فقه الوليّ: من أحكام السفر ومستجدّاته.. أسرتي: طباع الزوجين: هـــل تتــغيّـــر؟ مجتمع: ترشيد الاسـتهلاك: ضرورة وليس ترفاً آخر الكلام: ليست كذبة!! تجربتي مع كورونا التعلُّم عن بُعد: هل ينجح الأهل؟ كوفيد- 19 وآثاره النفسيّـــــــة هل كورونا.. كذبة؟ (حوار مع مختصَّين من وزارة الصحّة) توجيهات اجتماعيّة وأسريّة في ظـــلّ كورونا مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*)

عقيدة: معرفة الله‏



تعتبر العقيدة هي الأساس والبداية والمنطلق للفكر والسلوك والحضارة عند الإنسان بل كل أنواع النشاط الفكري، فهذه العقيدة هي أساس الشريعة والقانون والنظام والأخلاق. ولهذا قالوا: عقيدة إلهية ينبثق عنها نظام كامل للحياة.
فأساس بناء الإسلام هو العقيدة. وتمتاز العقيدة الإسلامية بأنها عقيدة تقوم على أساس الدليل والبرهان العقلي والاستدلال العلمي وترفض الخرافة والتقليد الأعمى.


* الفطرة
إن الإحساس بوجود الخالق سبحانه من أهم الأمور الفطرية المغروسة في أعماق الإنسان. ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيمّ ولكن أَكثر الناس لا يعلمون
فالإنسان يستطيع أن يتعرّف على وجود الله بسهولة ولا يحتاج إلى بذل جهد كبير في هذا السبيل، بل تكفيه المعلومات البديهية الموجودة لديه بالفطرة. فهذا الإعرابي عندما سئل كيف عرفت ربك؟ لم يجد صعوبة في القول "البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام يدل على المسير أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج أفلا يدلاّن على اللطيف الخبير".
والقلب أيضاً له تعلّق وارتباط فطري بالله عز وجل. وهذا موجود عند كل إنسان. ولكن الغارقين في عالم المادة والشهوات والمتعلقين بظواهر هذا العالم من زينة وتفاخر لا يلتفتون إلى ذلك. يروى أن شخصاً أتى الإمام الصادق عليه السلام وقال له: يا ابن رسول الله دلّني على الله ما هو، فقد أكثر عليّ المجادلون وحيّروني. فقال له الإمام عليه السلام: يا عبد الله هل ركبت سفينة قط؟ قال: نعم. قال عليه السلام: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم. قال عليه السلام: فهل تعلّق قلبك هنالك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟ قال: نعم قال الصادق عليه السلام: فذلك الشي‏ء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي وعلى الإغاثة حيث لا مغيث.

* الحاجة إلى الاستدلال‏
إلا أن هذه الفطرة الصافية يتهدّدها التزييف دائماً. ويطغى في غالب الأحيان عليها صدأ حب الدنيا وضباب الشهوات والنزوات الحيوانية، فتحجب الإنسان عن مشاهدة أوضح الواضحات وتمنعه من الشعور والإحساس السليم. ولذلك لا بد من مساعدة العقل للفطرة وتعميق التصديق العقلي بوجود الله الخالق العظيم وتوحيده وصفاته عن طريق الحجة والبرهان.
فالفطرة لها دور الاستعداد والتوجيه، والعقل له دور الإقناع والحجة والدليل. من هنا، فالإيمان بالله تعالى والاعتقاد بوجوده لا يصح فيها التقليد. فالقرآن يذم الذين يقلّدون آباؤهم تقليداً أعمى، ويخاطب العقل بالتكريم ويطالب الإنسان بالتفكر في خلق السموات والأرض. ﴿الذي يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ربّنا ما خلق هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار.

* الاستدلال على وجود الله تعالى‏
إن الأدلة على وجود الخالق جلّ وعلا لا تُحصى كثرة. فكل شي‏ء في هذا الوجودية ناطقة بوجود الله تعالى ووحدانيته ودليل شاهد على عظمته، يدرك ذلك كل ذي وجدان سليم وعقل قويم. وقد صدق القائل: الأدلة على وجود الخالق بعدد أنفاس الخلائق.
وهذا العالم القائم على أساس من التنظيم البديع والتخطيط المتقن لهو من أعظم الدلائل والآيات.
إن كل شي‏ء في هذا الوجود منسّق بدقة متناهية ومنظّم وموزون بشكل تعجز عن فهمه العقول والألباب. وكل شي‏ء موجود في المكان المناسب. إن العالم يمثل كتاباً أبدعه كاتب مطلع، كل جملة فيه وكل كلمة تحتوي على سلسلة من المعاني والمطالب والمقاصد العظيمة. والنظم الذي استعمل في الكلمات والجمل قائم على أساس دقة خاصة ويشير إلى هدف معين.

إن كل إنسان يمكنه أن يستنبط الأنظمة الحكيمة والآثار والعلامات الدّالة على تدبير عالم الخلق بوضوح. إلاّ أن المطّلع على العلوم الطبيعية فإنه سوف يدرك من النظام والدقة والروعة أكثر بما يتناسب مع معرفته بأسرار هذا الكون العظيم. فشكل الأرض القريب من كونه كروياً، ودوران الأرض حول نفسها وحول الشمس وبُعد الأرض عن الشمس وبُعد القمر عن الأرض والجاذبية بين الأجسام الكبيرة وطبقات الغلاف الجوي وخلق الذكر والأنثى والتناسب بين الكائنات الحية من نبات وحيوان وإنسان... إلى كثير من الآيات العظيمة الخاضعة لقوانين غاية في الدقة والتنظيم والحكمة.
إن أي إنسان يعلم أن الأثر يدل على المؤثر. وكذلك أن صفات وخصائص ذلك الأثر تدل إلى حد كبير على صفات المؤثر. لذلك فإن مطالعة كتاب هذا الكون الكبير يدلنا على وجود الخالق العليم والصانع الحكيم والمدبّر القدير وهو الله سبحانه وتعالى.

* إثبات الصفات الإلهية
لما كان الله تعالى هو الخالق لهذا الكون. فإن كل ما في هذا الكون من كمال وعظمة فهو من الله تعالى. فعظمة هذا الكون تحتاج إلى قدرة عظيمة، والتنظيم الهائل فيه لا يمكن أن يأتي إلا من حكيم وعليم ومدبر. وهكذا فإن ملاحظة أية صفة كمالية موجودة في هذا الكون تدلنا على أن الخالق لهذا الكون متصف بهذه الصفة الكمالية. فالله سبحانه وتعالى متصف بجميع صفات الجلال والجمال فهو الكمال المطلق الذي لا نقص فيه.
وفي الواقع. فإن علماء الإسلام يقسمون الصفات الإلهية إلى قسمين:
1- الصفات الثبوتية: وهي صفات الجمال والكمال التي ينبغي أن نَصف الله تعالى بها والتي يجب أن تكون ثَابتة له. كالعلم والقدرة والحياة والإرادة وغيرها. فإذا قلنا أن الله عليم وقدير وحيّ ومريد و... فهذه من الصفات الثبوتية.
2- الصفات السلبية: وهي صفات الجلال التي تنزه الله سبحانه وتعالى عمّا لا يليق به. وتسلب عنه النقض والاحتياج. فإذا قلنا أن الله تعالى لا شريك له. ولا جسم له، ولا ولد له وهو ليس بظالم وهو ليس بجاهل.. فهذه من الصفات السلبية.

* التوحيد
الإيمان بالله الواحد الأحد هو المحور والقاعدة الأساسية في عقيدة الإنسان المسلم وسلوكه وتفكيره. فالتوحيد عقيدة ومنهج حياة، وليس هو فكرة مجرّدة عن المعنى والتأثير العملي في سلوك الإنسان.
فالمسلم يؤمن بأن خالق الكون والإنسان والحياة هو واحد أحد متصف بكل صفات الكمال ومنزه عن النقص، ليس كمثله شي‏ء وهو على كل شي‏ء قدير. هذا الإيمان يربّي في نفس الإنسان العبودية لله وحده ويحرّره من عبودية الطواغيت وسيطرة الظالمين ويوجّهه نحو الخير والكمال المطلق. فإذا كان الخالق عادلاً ورحيماً وكريماً وحكيماً وصادقاً و... إلخ فإن المؤمن لا بد أن يبني سلوكه وحياته بوحي من إيمانه بهذه الصفات العليا وعلى هديها.
وعقيدة التوحيد لا تكون عقيدة نقية صادقة خالية من الشوائب والانحرافات إلا إذا آمن المسلم بتوحيد الله في كل شي‏ء ومن كل جهة. فلا بد أن يؤمن بالتوحيد في الذات، والتوحيد في الصفات والتوحيد في الخالقية والتوحيد في الربوبية والتدبير والتوحيد في العبادة. وسوف يأتي الحديث عن كل واحدة منها على حدة.

* أدلة التوحيد
وهي كثيرة تقتصر على ثلاثة منها:
أ- وحدة النظام
إن العالم أجمع من الذرة إلى المجرة محكوم لنظام واحد موحّد يسري في كل أجزائه. ولا يشذ عنه شي‏ء. فلو أخذنا مثلاً قانون الجاذبية، فنرى أنه متساو في كل أجزاء العالم. ففي الذرة مثّلاً تدور الالكترونيات في مسارات محدّدة تحت تأثير جاذبية النواة وتتشابه هذه العملية تشابهاً مذهلاً مع ما يحدث في مدارات منظمة تحت تأثير جاذبيتها. وهكذا، يثبت العلم أن هذا القانون سار في كل أجزاء الكون على الإطلاق ولا يتّخلف أبداً.
إن هذا النظام الموحّد الحاكم على جميع أجزاء العالم لهو خير دليل على أنّ الخالق والمنظّم واحد لا أكثر. ولنِعْمَ ما قيل.
وفي كل شي‏ء له آية تدل على أنه واحد ورد عن الصادق عليه السلام: "فلمّا رأينا الخلق منتظماً والفلك جارياً واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر دلّ صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبر واحد".

ب- بطلان تعدد الآلهة
إن البراهين العقلية تنفي أيضاً أي احتمال لوجود آلهة متعددة. وهذا ما يؤكده القرآن بدوره ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كلُّ إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عمّا يصفون المؤمنون- 91.
وتوضيح هذا الأمر؛ أن من أهم صفات الإله الذي يتوجه إليه الإنسان أن يكون الإله هو الخالق الذي يكون بيده وجود المخلوق. فالإله ينظّم للمخلوق جميع شؤونه ويوفر له كل حاجاته ولا يتركه يحتاج إلى غيره أو إلى مخلوقات غيره.
فلو فرضنا أن للعالم عدداً من الآلهة، كما إذا كان للإنسان إله. وللحيوان إله آخر. وللنبات إله ثالث وهكذا: فلو كان الأمر كذلك، وجب أن يذهب كل إله بما خلق أي أن يستقل كل إله بمخلوقاته. فإله الإنسان يجب أن يوفر للإنسان كل حاجاته. ولا يجعله يحتاج إلى إله غيره أو إلى مخلوقات إله غيره. فلو كان للإنسان إله وللنبات إله وجب أن لا يحتاج الإنسان إلى النبات. ولكن الإنسان والنبات يحتاجان إلى بعضهما. إذاً ليس لهما سوى إله واحد. وهكذا، فلو نظرنا في الكون بأسره نجد أن كل شي‏ء محتاج إلى شي‏ء آخر بحيث أن هذا العالم كلّه مترابط فيما بينه. ومن هنا يُعلم أن من بيده شؤون هذا العالم وتدبيره إنما هو إله واحد لا شريك له.

ج- توافق الأنبياء
من الأدلة التي تُعتمد في إثبات التوحيد أيضاً توافق الأنبياء على الدعوة إلى الإله الواحد.
وتوضيح هذا البرهان أنه من خلال معرفتنا بالإله- كما ينبغي أن يكون الإله- فهو الذي بيده يكون تدبير جميع شؤون المخلوق من رزق وتأييد وهداية وغير ذلك. فالإله يجب أن يهدي مخلوقاته إلى سعادتهم وكمالهم وإذا لم يؤمّن لهم الهداية فليس مستحقاً للألوهية ولا لائقاً بها.
ولما كان عقل الإنسان لا يكفي لهدايته إلى السعادة والكمال فلذلك لا بد أن تأتيه الهداية من قِبل الإله الذي أوجده وينظّم له حياته. ومن هنا ضرورة أن يكون للإله رسل وأنبياء. لو استقرأنا التاريخ وجدنا أن الرسل جميعاً كانت تدعو للإله الواحد. ولذلك فلا إله سوى إله واحد.
في وصيته لابنه الحسن عليه السلام، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "واعلم يا بني أنه لو كان لرّبك شريك لأتتك رسله ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ولعرفت أفعاله وصفاته. ولكنه إله واحد كما وصف نفسه لا يضادّه في ملكه أحد".

* التوحيد في القرآن‏
يعتبر التوحيد المسألة الأكثر أهمية والشعار الأول الذي أكّد عليه القرآن. حيث أن شعار التوحيد "لا إله إلا الله" ورد أكثر من ستمائة مرة بعبارات شتى وهذه بعض الأمثلة:
-﴿ وما لكم من إله غيره (الأعراف 65)
- ﴿وإلهكم إله واحد (البقرة 163)
- ﴿إن إلهكم لواحد (الصافات 4)
- ﴿لا إله إلا أنت (الأنبياء 87)
- ﴿لا إله إلا أنا (النحل 2)

وهناك الآيات الكثيرة أيضاً تؤكد على التوحيد في الخالقية والتدبير والعبادة والطاعة. فالقرآن يولي أهمية كبرى يؤكّد على أن الخلق والتدبير من شؤونه ومختصاته ولا يشاركه فيها أحد.

يقول تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله
وفي أول آية نزلت على الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم إشارة واضحة إلى التوحيد الخالقي والربوبي. ﴿إقرأَ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. إقرأَ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم العلق‏
في سورة لقمان الآية 10- 11﴿خلق السموات بغير عمد ترونها وأَلقى في الأرض رواسي أَن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأَنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه. بل الظالمون في ضلال مبين
وفي سورة يوسف الآية: ﴿أَأَرباب متفرقون خير أَم الله الواحد القهار وفي سورة الأعراف الآية 54: ﴿إن ربكم الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره أَلا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين
وفي سورة الحج- 37: ﴿يا أَيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب. وما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز.
إن هذه الآيات الكريمة وكثير من أمثالها- لهي أصدق تعبير عن أن الخالق لكل ما في الكون واحد والمدبر لشؤون هذا العالم بأسره هو واحد لا شريك له وهو الله تعالى الذي يرجع إليه الأمر والخلق كله.

* أقسام التوحيد
لخص علماء الإسلام البحوث المرتبطة بالتوحيد في أربعة أقسام: التوحيد في الذات. التوحيد في الصفات، التوحيد في الأفعال، والتوحيد في العبادة.
1- التوحيد في الذات
وهو أن الله تعالى واحد لا شريك ولا عديل ولا يتصوَّر له شبيه ولا مثيل. وهذا مفاد البراهين التي ذُكرت أعلاه في إثبات التوحيد.
وهناك درجة أرقى أيضاً وهي أن ذاته المقدسة بسيطة لا تتركّب من أجزاء متعددة كما هو الحال في الأجسام والمادة. فالجسم المادي يتألف من أجزاء متعددة (الماء مثلاً من أوكسجين وهيدروجين) ولذلك فهو محتاج إلى أجزائه. أما الله تعالى فلا يحتاج إلى شي‏ء مطلقاً ولذلك فهو لا يتركب من أجزاء وإلا كان محتاجاً لأجزائه.
ولذلك يعبّرون أن الذات الإلهية المقدسة بسيطة غير مركبة من أجزاء.

2- التوحيد في الصفات‏
والمراد منه أن الله تعالى وإن كان متصفاً بصفات عديدة كالعلم والقدرة والحياة، إلا أنّ هذا التعدد إنما هو باعتبار المفهوم الذهني وليس باعتبار الوجود والواقع. بمعنى أن كل واحدة من هذه الصفات عين الأخرى وليس شيئاً آخر غير الأخرى. وهي (الصفات) أجمع عين الذات وليست شيئاً آخر غير الذات المقدّسة.
فعلمُ الله مثلاً عين ذاته، ذاته كلّها علم في حين ذاته كلّها عين القدرة، لا أنّ حقيقة العلم في الذات الإلهية شي‏ء وحقيقة القدرة شي‏ء آخر بل كل واحدة منهما عين الأخرى، بل إن كلتاهما عين الذات المقدسة وليس شيئاً آخر.
وبالجملة، فصفات الله تعالى عين ذاته وليست شيئاً مغايراً لذاته المقدّسة.

3- التوحيد في الأفعال‏
نحن نعلم أنّ في عالم الطبيعة سلسلة من العلل والأسباب الطبيعية لها آثار خاصة. فالشمس علة للضياء والإشراق والنار علة للإحراق والسيف علة للقطع. والإنسان علة لحركاته وأفعاله المختلفة.
التوحيد الأفعالي هو أن نعتقد بأن هذه الآثار مخلوقة هي أيضاً لله تعالى وبإذنه وإرادته تحدث تماماً كما هو حال عللها بمعنى أن الله تعالى خلق العلل المذكورة وهو الذي منحها تلك الآثار لا أنها توجد آثارها بالاستقلال عن الله تعالى فهو تعالى خلق الشمس وأعطاها خاصيّة الإشراق. وخلق النار وأعطاها خاصة الإحراق وخلق السيف وأعطاه خاصية القطع. وخلق الله الإنسان وأعطاه القدرة على الأفعال المختلفة. إلا أنه ميّز الإنسان عن سائر العلل بأن وهبه حرية الاختيار. فالإنسان ليس لديه قدرة استقلالية على أفعاله، نعم هو يستطيع أن يختار بينها.
ولذلك، فإن الموجودات كما أنها قائمة بالله تعالى غير مستقلة في وجودها وذواتها، فإنها أيضاً غير مستقلة في آثارها وأفعالها. فهو تعالى لا شريك له في ذاته ولا شريك له في الفاعلية أيضاً فكل سبب وكل فاعل قائم به سبحانه ولا حول ولا قوة إلا به. وهذا ما نذكره دائماً في صلاتنا اليومية "بحول الله وقوّته أقوم وأقعد".

4- التوحيد في العبادة
العبادة مظهر من مظاهر التعبير عن العبودية الصادقة لله وحده. والعبادة اسم لكل ما يصدر من الإنسان من أقوال وأفعال ومشاعر وأحاسيس تعبّر عن عبودية الإنسان لله وحده ويقصد بها التقرّب منه.
لذا يجب ضبط حياة الإنسان وتنظيمها على أساس أوامر الله ونواهيه لتتمّ العبادة له وحده ويتأكّد توحيده. إن الشرائع والرسالات الإلهية كلها جاءت لتحرّر الإنسان من عبوديته للطواغيت وسيطرة الشهوات والأهواء على إرادته ونفسه.
فالإنسان لا يكون موحداً حقاً إلا إذا أخلص العبودية لله وحده ولم يخضع لغير الله في التشريع والقانون والنظام، وأخلص الطاعة له في الأمر والنهي والعمل. فلا يكون موحداً من آمن بقانون وضعي غير القانون الإلهي والتزم حكماً غير حكم الله تعالى ﴿من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون المائدة- 24.
سئل الإمام الصادق عليه السلام عن معنى قوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله التوبة- 31 فقال:والله ما عبدوهم ولكن أَحلّوا لهم حراماً وحرّموا لهم حلالاً فاتبعوهم فاعتبروا بذلك أرباباً. من هنا كان الأمر الإلهي أن نردّد دائماً في صلاتنا اليومية ﴿إياك نعبد وإياك نستعين.

* كمال التوحيد

بعد أن يتحقق الإنسان من أصل التوحيد يصل الدور إلى المراتب الكمالية التي يجب عليه تحصيلها من خلال مجاهدة النفس والهوى. ومن أهم هذه المراتب: التوحيد في الاستعانة، التوحيد في الدعاء، التوحيد في الخوف والرجاء والتوحيد في المحبة.
التوحيد في الاستعانة
بعد ما آمن الإنسان أن كل الموجودات- سوى الله تعالى- هي فقيرة ومحتاجة إلى الرب المتعال ﴿يا أَيها الناس أَنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد.
فلا بد أن يطلب العون منه وحده دون سواه. فالفقير إذا أراد الغنى والثروة لا يتوجه إلى الفقراء المعدمين المحتاجين من أمثاله بل يتوجه نحو الغني القادر. ولا غني سواه تعالى وباقي الموجودات فقراء.
ولذلك يجب على الإنسان في جميع أحواله أن لا يتوكل إلا على الله تعالى ولا يتوجه إلا إليه لأن ما هو سواه لا يغنيه شيئاً أبداً ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أَولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أَوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون العنكبوت- 41.
ومن الآيات التي تفيد التوحيد في التوكل والاستعانة ما يلي:
1-﴿وتوكل على الحيّ الذي لا يموت الفرقان- 58
2- ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أَمره... الطلاق- 3
3-﴿إياك نعبد وإياك نستعين الفاتحة


* التوحيد في الدعاء
وهو من مراتب الاستعانة والتوكل. يقول تعالى: ﴿فلا تدعوا مع الله أَحدا الجن- 18.
وفي مورد آخر يؤكد أن دعاء الإنسان لغير الله تعالى لا جدوى منه ولا يسمن ولا يغني من حاجة أبداً. ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أَمثالكم... الأعراف 194.
وإذا ترك الإنسان الدعاء لربه لشعوره بالاستغناء عنه تعالى فهذا من موارد التكبر عن عبادة الله تعالى. ﴿وقال ربكم ادعوني أَستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين.

* التوحيد في الخوف والرجاء
إن الخوف والخشية من الله وحده، ولا ينبغي أن يُخاف من غيره. ولماذا يُخشى غيره ما دام الله تعالى هو المؤثر الحقيقي في الوجود وكل ما عداه لا قدرة له على شي‏ء ولا ينفع ولا يضر شيئاً. فهو مالك الضر والنفع لا سواه. ولذلك ينهى الله سبحانه عن الخوف من المشركين ﴿فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين آل عمران- 75.
ولن يصل الإنسان إلى مقام تبليغ الرسالة حتى يخاف الله تعالى ولا يخاف من غيره مطلقاً. ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أَحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً الأحزاب- 39.
وفي مقابل الخوف، يكون الأمل والرجاء بالله وحده أيضاً. ومن يرجو شيئاً من غير الله تعالى مثله كحامل الماء وباسط كفيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه، أو كطالب سراب يجري خلفه حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً فلا ماء يدركه ولا ظمأ يطفيه. فالرجاء من الله فقط ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أَولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم) البقرة- 218.

* التوحيد في المحبة
الحب أصالة لله فهو المحبوب الحقيقي بالاستقلال. لأن الكمال الذاتي والجمال الذاتي عند الله ومن الله. وفي الحديث "إن الله جميل" أما حب الآخرين فهو بالتبع. ويعبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك بقوله: "أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله".
إن الأئمة عليهم السلام أكّدوا هذا المعنى في أكثر من مورد. إن مضامين الأدعية المأثورة عنهم زاخرة بالحديث عن حب الله تعالى والشوق إليه. فعن أبي عبد الله الحسين عليه السلام في دعاء عرفة: "إلهي.. ماذا وجد من فقدك وماذا فقد من وجدك..".
..عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً.
إلهي.. اطلبني برحمتك حتى أصل إليك واجذبني بمنك حتى أقبل عليك وعن زين العابدين عليه السلام في دعاء السحر:
"إلهي لو قرنتني بالأصفاد... ما خرج حبُّك من قلبي.. أنا لا أنسى أياديك عندي وسترك علي في دار الدنيا...
...اللهم املأ قلبي حباً لك وخشية منك... وشوقاً إليك..
." وكذلك في الأدعية الكثيرة مثل دعاء كميل والمناجاة الشعبانية والمناجاة الستة عشرة وغير ذلك.

إن التأكيد على حب الله يظهر لنا أهمية الحب في جعل الإنسان عبداً حقيقياً مطيعاً لله تعالى. فحب الله تعالى له الدور الرئيسي في الوصول إلى العبودية الحقة لله تعالى ولا يمكن لمن يحب الله المتعالي حباً حقيقياً أن يعصيه أو يخالف له أمراً. فعن الصادق عليه السلام قال: "ما أحب الله من عصاه".
ونظّم بعضهم هذا المعنى شعراً لطيفاً فقال:

هذا لعمري في الفعال بديع‏

تعصي الإله وأنت تظهر حبه‏

إن المحب لمن يحب مطيع

لو كان حبك صادقاً لأطعته‏

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع