منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

مع الإمام الخامنئي: الصحوة الإسلامية... ثقة بوعد الله(*)

موضوع الصحوة الإسلامية اليوم في رأس قائمة قضايا العالم الإسلامي والأمة الإسلامية.. إنّها ظاهرة عظيمة لو بقيت في مسار سليم واستمرّت، بإذن الله، لاستطاعت أن تقيم الحضارة الإسلامية في العالم الإسلامي ومن ثَمّ للبشريّة جمعاء.

*رؤية جديدة
الواضح والبارز أمام أعيننا اليوم، والأمر الذي لا يستطيع أي إنسان مطّلع وذي بصيرة أن ينكره، هو أن الإسلام قد خرج من هامش المعادلات الاجتماعية والسياسية في العالم، واتخذ موقعاً بارزاً في الحدث على المستوى العالمي، وهو يقدّم رؤية جديدة على ساحة الحياة والسياسة والحكم والتطورات الاجتماعية. ويشكّل ذلك، في عالمنا المعاصر الذي يعاني بعد هزيمة الشيوعية والليبرالية من فراغ فكري ونظري عميق، ظاهرةً ذات مغزى وأهمية بالغة. إنّ هذه الصّحوة الإسلامية حقيقةٌ نرى معالمها اليوم في أرجاء العالم الإسلامي كافة. وأبرز معالمها تطلُّع الرأي العام وخاصة جيل الشباب إلى إحياء مجد الإسلام وعظمته، كذلك وعيهم لحقيقة نظام الهيمنة العالمية.

*الوعد الإلهي
إنّ تحقّق معاجز الوعود الإلهيّة يحمل معه دائماً دلالات أمل، يُبشّر بتحقق وعد أكبر. وما يحكيه القرآن الكريم عن الوعدين الإلهيين لأمّ موسى هو نموذج من هذه السنّة الربانية.
ففي تلك اللحظات العسيرة، حين صدر الأمر بإلقاء الصندوق حامل الرضيع في اليمّ، جاء الخطاب الإلهي بالوعد: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (القصص: 7). إن تحقق الوعد الأوّل، وهو الوعد الأصغر الذي ربط قلب الأم، أصبح منطلقاً لتحقّق وعد الرسالة، وهو الوعد الأكبر، الوعد الحقّ، وهو تلك الرسالة الكبرى التي تحققت بعد سنين وغيّرت مسيرة التاريخ، وكان يستلزم تحقّقه تحمّل المشاق والمجاهدة والصبر الطويل: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ولَا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ (القصص: 13).
ومن النماذج الأخرى, التذكير بالقدرة الإلهيّة الفائقة في قمع مهاجمي الكعبة، والذي ورد في القرآن بلسان الرسول الأعظم ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (الفيل: 2) وذلك لتشجيع المخاطبين علی امتثال الأمر الالهي: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (قريش: 3). وفي موضع آخر يذكّر سبحانه رسوله بما أغدقه عليه من نعم تشبه المعجزة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى*ووَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (الضحى: 6)، ليكون ذلك وسيلة لتقوية معنويات نبيّه الحبيب وإيمانه بالوعد الإلهي في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى (الضحى:3)، ومثل هذه الأمثلة كثيرة في القرآن الكريم.

*ولينصرنّ الله من ينصره
حين انتصر الإسلام، عَلِم أهل العبرة والحكمة أنهم إذا انتهجوا طریق الصبر والبصيرة فإن فتوحات أخرى ستتوالى علیهم، وقد توالت فعلاً. إن الحقائق الساطعة تحققت بأجمعها في ظل الثقة بالوعد الإلهي والصبر والمقاومة والاستمداد من ربّ العالمين. دائماً كان الصوت يرتفع بالقول: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (الشعراء: 623)، أمام وساوس الضعفاء الذين كانوا يردّدون في الفترات الحرجة: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (الشعراء: 61). لذا، بإمكان الثبات والصبر والبصيرة والثقة بالوعد الإلهي في قوله سبحانه: ﴿ولَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج: 40) أن يمهّد طريق العزّ هذا أمام الأمة الإسلامية حتى تصل إلى قمة الحضارة الإسلامية.

*حول الصحوة الإسلامية
إنني أرى من المناسب أن أبيّن لعلماء الأمّة بمختلف أقطارهم ومذاهبهم، بضع نقاط ضرورية حول قضية الصحوة الإسلامية:

أولاً: دور العلماء والمصلحين
إن الأمواج الأولى للصحوة والتي اقترنت ببدايات دخول الغزو الاستعماري، قد انطلقت غالباً على يد علماء الدين والمصلحين الدينيين. لقد خلدت صفحات التاريخ وللأبد أسماء قادة وشخصيات بارزة من أمثال السيد جمال الدين الأسد آبادي، ومحمد عبده، والميرزا الشيرازي، والآخوند الخراساني، ومحمود الحسن، ومحمد علي، والشيخ فضل الله النوري، والحاج آقا نور الله، وأبي الأعلى المودودي، وعشرات من كبار علماء الدين المعروفين والمجاهدين وذوي النفوذ, من إيران ومصر والهند والعراق. ويبرز في عصرنا الراهن اسم الإمام الخميني العظيم مثل كوكب ساطع على جبين الثورة الإسلامية في إيران. وقائمة المصلحين الدينيين من غير علماء الدين كحسن البنا وإقبال اللاهوري هي طويلة أيضاً ومثيرة للإعجاب.
وقد كانت المرجعيّة الفكريّة لعلماء الدين ورجال الفكر الديني حاضرةً بدرجات وأدوار متعدّدة، فظهروا في دور المرشد والهادي، وتقدموا لمواجهة الخطر في مقدمة صفوف الحراك الشعبي، وازداد الارتباط الفكري بينهم وبين الناس، وغدوا أكثر تأثيراً في دفع الناس نحو الطريق الصحيح.
وهذا ما يضاعف ثقل مسؤولية علماء الدين. فعليهم أن يسدّوا الطريق أمام الاختراق بفطنة ودقّة متناهية وبمعرفة أساليب العدوّ الخادعة وحيله، وأن يحبطوا مكائده. ولا بدّ أن نضع نصب أعيننا قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ولَا فَسَادًا والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (القصص: 83). فعلى علماء الدين والرجال المتدينين والمحافظين على الدين أن يراقبوا هذه الأمور بشدّة ودقّة.

ثانياً: الهدف النهائي
ضرورة رسم هدف بعيد المدى للصحوة الإسلامية في البلدان المسلمة؛ فمعرفة الهدف تمكّن من رسم خريطة الطريق وتحديد الأهداف القريبة والمتوسطة. هذا الهدف النهائي لا يمكن أن يكون أقل من إقامة "الحضارة الإسلامية المجيدة". فالأمة الإسلامية، بكل أجزائها في إطار الشعوب والبلدان، يجب أن تعتلي مكانتها الحضاريّة التي يدعو إليها القرآن الكريم.

ثالثاً: التبعيّة للغرب
ينبغي في إطار حركات الصحوة الإسلامية الالتفات دائماً إلى التجربة المرّة والفظيعة التي تركتها التبعّية للغرب على السياسة والأخلاق والسلوك ونمط الحياة. لقد مُنيت البلدان الإسلامية , خلال أكثر من قرن من التبعية لثقافة الدول المستكبرة وسياستها, بآفات مهلكة مثل [التبعية] والذّلة السياسية والفقر الاقتصادي وتهاوي الأخلاق والفضيلة، والتخلّف العلمي المُخجِل، بينما الأمة الإسلامية تمتلك تاريخاً مشرقاً من التقدم في جميع هذه المجالات.

لا ينبغي اعتبار هذا الكلام مناصبة العداء للغرب. نحن لا نكنّ العداء لأية مجموعة إنسانية بسبب تمايزها الجغرافي. نحن تعلمنا من الإمام علي عليه السلام ما قاله عن الإنسان إنه: "إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".(1) اعتراضنا إنما هو على الظلم والاستكبار والتحكم والعدوان والفساد والانحطاط الأخلاقي والعملي الذي تمارسه القوى الاستعمارية والاستكبارية ضد شعوبنا.

رابعاً: إثارة الخلافات
إن أخطر ما يواجه حركة الصحوة الإسلامية اليوم هو إثارة الخلافات، ودفع هذا الحراك نحو صدامات دموية طائفية ومذهبية وقومية ومحلیة. وإن الأموال ‌التي یمكن استخدامها في تحقيق رفاه خلق الله، تُنفق في التهديد والتكفير والاغتيال. وأولئك الذين يرون في قوة اتّحاد المسلمين مانعاً لتطبيق أهدافهم الخبيثة رأوا في إثارة الخلافات داخل الأمة الإسلامية أيسر طريق لتنفيذ أهدافهم الشّيطانية، وجعلوا من اختلاف وجهات النظر في الفقه والكلام والتاريخ والحديث، وهو اختلاف طبيعي لا مفرّ منه، ‌ذريعة للتكفير وسفك الدماء والفتنة والفساد. هذه اليد الغادرة تستثمر دون شك الجهل والعصبية والسطحية في مجتمعاتنا، وتصبّ الزيت على النار.

خامساً: سلامة المسيرة
إن سلامة مسيرة حركات الصحوة الإسلامية يحدّدها موقفها تجاه قضية فلسطين. فمنذ ستين عاماً حتى الآن لم تنزل على قلب الأمة الإسلامية كارثةٌ أكبر من اغتصاب فلسطين. وإنّ أيّ تيار في البلدان الإسلامية يتناسى هذا الواجب الديني والوطني يجب أن لا يتوقع غير التشكيك في وفائه للإسلام. فلا تبعدوا كيد العدوّ عن أنظاركم، لأنّ غفلتنا توفّر الفرصة له للانقضاض.
لقد علّمنا الإمام علي عليه السلام درساً وهو أنه: "من نام لم يُنَم عنه"(2). وإن تجربتنا الإسلامية مليئة بدروس للعبرة في هذا المجال.
فلقد رأينا خلال الأعوام السابقة أنواع المؤامرات والمخططات، والذي بدّد مكرهم أساساً عاملان: الثبات على المبادئ الإسلامية، والحضور الجماهيري في الساحة. هذان العاملان هما مفتاح الفتح والفَرَج في كل مكان.


(*) كلمة قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي دام ظله في المؤتمر العالمي لعلماء الدين والصحوة الإسلامية. بتاريخ 29/04/2013م.
1- نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 .
2- م. ن، الكتاب رقم 62 .

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع