منبر القادة: إنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ وصيّة الأمير عليه السلام: تقوى الله(1) أيام الله: ليلة القدر وليالٍ عشر خيرٌ من ألف شهــر وإليــــك يـــا ربِّ مدَدْتُ يــدي التربية الإيمانيّة فــي الصحيفـــة السجّاديّــة هل الدعاء يردُّ القضاء؟ ادعوني أستجب لكم الدعاء في كلمات الإمام الخامنئـيّ دام ظله  مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*)

لنحفظ جسور الأمان

  الشيخ يوسف سرور

يحقّ للناس أن يبحثوا عن العوامل التي تجمع الأقوام وتشكّل المجتمعات والأمم، بل تلك التي تصنع اللُّحمة بين أفراد الأسر، ولا سيما في مجتمعاتنا الشرقية، وخصوصاً الإسلامية منها، وذلك رغم التباين الموجود بين الجماعات في الغايات والمنطلقات، ورغم الاختلاف القائم بين الأفراد في الأهداف والدوافع، وكذلك في الأذواق والطباع، وكذلك في المزاج والتفكير. وأكثر من ذلك، فإننا نجد أحياناً التفاوت واضحاً في كلّ ذلك عند الفرد الواحد بين فترة وأخرى. فما الذي يؤلّف بين الناس؟ وهل لذلك دخالة في تحقيق البعد الإنساني أو التعبير عنه، أم أنه خاصٌّ بالدين الإسلامي، حيث ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (آل عمران: 19) ولسان الأنبياء عليهم السلام يؤكِّد ذلك؟

سؤالان وجيهان يستحقّان الإجابة عنهما. إضافة إلى سؤال ثالث عن القناطر التي تنتقل عبرها هذه العوامل الجامعة من جيل إلى جيل على امتداد الزمن وفي عرض وجود النوع البشري.


*ما يؤلّف بين الناس
قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (الأنفال: 63).
تصرّح الآية الكريمة أنّ الله تعالى ألَّف بين المؤمنين، وأزال الضغائن من نفوسهم، وجمعهم على غايات وأهداف ومنطلقات ودوافع واحدة بعد أن كانوا متفرّقين لا يجمعهم شيء حتى لو كان ملء الأرض جميعاً.
والإيمان بالأصل هو فطرة مودعة في نفوس كلّ بني البشر، لا يتخلّف عنها أحد في أول خلقته. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (الروم: 30). والفطرة عبارة عن الرؤى والاتجاهات المغروسة في أعماق الإنسان وهي مشتركة بين جميع أفراد الإنسان، فهي ذاتية غير اكتسابية1. ويتّضح من خلال تصفّح التاريخ أنّ أفراد الناس كانوا باحثين دوماً في الدين والإيمان، رغم اختلافهم في القومية والثقافة والجغرافيا. وقد فتح الله سبل الهداية إلى هذه الحقيقة للإنسان.
ومن عطاياه سبحانه العقل، الذي به يدرك الإنسان الحقائق ويحكم على الأشياء، ويؤلّف ويستخلص ويستنتج، وبه يدرك ما يصلحه وما يفسده.

وبالعقل يدرك أنّ إرادة الخير للآخرين، وكفّ النفس عن التعدّي عليهم، وحفظ حقوقهم، إنّما يساعد في إجراء القواعد وتعميمها، وبذلك، يمكن أن نتحدّث عن انبثاق ضوابط عامة وقواعد رئيسة بين كلّ البشر، وهي التي يمكن أن نسمّيها القيم.
ثمّ إنّ هذه القيم هي التي تحقّق الانتظام العام، وعلى أساسها يتم سنّ القوانين وابتداع الأنظمة، وتفريع التشريعات بحيث تتحدّد الواجبات والحقوق الفردية والجماعية، المادية منها والمعنوية، لا سيما الحديث هنا في التشريعات الإلهية.

*هل القيم إنسانية أم إسلامية؟
مقتضى الفطرة "أنّ لقلب الإنسان ارتباطاً عميقاً بخالقه... ولكنّ أكثر الناس لا يلتفتون إلى هذه العلاقة القلبية، ولا سيما أثناء الحياة الاعتيادية حيث يكون الناس غارقين في أمور دنياهم، ولكنّهم يستطيعون الانتباه إلى وجود هذه العلاقة القلبية عندما ينصرفون في اهتمامهم عن كلّ شيء عداها" 2.
ففطرة الإنسان تدفعه لطلب الكمال، وإنّ عقله يدفعه لتحقيق المقدّمات، والرسالات الإلهيّة بيّنت في تفصيل لا يدع عذراً للمتعلّلين، كلّ ما يرشد إلى ذلك ويحقّقه. فإنّ التلاقي المدهش بين تلك الحجج الباطنة (الفطرة والعقل) والظاهرة (الرسالات الإلهية) على الدفع باتجاه التزام القيم لتحقيق الكمال الإنساني وبلوغ سعادة الدارين، يدعو إلى إيلاء الأهميّة القصوى لهذه القيم، وإعطائها الأولوية، وجعلها معياراً ومقياساً أعلى في ميزان المصالح والمفاسد ويبيّن أنّ الإسلام يحقّق معنى الإنسان.

*النماذج الماثلة
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أصل الإنسان لُبّه، وعقلُه دينُه، ومروّته حيث يجعل نفسه"3. وعنه عليه السلام: "المرء بفطنته لا بصورته"4. لقد رسمت لنا كلمات الله وأوليائه مسار الحياة، وبيّنت المعيار الذي يحقّق الموازنة، وكذلك فقد قدّم العزيز الحكيم النماذج الكاملة التي تستحقّ أن تُتّخذ أسوة وقدوة، لما تختزنه شخصياتها من قيم الحقّ والفضيلة، وعبّرت عنه بلسان الحكمة والسداد ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ (الجمعة: 2) وجسّدته بأحسن السلوك وأقوم الأخلاق ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم: 4). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب: 21). من أجل ذلك أيضاً، أمر هذا النبيّ العظيم باتّباع أهل بيته عليهم السلام، حيث فِكْرُهم وقولهم صياغة للقيم، وفعلهم ترجمانها، إذ هم "أعلام الهدى"، و"مصابيح الدجى"، و"الكتاب الناطق"، و"الصراط المستقيم". لذلك، كانوا "سفينة النجاة" و"حبل الله المتين" و...


*جسور الأمان
تمثّل القيم قلعة حصينة تقي من يلجأ إليها من السقوط في منحدرات الهوى ومنزلقات الأمر بالسوء، وتردع عن اتباع خطوات الشياطين. لكن هذه القلعة تحتاج إلى من يذود عنها، وسفينة القيم تتطلّب وجود أصحاب بصيرة لتوصل ركابها إلى برّ الأمان وشاطئ النجاة. فعلى من تقع مسؤولية حفظ القيم وحماية بذرتها في نفوس الأجيال لتنتقل عبرها إلى أبناء المستقبل الذي نريده مليئاً بالقسط والعدل؟!
1- الأهل: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ (التحريم: 6)، فمسؤولية الأهل أن يعينوا أنفسهم وأبناءهم ويزرعوا فيهم قيم الخير ليُحققوا توازن الحياة الدنيا ويحصلوا على أمان الآخرة. ومن القيم مثلاً برّ الوالدين، والإحسان إليهم. ولا يكون ذلك فقط بالقول، بل بتعليمها للأبناء وبالعمل.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "رحم الله من أعان ولده على برّه"5. وعن الصادق عليه السلام: "برّ الرجل بولده برّه بوالديه"6.

2- العلماء: الذين يملكون حضوراً مميّزاً في الوجدان الجمعي عبر التاريخ، والذين لولاهم لما وصل إلينا الإسلام، والموجودون في المساجد وعلى المنابر ولهم إطلالة على معظم شرائح المجتمع.

3- المدارس: إنّ قدرة المدارس على حفظ القيم ونقلها إلى الأجيال، هي قدرة حاسمة، وذلك من خلال المناهج الصحيحة ومن خلال تقديم النماذج الإيجابية: إدارة وأساتذة وهيئات تعليمية، وذلك من خلال التواصل الإيجابي مع الأجيال المختلفة، ومن خلال تحقيق تكامل ممكن مع الأهل.

4- وسائل الإعلام: ولعلّ أكثر ما يؤثّر في نقل القيم أو منع انتقالها وزعزعتها في نفوس الأجيال هو وسائل الإعلام، وذلك في عصر وسم نفسه بها، وطغت عليه أسلحتها، حتى صارت سطوتها موضع إقرار واعتراف كلّ فعاليات المجتمع.
وهناك الكثير من فعاليات الأمة التي تقع عليها مسؤوليات في هذا المضمار، كلٌّ بحسب تأثيره وطاقته...


1- راجع: معارف القرآن، اليزدي، ج1، ص29.
2- م.ن، ج1، ص30.
3- بحار الأنوار، المجلسي، ج1، ص82.
4- غرر الحكم ودرر الكلم، القاضي الآمدي، ح2167.
5- كنز العمال، الهندي، ح45417.
6- مكارم الأخلاق، الطبرسي، ج1، ص475.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع