف فكلاهما في النار بقوله تعالى:

﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ(القصص: 42).
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ(هود: 98).
﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (الإسراء: 71).

وحيث أن الأمة الجاهلة تدور مدار العصبية والشيطان كما قال علي بن أبي طالب عليه السلام في وصف الشيطان بأنه: "إمام المتعصبين وسلف المستكبرين"

فلذا تحشر الأمة الجاهلة معه في جهنم كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ(الأعراف: 18).

إن السياسة الإسلامية تعتقد أن الأمة أمانة، وأن الإمام أمينها. وقد اتضح أن النظام الإسلامي يستقر على ركنين أحدهما الأمة الواعية، وثانيهما الإمام العادل الحق. فاللازم هنا التصريح بأن مقتضى الكرامة السائسة هو أن تكون الأمة بقضها وقضيضها، ونفسها ونفيسها، أمانة إلهية، وأن يكون الإمام أمين هذه الأمة لا يخونها أصلاً، بل يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد، ويشاورهم فإذا عزم فليتوكل على الله ويبين لهم ما جرى لهم وعليهم، ويحفظ كيانهم ويطرد عنهم الفقر الفكري والمالي، ويذب عن حريمهم، ويسد ثغورهم، وما إلى ذلك من شؤون القيادة كل ذلك بأيديهم وأنفسهم ونفائسهم وأبدانهم وأموالهم. لأن ارتباط الأمة والإمام ارتباط الأعضاء والقلب كما استفاد هشام من جعفر بن محمد الصادق عليه السلام واحتج به على عمرو بن عبيد المنكر للإمامة المعهودة والقيادة الخاصة - والدليل على كون الأمة أمانة بيد الإمام ما قاله موسى عليه السلام لقوم فرعون: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(الدخان: 18).

يعني يجب عليكم أن تؤدوا هذه الأمة (التي لا رب لها إلا الله) إليّ لأني رسول أمين في أصل الرسالة والإبلاغ، وأمين في حفظ هذه الأمانة الإلهية: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (الأعراف: 104 - 105).
يعني يلزم أن تكون أمة بني إسرائيل تحت تدبير موسى عليه السلام وتربيته عليه السلام ويكون هو عليه السلام كفيلاً لهم وحافظاً إياهم حسبما أشير إليه، وكما أن الإمامة عهد إلهي لا ينال الظالمين ولا يمس كرامته الظالمون، كذلك الأمة أمانة إلهية لا تؤدي إلا إلى أهلها وهو الإمام العدل الحق. وكما أن النصيحة لأئمة المسلمين من التكاليف المهمة التي لا يغل عليها قلب امرئ مسلم، كذلك خيانة الأمة أعظم الخيانة، وغش الأئمة أفظع الغش، كما قال علي بن أبي طالب عليه السلام :
"ومن استهان بالأمان، ورتع في الخيانة، ولم ينزه نفسه ودينه عنها فقد أحل بنفسه الذل والخزي في الدنيا، وهو في الآخرة أذل وأخزى، وإن أعظم الخيانة، خيانة الأمة، وأفظع الغش غش الأئمة"(نهج البلاغة كتاب: 26).

وحيث أن الأمة بدمها وعرضها ومالها أمانة بيد الإمام فلو خان المنصوب من قبله في شيء من ذلك فقد ارتطم بأعظم الخيانة بالنسبة إلى الأمة وارتكب أفظع الغش بالنسبة إلى الإمام، فلو رضي الإمام بذلك فقد ابتلي بذلك أيضاً حيث أنه إنما يجمع القوم الرضا والسخط. مضافاً إلى أن العامل منصوب من قبل الإمام ويُعَدّ فعله فعلاً له، وإطاعة مثل هذا الخائن من فواقر الظهر كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : "أربعة من قواصم الظهر: أمام يعصي الله عزّ وجلّ ويطاع أمره... ".

وذلك لأن الخيانة والغلول وإن كانا من الكبائر الموبقة لكل أحد إلا أنهما للإمام الوالي لأمر الأمة أشد وأهدى وأمّر ولذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(آل عمران: 161).

والإمام الخائن فتنة لمن افتتن به، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته لأنه من الذين يحملون أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم. فهو مع كونه رهناً بخطيئة لأن كل نفس بما كسبت رهينة، كذلك حمّا خطايا غيره لأنه أغواهم وأضلّهم، ومن سن سُنَّة سيئة فعليه وزر من عمل بها، مع أن عامل تلك السيئة أيضاً رهن لها، فعلى السان وزران، وعلى العامل وزر واحد.
والحاصل أن الأمة بجميع شؤونها أمانة إلهية بيد الإمام، ولذا يكون الإمام مأموراً بمعرفتها وحفظها وإصلاحها كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، حيث قال الله تعالى له: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(آل عمران: 154).

لأن مرونة الإمام وانعطافه إلى الأمة وحنينه نحوها يوجب انجذابها إليه ويمنع انفضاضها وتفرقها عنه بل لا تهجر هذها لأمة أمامها في الضرّاء كما تكون معه في السرّاء، ولا تحيد عنه في العسر كما تكون معه في الير، ولا تنفض من حوله حال الغلاء والمجاعة والمخمصة كما تطوف حوله حال الرخص والخصب، رغماً لأنف من زعم أن الفقر الاقتصادي والمخمصة ونحو ذلك يوجب انفضاض الأمة من حول إمامها، فلذا قال الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (المنافقون: 7).

والسر في ذلك هو الأصل الذي تدور معه السياسة الإسلامية، وهو أصالة الكرامة التي توجب تحمل أعباء الفقر الاقتصادي، وتمنع عن تحمل التحقير والتوهين وخشونة الزعيم وغلظته فالذي يجمع شتات الأمة هو رأفة الإمام كما قال: ﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ(الحجر: 88).

لأن الإمام وإن كان منهياً عن الالتفات إلى من جمع مالاً وعده، وألهاه التكاثر، ولكنه مأمور بخفض الجناح لمن اتبعه من المؤمنين. ولذا وصف الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالرأفة والرحمة حيث قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة: 128).

ومن آثار رأفته المباركة ورحمته الكريمة هو تأسفه الشديد على حرمان بعض الأمة من قبول ما جاء به كما قال الله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (الكهف: 6).

قال الله تعالى مسلياً لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(فاطر: 8).

وحيث أن مقتضى نظام الإمامة والأمة أن يكون الإمام رؤوفاً بأمته ورحيماً بها فقد أوصى إمام الأمة علي بن أبي طالب عليه السلام مالك الأشتر حين ولاه مصر بذلك وقال:
"... واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً، تغتنم لكلهم فأنهم صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق...".

ومن فوائد رأفة الإمام الأمين بأمته التي هي أمانة عنده هو أن الأمة لا تنفضّ من حوله في الشدائد بل في مطلق ما يلزم حضورها واشتراكها كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْء (النور: 64).

حيث وصف الأمة المؤمنة حقاً بالاجتماع مع إمامها وعدم ذهابها إلى حوائجها الشخصية إلا بعد الإذن،ومن ذلك حديث حنظلة غسيل الملائكة المعروف بين أصحاب السير. والسر في ذلك هو الفرق بين الناس وبين الأمة، لأن الناس لا جامع لشتاتهم ولا عامل لوحدتهم، دون الأمة فإن لأعضائها هدفاً واحداً يأتمون من أجله بإمامهم حتى يصلوا إليه، وبما أنهم يؤمون مقصداً واحداً لذلك قيل لهم - الأمة - فإذا كان إمام الأمة رؤوفاً بها فهي أيضاً تحن إليه وتشتاقه لأن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها كما أفاده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولعله لذلك كله صار سيد المرسلين حبيب الله يحب الله ويحبه الله وهو من أفضل... مصاديق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (المائدة: 54).

وكان اتباعه صلى الله عليه وآله وسلم هو طي سبيل المحبة وموجباً لأن تصير الأمة التي تؤمه وتأتم به صلى الله عليه وآله وسلم محبوبة لله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(آل عمران: 31).

فعلى أئمة المسلمين أن يتأسوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان أسوة المحبة وقدوة الرأفة وممثل الرحم بالنسبة لأي موجود كان في سبيل الله، كما نقل مالك في الموطأ باب جامع ما جاء في أمر المدينة ص (644) عن هشام بن عروة عن أبيه (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلع له أحد فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه).

 لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ممن يشاهد كل موجود بما أنه آية ومُسَبّح لله سبحانه ويفقه تسبيحه فإذا بلغ الإمام حد الأمانة والرأفة والرحمة والمحبة للأمة يصير ممن يستجاب دعاؤه كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
ولمكان الاهتمام برأفة الإمام بالأمة ورد ما نقله مالك في الموطأ باب ما جاء في حسن الخلق أن معاذ بن جبل قال: "آخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: أحسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل"(ص 650). نعم أن صاحب الخلق العظيم لا يوصى إلا بحسن الخلق.

والحاصل أنه لما كان الحق لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له، لذا يجب على كل واحد من الأمة والإمام العمل بما يجب عليه للغير من حقوق، كما له أن يطالب الغير بأداء ما عليه من الواجبات وهذا من أعظم ما افترضه الله سبحانه، كما قال علي بن أبي طالب عليه السلام:
"وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي. فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل فجعلها نظاماً لألفتهم وعزاً لدينهم، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية. فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقها، عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين،  واعتدلت معالم العدل، وجرت على إذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء. وإذا غلبت الرعية واليها، أو أجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة وظهرت معالم الجور، وكثر الأدغال في الدين، وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى، وعطلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذل الأبرار، وتعز الأشرار، وتعظم تبعات الله سبحانه عند العباد. فعليكم بالتناصح في ذلك، وحسن التعاون عليه" (نهج البلاغة: خطبة 216).
إلى آخر ما أفاده أمير البيان.

 ولقد أغنانا بيان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن بيان وحق له عليه السلام أن يقول:
"إنا لأمراء الكلام، وفينا تنشبت عروقه، وعلينا تهدلت غصونه"، ولا وقع للمصباح عند الصباح.

نعم إن الذي كان يحب الله ورسوله، وكان الله يحبه ويحبه الرسول، لا يوصي الوالي والرعية إلا بما يورث المحبة الإلهية وهو القيام بالقسط في الحقوق المتقابلة.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع