منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

أدب الأنبياء: حبيب الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم


سكنة حجازي


النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حبيب الله تعالى وخاتم رسله وأنبيائه، أعلاهم مرتبة وأقربهم منزلة وأخصهم خطاباً.
لقد أخلصه الله له وأخلص نفسه لله تعالى حتى أفنى نفسه فيه تعالى فترك الدنيا وأعرض عنها وكما جاء في الحديث القدسي أن الله قد خبّره بين أن يكون ملكاً رسولاً أو عبداً رسولاً، فقال صلى الله عليه وآله وسلم بل عبداً رسولاً، والعبودية الحقة التي تكون في أعلى درجات العبودية الخالصة تلك التي يترك الإنسان فيها كل ما عدا الله تعالى، وقد تجلى هذا في آبائه الأنبياء عليهم السلام مروراً بجده إبراهيم خليل الله ليرتقي هو أعلى درجات سلم القرب الإلهي فيكون حبيب الله تعالى.


قال تعالى:
 ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ (آل عمران: 144).
 ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (الصف(6).
 ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾  (الأحزاب: 40).
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الأحزاب: 45).

1- طريق المحبة:
حتى يحب الإنسان أمراً يجب أن يعرفه فلا بد من معرفة الحبيب حبيبه ولكما تعرَّف إلى جماله وكماله أكثر ازداد حباً وشوقاً إليه، فكيف بالجميل المطلق؟ وعندما يعرفه حق معرفه لا شك سيعبده حق عبادته، إنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، سبحانه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ (السجدة: 7). وهذه الأشياء المخلوقة إنما تدل من جهة خلقها وحسنها على جماله الذي لا يتناهى وتحمده وتثني على حسنه الذي لا يفنى، وفي المقابل فإنها تدل من جهة نقصها على حاجتها إليه وغناه عنها.
والسالكون إليه تعالى يسلكون في معرفة الأشياء طريقاً هداهم إليها ربهم وعرِّفها لهم فتكون آيات له وعلامات لصفات جماله وجلاله فهي تجل للحسن اللامتناهي.
لذا لا يلبث الناظر إلى الكون بهذه النظرة أن تنجذب نفسه إلى ساحة العزة والعظمة والكبرياء، فيغشى قلبه من المحبة الإلهية ما ينسيه نفسه بل كل شي‏ء فيمحو صورة الأهواء والميول النفسانية عن باطنه ويبدل فؤاده قلباً سليماً ليس فيه إلا الله عز اسمه، قال تعالى: (والذين آمنوا أشد حباً لله) لذا كان أهل الحب مطهرين لتنزههم عن الأهواء والأولان المادية فلا يتم الإخلاص لله في العبادة إلاَّ عن طريق الحب.
وإذا كان النبي الأكرم والرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم دليل الحب إلى الله فكيف لا يكون حببياً له بل في أعلى درجات الحب، فقد قال تعالى مخاطباً إياه:  ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (آل عمران: 31).

2- الحب يورث الإخلاص:
ولكن كيف يورث الحب الإخلاص؟
ولماذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حبيباً مخلِصاً ومخلَصا؟
إن محبة الله تطهر القلب من التعلق بغيره، من كل زخارف الدنيا ومتعلقاتها من مال وبنين ونساء وجاه، حتى النفس وما لها من حظوظ، فهذا الإنسان لا يحب من الأعمال إلاَّ ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله فيرضى لرضاه ويغضب لغضبه وذلك هو النور الذي يضي‏ء له طريق العمل، قال تعالى؛ ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (المجادلة: 22).
من هنا كانت كل الموجودات الكونية والحوادث الواقعة، مما يفسره الآخرون بخير أو شر، أو كبير- خطير، أو صغير- حقير، محببة مستحسنة، إذا يراها آيات محضة يتجلى له ما وراءها من الجمال المطلق، فهو محبور مسرور لا غمَّ وألم ولا حزن في كل ذلك. وقد أشار الله تعالى بقوله: ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُون﴾َ (يونس: 63).
وهذه المرتبة لا يتعقلها أو يفهمها فضلاً عن الإحساس بها الإنسان العادي وإنما الأولياء المقربون الفائزون بقربه تعالى إذ لا يحول بينهم وبينه شي‏ء مادي ولا يصل الشيطان إلى تزيينه لهم بوهم أو خيال، بل يفيض عليهم ربهم علم اليقين ويكشف عنده من الحقائق المستورة عن الأعين المادية، قال تعالى: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (المطففين: 21).

وهذا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل بيته (عليهم السلام) يعطون المثل الأعلى والقدوة الأمثل في التخلي عن الدنيا وماديتها فيما تنقله الرواية عنه عندما دخل منزل ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) فوجد عندها ستاراً معلقاً وعقداً قد غنمها الإمام علي عليه السلام من إحدى المعارك ضد المشركين، فعبس ورجع دون أن يعلق على الأمر، وفهمت أم أبيها (عليها السلام) ماذا يقصد، عندها حمّلتها لولديها الحسن والحسين (عليهما السلام) وقالت لهما أعطيا هذه لجدكما ليبيعها ويتصدق بها على فقراء المسلمين وقولا له هذا كل ما أحدثنا من تغيير. وعندما قالا له ذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: فداها أبوها، فداها أبوها، فداها أبوها، ما لمحمد وآله زويت الدنيا عنهما.

وهؤلاء المقربون هم المتوكلون حقيقة على الله المفوضون إليه الراضون بقضائه، المسلّمون لأمره فلا يرون إلاَّ خيراً ولا يشاهدون إلاَّ جميلاً يستقر في نفوسهم الملكات الشريفة والأخلاق الكريمة بما يلائم التوحيد، فهم مخلِصون لله في أخلاقهم كما كانوا مخلصين في أعمالهم.
وأما إخلاص نفسه لله فهو إخلاصه تعالى إياه لنفسه ولا يري العبد أنه يملك من نفسه شيئاً إلاَّ بالله، فالله سبحانه وتعالى هو المالك الحقيقي لما ملكه إياه.

3- المُخلصون في القرآن:
والدرجة الأرقى والأرفع في ذلك كله هم العباد الذين خُلقوا وفُطروا على الاستقامة والاعتدال ونشؤوا من بادئ‏ الأمر بأذهان وإدراكات صحيحة ونفوس طاهرة وقلوب سليمة فنالوا بمجرد صفاء الفطرة وسلامة النفس من نعمة الإخلاص ما ناله غيرهم بالاجتهاد والكسب بل أعلى وأرقى لطهارة داخلهم من التلوث بألوان الموانع والمزاحمات وهم المخلصون في عرف القرآن الكريم وهم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام). وقد نصَّ القرآن الكريم على أنه اجتباهم وهداهم لنفسه وأخلصهم لحضرته، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون﴾َ  (الأنعام- 88).
بما فيها من إشارة إلى إمكان إشراكهم ولكن الفعل فعلهم الاختياري.

4- النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد المُخلَصين:
وقد تربّع خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وحبيب إله العالمين صلى الله عليه وآله وسلم في أعلى درجات المخلَصين، حيث تجرّد من كل ما يمت إلى الدنيا بصلة أو رابط، لذا لا نرى في خطابه مع الله تبارك وتعالى أي طلب أو دعاء خاص من أي جهة من الجهات بل أعلى وأرقى فإن الله تعالى دائماً يخاطبه وقد عاتبه أكثر من مرة لشدة عبادته وتواضعه له وفنائه في الله تعالى، قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم:
 ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ (طه- 201).
ولشدة عبادته وتعلقه وفناء نفسه في المولى عز وجل ينقل عنه أن كان ساجداً بعد صلاة الليل يدعو بهذا الدعاء: "إلهي سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، وهذه يداي وما جنيته على نفسي، يا عظيم ترجى لكل عظيم، أغفر لي العظيم فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلاَّ الرب العظيم...".
وسألته زوجته: ألا يكفيك أن الله قد جعلك سيد الأولين والآخرين؟ أجابها: أو لا أكون عبداً شكوراً؟


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع