منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

نور روح الله: الحمد أحبُّ الثناء(*)

 


اعلم أيّها العزيز، أنّ جميع أنواع الحمد مختصّة بذات الألوهيّة المقدّسة، وأنّ تحت هذه الكلمة الشريفة "الحمد لله" سرّ التوحيد الخاصّ، واختصاص جميع المحامد من جميع الحامدين للحقّ تعالى على حسب البرهان؛ لأنّ جميع النعم الظاهرة والباطنة هي من الحقّ تعالى جلّ وعلا، وليس لأحد من الموجودات فيها شركة، ولا منعم سوى الحقّ؛ فجميع المحامد مختصّة له. وأيضاً، لا جمال وجميل سوى جماله؛ فالمدائح أيضاً ترجع إليه.

الحمد فطرة إلهيّة
وببيانٍ آخر، إنّ المحامد والمدائح كلّها ترجع إلى حظّ الربوبيّة، وهو الكمال والجمال، لا إلى حظّ المخلوق وهو النقص والتحديد. كما إنّه من الفطرة الإلهيّة التي فطر جميع الخلق عليها ثناء الكامل وشكر المنعم وحمده.

ومن الفطرة الإلهيّة أيضاً التنفّر من النقص والناقص ومنقص النعمة، وحيث إنّ النعمة المطلقة الخالصة من أيّ شوب أو نقص، والجمال والكمال التامّ المبرّأ من كلّ نقص، مختصّةٌ بالحقّ، أمّا سائر الموجودات فتنقص النعم المطلقة والجمال المطلق وتحدّدها دون أن تزيدها، ففطرة جميع الناس حامدة للذات المقدّسة ومادحة لها، ومتنفّرة من سائر الموجودات، إلّا التي فُنيت في ذات ذي الجلال، فإنّ العشق والمحبّة لتلك الموجودات وحمدها ومدحها، هو عين العشق للحقّ وحمده.

من آثار الحمد
اعلم أنّ الكلمة الشريفة "الحمد لله"، على حسب ما بيّنّاه هي من الكلمات الجامعة التي إذا حُمد بها الحقّ تعالى بلطائفها وحقائقها، فقد أُدّي حقّ الحمد بقدر ما في الطاقة البشريّة؛ ولهذا وردت في الروايات الشريفة الإشارة إلى هذا المعنى، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "لا إله إلّا الله نصف الميزان والحمد لله يملؤه"(1). وهذا لما بيّناه من أنّ الحمد جامع للتوحيد أيضاً.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قول العبد الحمد لله أرجح في ميزانه من سبع سماواتٍ وسبع أرضين"(2). ونقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " لو أن الله أعطى الدنيا بأسرها، لعبدٍ من عبيده، فيقول العبد: الحمد لله، لكان الذي أتى به أفضل ممّا أُعطي"(3). وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: "ليس شيء أحب إلى الله، من قول القائل: الحمد لله، ولذلك أثنى به على نفسه"(4).

الحمدُ في القرآن حقيقةٌ لا مجاز
اعلم أنّ علماء الأدب والظاهر قالوا إنّ الحمد هو الثناء بالّلسان على الجميل الاختياريّ، وحيث إنّهم غافلون عن جميع الألسنة، غير هذا اللّسان اللّحميّ، فلهذا حملوا تسبيح الحقّ تعالى وتحميده، بل مطلق كلام ذاته المقدّسة، على نوع من المجاز. وكذلك، يحملون كلام الموجودات وتسبيحها على المجاز؛ فيرون أنّ التكلّم للحقّ تعالى عبارة عن إيجاد الكلام، ويقولون إنّ التسبيح والتحميد في سائر الموجودات هو التسبيح والتحميد الذاتيّ التكوينيّ. فهؤلاء في الحقيقة يحصرون النطق في نوع البشر، ويظنّون أنّ الذات المقدّسة، الحقّ جلّ وعلا، وسائر الموجودات غير ناطقة، بل نعوذ بالله، يظنّونها خرساء، ويتوهّمون أنّ ذلك تنزيهٌ للذات المقدّسة، مع أنّ هذا تعطيل.

بالجملة، إنّ هذه الدار هي أصل الحياة وحقيقة العلم والشعور. وتسبيح الموجودات تسبيحٌ نطقيٌّ شعوريٌّ إراديّ.

"أنت كما أثنيت على نفسك"
إنّ التكلّم والكلام والكتابة والحمد والمدح، مراتب وجوديّة مختلفة. وحيث إنّ الحمد في كلّ مورد على جميل، فالحقّ جلّ وعلا شاهد جماله الجميل، بأتمّ مراتب العلم والشهود؛ فيقع ثناء الذات للذات، وهو ما تعجز سائر الموجودات عن إدراكه. كما يقول النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم: "لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"(5). ومعلومٌ أنّ إحصاء الثناء، فرع المعرفة بالكمال والجمال. وحيث إنّ المعرفة التامّة للجمال المطلق لا تحصل لنا، فالثناء الحقيقيّ لا يقع. وغاية معرفة أصحاب المعرفة، معرفة العجز عن المعرفة.

(*) مستفاد من كتاب: الآداب المعنويّة للصلاة، الإمام الخمينيّ قدس سره، المصباح الثاني، الفصل الخامس.
1- الأمالي، الطوسي، ص 19.
2- مستدرك الوسائل، الطبرسي، ج 3، ص 269.
3- (م. ن.)، ج 5، ص 314.
4- (م. ن.)، ج 5، ص 315.
5- تحرير الأحكام، الحلّي، ج 4، ص 335.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع