مع الإمام الخامنئي: الممرّض.. ملاك رحمة (*) مع إمام زماننا: حتّى ظهور الشمس(1)(*) أسرتي: زوجي يحبّني.. بصمت كتابٌ... قد يغيّر حياتك أول الكلام: كيف نتصرّف في مجلس المعصية؟ مجالسنا كيف نراها؟ لا تألفوا مجالس البطّالين مجالس تحفّها الملائكة من آداب المجالس في الإسلام مع الإمام الخامنئي: بشارة الشهادة (*)

مجالس تحفّها الملائكة



الشيخ محمّد الحْمُود


تختلف آثار المجالس باختلاف مضامينها ومناسباتها، فثمّة مجالس لا يُحبَّذ الجلوس فيها؛ لأنّها تُبعد الإنسان عنِ الله تعالى، وتُؤثّر فيه سلباً، وتُلقي بظلالها على أخلاقه وسلوكه وطريقة تفكيره، وثمّة مجالس ممدوحة محفوفة بالملائكة، تزيد الإنسان قرباً من الله تعالى؛ فما هي هذه المجالس الممدوحة التي تؤكّد عليها الروايات؟

•مجالس ذكر الله 
إنّ مجالس ذكر الله هي من أهمّ المجالس الممدوحة، فكم هو رائع أن تقضي بعضاً من وقتك في مجالس الذكر التي تحفّها الملائكة، كمجالس تلاوة القرآن الكريم والدعاء، وسِيَر أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم، ومجالس الوعظ والإرشاد الدينيّ... هذه المجالس تقرّبك من الله تعالى وتزيدك علماً وعملاً. 

فقد رُوي عنِ النبيّ الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: "ما جَلَسَ قَومٌ يَذكُرونَ اللّهَ إلّا نادى بِهِم مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: قوموا؛ فَقَد بُدِّلَت سَيِّئاتُكُم حَسَناتٍ، وغُفِرَ لَكُم جَميعاً، وما قَعَدَ عِدَّةٌ مِن أهلِ الأَرضِ يَذكُرونَ اللّهَ، إلّا قَعَدَ مَعَهُم عِدَّةٌ مِنَ المَلائِكَةِ"(1). 

وقد أطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مجالس الذّكر وحلقات الذّكر مصطلح "رياض الجنّة"، وذلك حينما قال لبعض أصحابه: "ارتعوا في رياض الجنّة، قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنّة؟ فقال: مجالس الذّكر"(2). ممّا لا شكّ فيه أنّ حضور مجالس كهذه يخلق أجواءً تربويّة فكريّة وسلوكيّة تؤثّر تدريجيّاً في تحسين أخلاق المشاركين فيها وسلوكهم وقيمهم.

وإنّ المجالس التي يُذكر فيها أهلُ البيت عليهم السلام، على سبيل المثال، هي مجالس ذات قيمة عالية، تمتاز بمستوىً من الحبّ والودّ، وينبعث منها عبق الجنّة وأريجها، ما يجعل الملائكة ولهين مشتاقين إلى حضورها، وإلى تعطير ذواتهم بعبقها الفوّاح. رُوي عن أمّ المؤمنين أم سلمة (رضي الله عنها) أنّها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "ما قوم اجتمعوا يذكرون فضل عليّ بن أبي طالب إلّا هبطت عليهم ملائكة السماء حتّى تحفَّ بهم، فإذا تفرَّقوا عرجت الملائكة إلى السماء، فيقول لهم الملائكة: إنّا نشمُّ من رائحتكم ما لا نشمُّه من الملائكة، فلم نرَ رائحة أطيب منها، فيقولون: كنّا عند قوم يذكرون محمّداً وأهل بيته، فعلق فينا من ريحهم فتعطَّرنا، فيقولون: اهبطوا بنا إليهم، فيقولون: تفرَّقوا، ومضى كلّ واحدٍ منهم إلى منزله، فيقولون: اهبطوا بنا حتّى نتعطَّر بذلك المكان"(3). 

•مجالس العلماء والحكماء والصالحين
لقد أكّدتِ النصوص الدينيّة على مجالسة المؤمنين للعلماء؛ لأنّها تُثريهم علماً، وتزيدهم تُقىً وصلاحاً، كما رُوي عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: "جَالِسِ الْعُلَمَاءَ يَزْدَدْ عِلْمُكَ، وَيَحْسُنْ أَدَبُكَ، وَتَزْكُ نَفْسُكَ"(4)، و"عجِبْتُ لِمَنْ يَرْغَبُ فِي التَّكَثُّرِ مِنَ الْأَصْحَابِ كَيْفَ لَا يَصْحَبُ الْعُلَمَاءَ الْأَلِبَّاءَ الْأَتْقِيَاءَ، الَّذِينَ يَغْنَمُ فَضَائِلَهُمْ، وَتَهْدِيهِ [تهذبه‏] عُلُومُهُمْ، وَتُزَيِّنُهُ صُحْبَتُهُمْ"(5).

وكذلك أوصى لقمان الحكيم عليه السلام ابنه بذلك، بل وبمزاحمتهم بالرُّكَب: "يا بُنيّ، جالسِ العلماء وزاحمهم برُكْبَتَيْك، فإنَّ الله عزّ وجلّ يُحيي القلوب بنور الحكمة كما يُحيي الأرض بِوابل السماء"(6).

وأوصتِ النصوص الدينيّة كذلك بمجالسة الحكماء وأهل الورع؛ لما في مُجالستهم من حياةٍ للعقول، وتنويرٍ للقلوب، وشفاءٍ للنّفوس، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "جَالِسِ الْحُكَمَاءَ، يَكْمُلْ عَقْلُكَ، وَتَشْرُفْ نَفْسُكَ، وَيَنْتَفِ عَنْكَ جَهْلُكَ"(7)، و"جَالِسْ أَهْلَ الْوَرَعِ وَالْحِكْمَةِ، وَأَكْثِرْ مُنَاقَشَتَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ جَاهِلاً عَلَّمُوكَ، وَإِنْ‏ كُنْتَ عَالِماً ازْدَدْتَ عِلْماً"(8).

وكذلك أوصت بمجالس الصالحين، لما لها من أثرٍ كبيرٍ في الإصلاح والتغيير، كما عنِ الإمام زين العابدين عليه السلام: "مَجالس الصّالحين داعية إلى الصّلاح"(9).

•مجالس الفقراء والمساكين
كثيرٌ من النّاس بحاجة إلى يد حانية تُرَبِّتُ على أكتافهم في أوقات المصائب، وتقوّم انكسارهم في أوقات الآلام، وتقدّم لهمُ المساعدة عند الحاجة، وتُدخل السُّرُورَ إلى قلوبهم، ومُجالسة هؤلاء لها أثر كبير في تقوية روحيّة التّواضع والقرب من الله تعالى، ففي حديث المعراج قال الله تعالى: "... يا أحمد! محبّتي محبّة الفقراء، فأَدْنِ الفقراء، وقرّب مجلسهم منك، وأبعدِ الأغنياء، وأبعد مجلسهم عنك، فإنّ الفقراء أحبّائي"(10)، كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "تَمَسْكَنوا وأحِبُّوا المَساكِينَ، وجالِسُوهُم وأعِينوهُم..."(11).

واعلم، أنّك بمُجالستك للفقراء والمساكين ستشعر أيضاً بقيمة ما أنعمه الله تعالى عليك، وستزداد تواضعاً وشكراً له، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "جالسِ الفقراء تزددْ شُكْراً"(12). 

•مجالس العمل الاجتماعيّ والثقافيّ
لا تقتصر المجالس الممدوحة على الشؤون الدينيّة فحسب، بل تتعدّاها إلى الندوات الفكريّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والصحّيّة.. وحتّى إلى المجالس الّتي تتضمّن أعمالاً ترفيهيّة، أو رياضيّة... فالإنسان بحاجةٍ ماسّةٍ إلى هذه المجالس، وقد ورد عنِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "روّحوا القلوب ساعة فساعة"(13). 

•المجالس الأسريّة
ثمّة مجالس قد يغفل الإنسان عن أن يعطيَها حقّها بسبب كثرة مشاغله، وهي المجالس الأُسريّة الّتي تشمل الوالدَين والزوجة والأولاد.

وأَبدأُ بالوالدين، فمُجالستهما والتحدّث إليهما وتبجيلهما، والنّظر إليهما برحمة، وخدمتهما هي من أعظم أنواع البرّ، كما ورد أنّ "أفضل الكسب كسب الوالدَين، وأفضل الخدمة خدمتهما، وأفضل الصّدقة عليهما، وأفضل النّوم بجنبهما"(14). ولقد أوصى الإمام الخامنئيّ دام ظله الشباب بهما، فقال: "أَيُّهَا الشباب.. عليكم أن تُحبّوا والديكم، وأن تُبرزوا لهم هذا الحبّ، وأن تُكنّوا لهمُ الاحترام والتّقدير، وأن تُطيعوهم"(15).

وكذلك ينبغي مجالسة الأبناء، وإشعارهم بالرّحمة والمودّة، وتخصيص أوقات لقضائها معهم والتحدّث إليهم فيها، لما لذلك من تأثير إيجابيّ في سلوكهم.

كما ينبغي للزوج ألّا يهمِل مُجالسةَ زوجته، فيعطيها بعضاً من وقته حتَّى تشعر بوجوده، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ لأهلكَ عليكَ حقّاً، وإنَّ لضيفكَ عليكَ حقّاً، وإنَّ لنفسكَ عليكَ حقّاً..."(16)، و"جلوس المرء عند عياله أحبُّ إلى الله تعالى منَ اعتكاف في مسجدي هذا"(17).

وفي هذا المضمار، يُحكى عن السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه) أنَّه "كان يستغلّ أيّ سانحة من الوقت ليجالس زوجته أمّ ياسر، وكان يصنع القهوة ويجلس وإيَّاها على شرفة المنزل"(18).

•"كلّكم مسؤول عن رعيّته"
في الختام، نذكّر بوصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي قال فيها: "ألا كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيته... والرّجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم"(19).

لذا، ينبغي للشابّ المتزوّج أن يوازن بين عمله والاهتمام بوالدَيه وزوجته وأولاده، فالكلّ محتاجٌ إلى مجالسته، وينبغي له أن يعطيَهم بعضاً من وقته، ويخصّص لكلٍّ منهم بعضاً من اهتمامه، وأن يُبادر إليهم بما يحبّونه ويجعلهم سعداء، فهذا الاهتمام، مترافقاً معَ العاطفة، يُمتّن الرّوابط الأسريّة، ويؤلّف بين قلوب الأفراد. من هذا المنطلق، يوصي الإمام الخامنئيّ دام ظله المتزوّجين بقوله: "نحن نوصي الرّجال دائماً بأنْ لا يُعرضوا عن بيتهم وحياتهم عندما يكون لديهم عمل، بعضهم يخرج من الصّباح الباكر إلى العاشرة ليلاً... كلّا! نحن نوصي الأشخاص الّذين بإمكانهم أنْ يعودوا وقت الظّهر إلى بيوتهم، أن يتناولوا الغداء مع زوجاتهم وأطفالهم ولو لساعة واحدة، ثمَّ يعودوا إلى عملهم ليعودوا بعدها إلى بيوتهم أوّل اللّيل ليجلسوا مع أطفالهم وتكون هناك لقاءات حقيقيّة"(20).

1. روضة الواعظين، النيسابوريّ، ص39.
2. عدّة الداعي، ابن فهد الحلّي، ص238.
3. بحار الأنوار، المجلسيّ، ج38، ص199.
4. عيون الحكم والمواعظ، الليثيّ الواسطيّ، ص223.
5. (م.ن.)، ص330.
6. بحار الأنوار، (م. س.)، ج1، ص204.
7. عيون الحكم والمواعظ، (م. س.)، ص223.
8. موسوعة أحاديث أهل البيت عليهم السلام، ج10، ص144.
9. تحف العقول، الحرّانيّ، ص283.
10. إرشاد القلوب، الديلميّ، ص201.
11. ميزان الحكمة، الريشهريّ، ج1، ص403.
12. عيون الحكم والمواعظ، (م. س.)، ص222.
13. كنز العمال، المتّقي الهندي، ج3، ص37.
14. جامع أحاديث الشيعة، البروجردي، ج21، ص426.
15. من كلمة الإمام الخامنئيّ دام ظله بمناسبة عقد اللقاء السّنويّ للاتحادات الإسلاميّة.
16. كنز العمّال، المتقي الهندي، ج3، ص33.
17. ميزان الحكمة، (م.س.)، ج2، ص1186.
18. الوصول، مشاهد من حياة امرأة مثال، ص204.
19. إحقاق الحقّ، التستريّ، ص302.
20. خطبة العقد المؤرخة 18/6/1376 هـ. ش.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع