منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

مع إمام زماننا: حتّى ظهور الشمس (3) (*)


آية الله الشيخ عبد الله جوادي الآمليّ


بعد عرض عدد من آثار سنّة الظهور في العدد السابق، ثمّة مسائل أخرى مرتبطة بالظهور، منها ما سنأتي على ذكره في هذا المقال: زمن قيام القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف وبعض المظاهر العامّة لعصر الظهور.

* زمان قيام القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف 
إنّ وقت ظهور الحجّة القائم بالحقّ غير معلوم، كما لا يحيط به إلّا الله تعالى أو من أعلمه الله بذلك. وقد ورد في بعض الأخبار أنّ زمان الظهور كزمان يوم القيامة: "إنّما مثله كمثل الساعة: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ (الأعراف: 187)"(1).

فزمان الظهور من الأسرار الإلهيّة، ولا اعتبار لأيّ وقت يحدّده الوقّاتون، بل نهى الأئمّة المعصومون عليهم السلام عن التوقيت، كما ورد ذلك عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام. عن عبد الرحمن بن كثير قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه مِهزَمٌ فقال له: جُعلت فداك، أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره، متى هو؟ فقال: "يا مهزم، كذب الوقّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلّمون"(2). وعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف فقال: "كذب الوقّاتون. إنّا أهل بيت لا نوقّت"(3).

ولا يخفى، أنّ عدم تعيين وقت الظهور والتأكيد على كتمانه لا يعنيان بالضرورة عدم اطّلاع الإنسان الكامل على زمانه، بل للإنسان الكامل الذي له إحاطة كاملة بإذن الله بتمام عوالم الإمكان اطّلاع على نتائج العلم الأزليّ وساحة العلم المقرون بالبداء، فلا يُستثنى من ذلك زمان الظهور. إلّا أنّ مصلحة عدم تحديد وقت الظهور، تقتضي كتمان هذا السرّ. ويشهد له ما أفاده الإمام الصادق عليه السلام لأبي بصير، إذ لم يقل له: إنّنا لا نعلم بوقت الظهور، بل قال له: "إنّا أهل بيت لا نُوقِّت". ولا شكّ في أنّ يوم ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف أحد أبرز مصاديق أيّام الله، فينبغي لكلّ مسلم أن ينتظره انتظاراً واعياً صادقاً.

* المظاهر العامّة لعصر الظهور
إنّ وضع العالم قبيل ظهور خاتم الأولياء عليه السلام سيكون كما كان عليه الوضع قبيل ظهور خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقد كان للناس مِللٌ متعدّدة ونِحلٌ متنوّعة في غفلةٍ عن أصول الأديان الإلهيّة والقوانين البشريّة وإعراضٍ عن المواثيق الدوليّة، معتبرين الأهواء الفرعونيّة القانون الحاكم السائد بينهم في تمام المناسبات والأحداث، حسبما يُستفاد من قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ (طه: 64).

وعلى أثر القراءات المتعدّدة للدين، قد تواجه الكتب الإلهيّة والمعارف الوحيانيّة(4) والمجتمعات الإنسانيّة، مشاكل معقّدة، لم يشهدها العصر النبويّ؛ وذلك أنّ أكبر معضلة كانت تواجه الناس آنذاك هي عبادة الأصنام الخشبيّة أو الحجريّة، التي لا يحتاج بيان فسادها وسقمها إلى مؤونة. إلّا أنّ في عصر الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف يختلف الوضع بحسب الروايات، منها: "القائم عليه السلام يلقى في حربه ما لم يلقَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاهم وهم يعبدون حجارةً منقورةً وخشباً منحوتة، وإنّ القائم يخرجون عليه، فيتأوّلون عليه كتاب الله، ويقاتلونه عليه"(5).

وفي ظلّ هذه الأوضاع الحسّاسة التي تكون الإنسانيّة فيها تحت سيطرة الأهواء النفسانيّة، والعقل تحت سلطنة الوهم والخيال، كما تؤوّل فيها المعارف الوحيانيّة والكتب السماويّة على أساس الآراء الباطلة، مع أُفول الفضائل والمكارم وغياب احترام العهود والمواثيق، تشتاق قلوب البشر إلى شمس الظهور وإلى انقشاع ظلمة الليل الديجور، فتتفتّق العقول، وتنكسر القيود التي كانت تكبّل السواعد: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: 157).

* بعض علامات الظهور
مع ظهور الوجود المبارك لإمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف ، ستقع جملة من الأحداث والعلامات ممّا يكون لبعضها أهميّة أكبر من غيرها:

1 - نزول المسيح عليه السلام: لعلّ نزول عيسى عليه السلام واقتداءه بصاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف في الصلاة من أهمّ تلك الوقائع الكائنة إبّان خروجه. أفاد الأستاذ العلّامة الطباطبائيّ رحمه الله: أنّ الروايات الواردة في نزول عيسى عليه السلام مع ظهور المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف من طرق أهل السنّة والشيعة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّة أهل البيت عليهم السلام مستفيضة ومشهورة(6).

قال جابر بن عبد الله الأنصاريّ: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أُمراء، تكرمةً من الله عزّ وجلّ لهذه الأمّة"(7). كما قال نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم؟"(8).

ولن يقتدي بإمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف المسيح عليه السلام وحده، بل سيتّبعه أكثر أهل الكتاب، فيأتمّون بصاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف ، ويصلّون خلفه، كما يشير إلى ذلك الأستاذ العلّامة الطباطبائيّ رحمه الله في ذيل تفسير الآية الشريفة: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (النساء: 159)، حيث حكى عن بعضهم ما يلي: قال الحجّاج لشهر بن حوشب: يا شهر، إنّ آية في كتاب الله قد أعيتني. فقلت: أيّها الأمير، أيّة آية هي؟ فقال: قوله: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. والله إنّي لآمر باليهوديّ والنصرانيّ، فيُضرب عنقه، ثمّ أرمقه بعيني، فما أراه يحرّك شفتيه حتّى يخمد. فقلت: أصلح الله الأمير، ليس على ما تأوّلت. قال: كيف هو؟ قلت: إنّ عيسى عليه السلام ينزل قبل يوم القيامة، فلا يبقى أهل ملّة يهوديّ ولا غيره إلّا آمن به قبل موته، ويصلّي خلف المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف . قال: ويحك أنّى لك هذا، ومن أين جئت به؟ فقلت: حدّثني به محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (الإمام الباقر عليه السلام ). فقال الحجّاج: جئت بها واللهِ من عينٍ صافية(9).

2 - حضور أصحاب الكهف: كما أنّ إحياء أصحاب الكهف وحضورهم لدى صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف من الأحداث والعلامات الأخرى التي أشارت إليها الأخبار(10).

3 - هلاك جيش السفيانيّ: من علامات الظهور سقوط جند السفيانيّ الملعون، وهلاكهم في الحرب ضد إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف .

4 - خروج خواصّ الشيعة: ومن علامات الظهور بعث خواصّ الشيعة من أولياء أهل بيت العصمة عليهم السلام: "فإذا قام قائمنا بعثهم الله، فأقبلوا معه يلبّون زمراً زمراً"(11). كما ورد عن مولانا أبي جعفر عليه السلام قال: "(حم) حميم، و(عين) عذاب، و(سين) سنون كسنّي يوسف عليه السلام، و(قاف) قذف وخسف ومسخ يكون في آخر الزمان بالسفيانيّ وأصحابه، وناس من كلب ثلاثون ألفاً يخرجون معه، وذلك حين يخرج القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف بمكّة، وهو مهديّ هذه الأُمّة"(12).

(*) من كتاب: الإمام المهديّ الموجود الموعود – الباب الثالث: من الظهور إلى المدينة الفاضلة، الفصل الأوّل، بتصرّف.
1- بحار الأنوار، المجلسيّ، ج 36، ص 341، الباب 41.
2- الكافي، الكليني، ج 1، ص 368، باب كراهية التوقيت.
3- المصدر نفسه.
4- الوحيانيّة: المتأتّية عبر الوحي.
5- الغيبة، النعماني، ص 297، الباب 17.
6- راجع: الميزان، الطباطبائي، ج 5، ص 146، تفسير سورة النساء.
7- بحار الأنوار، (م، س)، ج 51، ص 85 و93، الباب 1؛ وصحيح مسلم، ج 1، ص 95.
8- أعيان الشيعة، الأمين، ج 2، ص 51.
9- تفسير القمّي، ج 1، ص 158، تفسير سورة النساء.
10- انظر: الطرائف، ج 1، ص 83 و176؛ العمدة، ص 373.
11- الكافي، (م، س)، ج 3، ص 131، باب ما يعاين المؤمن والكافر.
12- البرهان في تفسير القرآن، ج 7، ص 64، تفسير سورة فصّلت؛ تأويل الآيات، ص 528، سورة (حم عسق).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع