منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

عاشوراء ومحاولات التشويه‏



فضيلة الشيخ مصطفى قصير


كانت وما زالت عاشوراء تمثل روح الإباء والتحرر والثورة على الظلم والتحدي الطغيان، ورغم أن هذه النهضة المباركة قامت على أسس ثابتة وأهداف واضحة، ورغم أن الشعارات التي رفعها الإمام الحسين عليه السلام كانت واضحة كالشمس في رابعة النهار، وكذلك فيما يرتبط بشعارات أعدائه، رغم كل ذلك لم تنجُ هذه الحركة العظيمة من محاولات الدس والتشويه والتحريف.

وليس ذلك- باعتقادنا- إلا لأن النهضة الحسينية تجاوزت بحسب آثارها وأهدافها ومنطلقاتها حدود زمانها ومكانها اللذين وقعت فيهما، لتشكل تهديداً لكل مظاهر الظلم والطغيان، ولترسم معالم نهج قائم مستمر، ولتزرع روح التضحية والفداء في نفوس الأباة من الأمة، وتبعث الدم الثائر في عروق الأحرار.

حدث على هذا المستوى من التأثير لا يتوقع له أن يسلم من هجمات حكام الجور وصنائعهم الذين يقتاتون على فتات موائدهم.
فهم وإن أمكنهم قتل الإمام الحسين عليه السلام وصحبه الأبرار وأهل بيته الكرام، إلا أنهم لم يتمكنوا من قتل روحه الشامخة التي تبعث الحياة كل يوم في أرواح المسلمين، ولم يتمكنوا من إطفاء نوره وإخماد جذوة ثورته، فمن الطبيعي أن يتصدى ورثة النهج اليزيدي بكل وسعهم لتشويه صورة هذه الثورة وتدنيس طهرها وصفائها والحد من قدرتها على الامتداد.
لكنّ كل محاولاتهم باءت بالفشل نظراً لما تختزنه عاشوراء من عناصر القوة والتأثير، وقد أثبتت الأيام ذلك.

محاولات التشويه والمحو من الذاكرة:
نظمت خلال القرون التي تلت واقعة الطف حرب شعواء للقضاء على نهج عاشوراء، وجرت محاولات كثيرة لمحوها من ذاكرة الأمة وتشويه صورتها، واتخذت هذه الحرب أشكالاً عدة:
الشكل الأول: تجريد واقعة كربلاء من الطابع الديني وإلباسها ثوب النزاع الشخصي أو الصراع الدنيوية على السلطة،كي تفقد قدسيتها وقدرتها على التأثير والاستمرار.

ومن أمثلة هذا النوع من التشويه:
1- أسطورة أرينب بنت إسحاق التي صيغت في محاولة لإرجاع جذور النزاع والخصومة بين الحسين عليه السلام ويزيد إلى أحقاد نشأت من قصة غرام مزعومة أخذت بقلب يزيد فحولته إلى عاشق موله، يتدخل فيها الإمام الحسين عليه السلام. على حدّ زعم الأسطورة، ليحول دون وصول يزيد العاشق إلى معشوقته، فجاءت عاشوراء كردّة فعل من يزيد للانتقام لقلبه المكسور.
هذه القصة التي لا شك بأنها موضوعة مختلقة، فيها عدد كبير من الشواهد الواضحة على ذلك وفق منهج البحث التاريخي، لا يسع المقام لذكر تفاضيلها(1) والمؤسف أن عدداً هذه الأسطورة في تحجيم الثورة الحسينية وهدم جذورها، وأركانها، فأوردها في سياق الفضائل، وعدّها آخرون شاهداً فسروا من خلال جذور النزاع، كما فعل عباس محمود العقاد الذي اكتشف من خلالها أسباب النفرة والخصام ظاناً أنه وضع يده على الداء، وهو توهم لا أساس له.

2- مقولة تصوّر الحسين عليه السلام متردداً في المضي قدماً إلى الكوفة بعد بلوغ خبر شهادة سفيره مسلم بن عقيل، بل عازماً على الرجوع من حيث أتى، لكن أخوة مسلم يأبون عليه ذلك ويصرّون على المتباعة لأخذ الثأر لدم مسلم، فلا يجد الإمام عليه السلام بداً من النزول عند رغبتهم، فيتورط في أحداث كربلاء(2).
هذه المقولة لا تنسجم مع الشواهد الكثيرة التي تدل على أن الإمام الحسين عليه السلام كان يعرف تماماً إلى أين يسيرد وإلى أين يمضي، وقد أخبر عدداً من أصحابه وأهل بيته بذلك، وليس أدل على ذلك من الشعارات التي رفعها قبل وبعد استشهاد مسلم بن عقيل.

3- محاولات أخرى انصبت على تصوير الحسين عليه السلام أنه طالب سلطة دنيوية، والتجرؤ عليه بمقولة أنه طلب السلطان فحرمه الله إياه، ومغزى هذا النوع من الاتهام إدخال النزاع في دائرة النزاعات والحروب المعروفة عبر التاريخ التي تنطلق من الرغبة الشخصية بالتربع على عرش السلطة، وهذا أيضاً يجرد الثورة من أهدافها الدينية وقدرتها على التأثير. ولا شك في بطلان هذه المزاعم.

الشكل الثاني: محاولة تبرئة يزيد من المسؤولية عما حدث في كربلاء، أو التخفيف من فظاعة الجريمة، وإلقاء تبعاتها على عبيد الله بن زياد خاصة كونه هو القائد والمخطط للمعركة.
من مصاديق هذه المحاولة ما أورده ابن عبد ربه الأندلسي أن يزيد بن معاوية عندما جاءه الرأس الشريف قال: "قبّحه الله ابن مرجانة أو ابن سمية. أما والله لو كنت صاحبه لتركته، رحم الله أبا عبد الله وغفر له"(3).

وكأن هؤلاء قد غفلوا عن الحقائق الكثيرة التي تناقض زعمهم وتحمل يزيداً كامل المسؤولية منها:
1- إقدام يزيد على عزل النعمان بن بشير واستبداله بعبيد الله بن زياد تمهيداً لهذه النتيجة ولم يفعل عبيد الله إلا ما أمر به.

2- إن يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم إلى مكة وأمره على الحجيج، وأمره بالقبض على الحسين عليه السلام أو قتله، ودس في الحجيج ذلك العالم ثلاثين رجلاً من شياطين بني أمية ليقتلوا الحسين عليه السلام على أي حال اتفق ولو كان معلقاً بأستار الكعبة كل ذلك دفع الحسين عليه السلام لتعجيل الخروج من مكة قبل الموسم.

3- مظاهر الاحتفال والابتهاج بالنصر عند مقدم الرؤوس والسبايا إلى الشام، وتصرفات يزيد الشنيعة عند إدخال السبايا والرؤوس إلى مجلسه، ونكث رأس الإمام عليه السلام بقضيبه وإظهار الشماتة وعبارات الكفر واعتبار ما حصل ثأراً لأشياخه الذين قتلوا ببدر، وأمر بصلب الرأس الشريف في الشام، وغير ذك مما يدل على إصراره ومسؤوليته عن كل ما حدث.
وحتى لو سلمنا جدلاً بصدود تلك العبادة عن يزيد فهي في سياق الدهاء السياسي الذي يلجأ إليه حكام الجور أحياناً لتغطية جرائمهم.

4- شهادة معاوية بن يزيد ف خطبته التي ألقاها عندما ولي الأمر بعد أبيه حيث صرح فيها بأن أباه قتل عترة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأباح الخمر وضرب الكعبة المشرفة، وهي شهادة خيبر غير متهم(4).

الشكل الثالث: محاصرة قصة عاشوراء، والعمل على محوها من ذاكرة الأمة ووحدانها، والحيلولة دون تجذرها في قلوب الناس، وهذا الإجراء حاء في صور عدة:
الأولى: منع رواية مقتل الحسين عليه السلام وإقامة المآتم الحسينية، هذا المطلب كان يعمل على تحقيقه بأسلوبين، متكاملين ومتناسقين، الأول: كان في عهدة وعاظ السلاطين الذين أفتوا بحرمة إقامة مآتم العزاء وحرمة رواية مقتل الحسين عليه السلام.
والثاني: كان في عهدة أزلام السلذة وجلاوزتهم الذين مارسوا المنع بالقوة والقتل والإرهاب، في محاولة للحيلولة دون تجدد الذكرى وبقائها في ذاكرة الأمة ومشاعرها وأحاسيسها.

ومن نماذج الأسلوب الأولى ما حكاه ابن حجر عن الغزالي وغيره من قولهم:
"يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين وحكاياته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم فإنه يهيج على بغض الصحابة والطعن فيهم وهم أعلام الدين..."(5).
هذا النوع من الفتاوى كان يصدر استجابة لرغبة حكام الجور ولخدمة أغراضهم، وفيه من المغالطة ما لا يخفي، فإنه متى كان قتلة العترة النبوية المطهرة من أعلام الدين؟! ومتى كان الذين يعيثون في الأرض فساداً من أعلام الدين، وممن يجب المحافظة على ماء وجوههم بمثل هذه الفتاوى؟!.

وأما إقامة المآتم فقد أفتى بتحريمها بعضهم معتبراً إياها ليست من دين الإسلام وعدها من البدع، رغم أنه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله:
"من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث لها استرجاعاً وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثلها يوم أصيب"(6). والاسترجاع يتخذ أكثر من تعبير منها المآتم.
ولعل إصرار الشيعة ومحبي أهل البيت عليهم السلام على إقامة المآتم الحسينية وتجديد ذكر هذه المصيبة عند كل حدث وبشكل دوري وموسمي، جاء في سياق وإرادة المحافظة على بقاء عاشوراء حية حاضرة في وجدان الأمة وفي سياق مواجهة تلك المواجهات المتقدمة.

وأما المنع بالقوة واستعمال العنف والهجمات الشرسة على مجالس عاشوراء، فقد حفلت به كتب التأريخ منذ بدأت هذه المجالس تأخذ شكل المراسم الرسمية. فمنذ منتصف القرن الرابع والهجمات الدموية على المجالس تتصدر أحداث الأعوام الهجرية، ولا زلنا حتى الآن نسمع أصداء هجمات متجددة في الباكستان والهند وغيرهما من البلاد، هذه الهجمات الشرسة والدموية تكشف عن حقد دفين وعصبية عمياء يغذيها المتضررون من كربلاء ومن نهج عاشوراء.

والثانية: التركيز على قطع علاقة الناس بعاشوراء من خلال قطع علاقتهم وارتباطهم بالحسين عليه السلام نفسه، وكربلاء باعتبارها المدفن والروضة وساحة الواقعة والمأساة والثورة.
فقد منع الناس من زيارة المقام الشريف للإمام عليه السلام، باعتبار أن الارتباط بالقبر والتردد لزيارته، خاصة من الأصقاع البعيدة يترك أثراً في النفس ويحيي حالة المودة والارتباط بصاحب القبر وينميها، ويثير العاطفة الجياشة من كوامنها، وهو ما لا يريد أئمة الجور حصوله، والتاريخ يحدث عن إجراءات صارمة اتخذت في هذا المجال(7).

وعندما لم تفلح الإجراءات ولا التهديدات ولا القيود صير إلى هدم القبر الشريف وحرقه ومحو أثره، وقد تكرر ذلك مرات عديدة(8) دون جدوى، وبقيت العلاقة مع كربلاء ومع الحسين عليه السلام وعاشوراء تزداد وثاقة وقوة، وبقي الحائر الحسيني رمزاً في وجدان الأمة.

الشكل الرابع: تحويل يوم عاشوراء إلى عيد وهو ما أسس له الأمويون وتابعه أصحاب النهج الأموي.
فقد ورد في الزيارة المشهورة: "وهذا يوم فرحت به آل زياد وآل مروان بقتلهم الحسين صلوات الله عليه".
وقد تصدى المأجورون لوضع الفضائل لهذا اليوم وادعاء بعض المستحبات الخاصة كالصوم والاغتسال والاكتحال والتوسيع على العيال وإظهار الفرح والسرور، كما يفعل في الأيام المباركة والأعياد عادة(9).

وقد نسجت روايات مزعومة تضفي شرعية على كل واحدة من هذه البدع بغية إكمال الحصار وقلب الحقائق وتشويه الصورة. ومن الجدير بالذكر أن هذه الروايات متهافتة متناقضة تتضمن ما لا يجوز نسبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يسع المقاوم لاشتعراضها وكشف التهافت فيها، وهي واضحة لمن أراد المراجعة والبحث.

* التشويع الحاصل بأيدي المحبين:
ما تقدم كان محاولات التشويه الذي دأب عليه أعداء عاشوراء والمتضررون منها، ومن المؤسف أن نوعاً آخر من التشويه تعرضت له عاشوراء على أيدي الموالين لأهل البيت عليه السلام نتيجة الشعور بالحاجة إلى التجديد والاسترسال في الوصف المأساوي، مما قد يدخل الإساءة إلى الثورة المباركة عن غير قصد، ولكي لا تخلوا دراستنا المختصرة من إشارة إلى ذلك سأختم الكلام بالتعرض إلى هذا الموضوع باختصار شديد.
فقد كانت وما زالت المآتم الحسينية تشكل مناسبة لتعميق وتجذير النهج الحسيني ونشر الثقافة العاشورائية، وأدى ذلك إلى دخول الواقعة في الأدبيات والتراث الفني، ولم يخل الأمر من مسحة خيال يلتمسها الخطباء لإضفاء روح التجديد، وساعد على ذلك حرصهم على الجانب المأساوي المؤثر، وربما جهد البعض منهم على تجاوز الصورة الواقعية في بعض التفاصيل التي قد لا تنسجم مع الواقع، إلاّ أن ذلك لم يبلغ حداً خطيراً يؤذن بالقضاء على الثمرة المطلوبة، خاصة أن المصادر الموثوقة بقيت هي المرجع في الدراسات والتحقيقات، ولم تتجاوز الصور الخيالية الحالة الشعبية الخاصة، والمحدودة كما هو واضح.
ومع ذلك فينبغي الدعوة لكتابة السيرة الكربلائية بأقلام أهل التحقيق، والتأكيد على أهمية توخي الدقة في النقل بغية الحفاظ على روح عاشوراء وصفائها وإشراقتها، لا سيما في هذا الزمن الذي عاد فيه نهج كربلاء ليتجسد في مسيرة الثورة الإسلامية والمقاومة الإسلامية المظفرة.
 

 

1- القصة ومصادرها وملاحظات الأستاذ المحقق السيد جعفر مرتضى عليها في كتابه دراسات في التاريخ والإسلام 1- 155.
2- ابن كثير: البداية والنهاية 8- 182.
3- ابن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد 5- 123، وقريب منه في تاريخ الإسلام للذهبي حوادث سنة 61ه، والإمامة والسياسة لابن قتيبة 2- 76.
4- ابن حجر: الصواعق المحرقة- 134.
5- ابن حجر: الصواعق المحرقة- 133.
6- ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم- 229- 300.
7، 8- راجع: موسوعة العتبات المقدسة للخليلي 8- 257- 258، 270، 271، وأعيان الشيعة للسيد الأمين 1- 627، 629، وتاريخ الطبري 7- 365.
9- الزرندي: نظم درر السمطين- 230، المقريزي: الخطط والآثار 1- 490، السيد جعفر مرتضى: المراسم والمواسم- 84.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع