مع الإمام الخامنئي: الرسول مظهر الوحدة الإسلاميّة(*)  نور روح اللّه: آداب القراءة في الصلاة مع إمام زماننا: وظائف المنتظرين(4)(*) قرآنيات: تفسير سورة الماعون (1)(*)  أخلاقنا: الأسرة والحاجة المعنويّة(*) تعزية عليّ بن الحسين عليه السلام والتكافل الاجتماعيّ التربية الروحيّة في دعاء مكارم الأخلاق الحياة السياسيّة للإمام السجّاد عليه السلام في فكر الإمام الخامنئي دام ظله أول الكلام: شوقٌ إلى الحسين عليه السلام

أخلاقنا: الأسرة والحاجة المعنويّة(*)


آية الله الشيخ حسين مظاهري


ليست الحاجات العاطفيّة وحدها التي يحتاج إليها أفراد الأسرة، على الرغم من أهميّتها الكبيرة في خلق أجواء من الألفة والمحبّة بينهم، وهو ما أشرنا إليه في العدد السابق، بل ثمّة حاجة إضافيّة أخرى، هي الحاجة المعنويّة، التي سنتعرّف إليها في هذا المقال.

* الحاجة المعنويّة: غذاء الروح
مثلما يحتاج الإنسان إلى إرضاء جسده، فهو يحتاج أيضاً إلى إرضاء روحه، وذلك لأنّه يمتلك بُعدين: الأوّل ماديّ مقرون بالرغبات، والثاني روحيّ مقرون بالمعنويّات. لذا ينبغي القول إنّ الإنسان يمتاز عن الحيوان ببُعدَيه اللذين يحتاجان إلى غذاءَين: غذاء ماديّ من مثل الأكل، وغذاء روحيّ، الذي إذا ما تُرك ولم يُهتمّ به، أصبح الإنسان مثل الحيوان، بل قد يكون أسفل مرتبةً. 

* فاقد الروحيّة
إنّ الشخص الذي يفتقر لإشباع بُعده الروحيّ، فاقدٌ للروحيّة، وهو كمريض الجسد الذي يشعر بعدم الارتياح، وعلى حدّ قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "نعمتان مكفورتانِ(1): الأمن والعافية"(2)؛ فالمريض جسديّاً لا يقوى على فعل شيء، ولكنّ الإنسان في بعض حالاته يكون سليم الجسد مريض الروح، وإذا ما مرضت الروح أضحى وضعه خطيراً جدّاً؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى الوقوف مقابل القرآن المجيد، والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، وحينها يتأتّى له تأويل الآيات القرآنيّة وفق ما ينسجم وروحه المريضة:  ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: 7). إنّ الذي تموت روحه وتمرض، لا يقتصر الخطر عليه فقط، بل يتعدّاه إلى جميع أفراد مجتمعه، بدءاً من الأقربين مِنْ مثل ابنه وابنته وزوجته، لذا ينبغي لنا أن نهتمّ كثيراً بالمسائل المعنويّة في المنزل، فالرجل يراقب حالة زوجته المعنويّة، والمرأة تراقب زوجها أيضاً، والاثنان يتابعانها عند أولادهما، كي لا تتعارض الروح مع الجسد. قد نرى -على سبيل المثال لا الحصر- من لا يولون أهميّة تُذكر لهذه الأمور، على الرغم من أنّهم يهتمّون كثيراً بملبس أبنائهم ومأكلهم، وعندها يضحى الابن كالغدّة السرطانيّة التي يستشري داؤها هنا وهناك.

* ما هو غذاء الروح؟
إنّه الصلاة والصيام وقراءة القرآن المجيد، إنّه الدعاء والتبتّل، والنهوض في قلب الليل لمناجاة ربّ العالمين.

فالمرأة التي لا تصلّي، وإذا ما صلّت نقرت كنقر الغراب، لا تأمن أن ينزل على دارها، وعلى زوجها وعلى أبنائها، البلاء في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (التحريم: 6).

أيّها السيّد المؤمن! ابتعد عن الصفات الرذيلة وقساوة القلب، كي لا تصبح وقوداً للنار الحامية، وعليك بالصلاة والارتباط بالله العليّ العظيم، ومن ثمّ تعليم أبنائك وزوجتك. عليكما -أيّها الزوجان- أن تكونا من أهل القرآن المجيد، من أهل الدعاء، من أهل الالتزام بالفرائض التي فرضها الباري تعالى على عباده، من القائمين في الليل للمناجاة والتبتّل، لكي تسموَا إلى حيث الترفّع عن الموبقات والإساءات والمعاصي. فالرجل وامرأته إذا لم يبلغا حالة إقامة الصلاة في أوقاتها، تتهاوى روحاهما رويداً رويداً حتّى تصلا إلى عدم الاهتمام بهذا الغذاء الروحيّ، وعندها تموت الروح، فلا يختلف عندها كثيراً عن الحيوانات التي لا تمتلك إلّا الغرائز.

إنّ المنزل الذي يخلو من الصلاة تسوده القسوة والوحشيّة، حتّى لو كان جميل المظهر. فالبنت أو الصبي اللذان يصلّيان ولكن آخر الوقت، وعلى عجلةٍ من أمرهما، قد يتفلّتان من صلاتهما بعد مدّة، ويضيعان مع من ضاعوا، إلّا إذا شجّعهما الأبوان على الالتزام بأداء الصلاة في وقتها، عند ذاك ستشملهما رعاية الباري تعالى. وليعلم الجميع، أنّ الباري جلّت أسماؤه، لو رفع عنايته من على رؤوسنا لحظةً واحدة، لكنّا في ضياع عجيب، وضلال ما بعده ضلال.

* اهتمّوا بصلاتكم
أيّها الفتيان! أيّتها الفتيات! إذا أردتم أن تكونوا سعداء في الدنيا والآخرة، اهتمّوا بصلاتكم، وكونوا مؤدّبين في أدائها أمام الجبّار المتكبّر كيلا تمرض قلوبكم. وفي الحقيقة، إنّ القلوب المريضة هي تلك القلوب الصدِئة التي ترى الصلاة ثقيلةً، ولا تشعر بلذّة حينما تقف أمام الحيّ الذي لا يموت. وليعلم الذي يشعر بلذّة حينما ينظر إلى ما حرّم الله تعالى، أنّه مريض روحيّاً، وينبغي أن يُعالَج، وإذا لم يفعل ذلك واسودّ قلبه، فلا يفلح بعدها أبداً. عن الإمام الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام: "إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتةٌ سوداء، فإن تاب انمحت، وإن زاد زادت حتّى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً"(3). وقال عزّ من قائل في محكم كتابه المجيد: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ﴾ (الزمر: 22).

* مقرّ الشياطين
هل تعلم إلى أين سيصل المنزل الذي لا يُسمع فيه غير أصوات الأغاني والموسيقى؟ وهل تعلم أنّ الاغتياب الذي يمارسه كلٌّ من الرجل وامرأته، علاوةً على التهمة وإشاعة الفساد، يجعل من منزلهما مقرّاً للشياطين والمردة من الجنّ؟! والأهمّ من ذلك كلّه، هل تعلم أنّ المعصية بشكل عام، تطبع على الإنسان صفات رذيلة تبقى ملاصقة له حتّى دخوله القبر، وجهنّم الحامية، وأنّها تضرّ بالقلب بسرعة، وتؤثّر فيه سلباً بشكل عجيب، بحيث تمنع صاحب القلب ذاك من التزام الأعمال الخيّرة؟ عن الإمام جعفر بن محمّد عليه السلام: "إنّ الرجل ليذنب الذنب فيُحرم صلاة الليل، وإنّ العمل السيّئ أسرع في صاحبه من السكّين في اللحم"(4).

* إطفاء نار الرذيلة
إنّ الصفات الرذيلة لا يمكن قلع جذورها بسهولة، وإنّها لتحتاج إلى فترة زمنيّة طويلة كي ينتهي منها المبتلَى بها، فإذا ما تمكّن منها فسوف يستطيع زرع شجرة الفضيلة. والجدير بالذكر أنّه لا يوجد منّا من هو خالٍ من صفات رذيلة؛ وعليه، يجب أن نسعى بجدّ وبسرعة لقلع جذور هذه الصفات التي لا تؤدّي بنا إلّا إلى الخسران العظيم، لا سمح الله تعالى. إنّ الصفات الرذيلة تشبه إلى حدّ ما قبساً من نار جهنّم، فإذا سارعنا إلى إطفائها، بلغنا النجاة إلى ساحل الصفات الحميدة، وإن لم ننجح في ذلك، تفاقمت تلك النار وأصبح إطفاؤها صعباً مستصعباً، بل قد يضحى مستحيلاً.

وثمّة مسألة مهمّة وخطيرة يجب إلفات النظر إليها، ألا وهي مراقبة الحاجات المعنويّة، فلا يُطعمنّ أحدكم أبناءه -والعياذ بالله- طعاماً حراماً؛ لأنّ ذلك سيؤدّي بالأولاد إلى الاستخفاف بالصلاة وانهيار المعاني الروحيّة لهم، وبذلك موت المحبّة مع موت أرواحهم ليضحى المنزل زنزانة مظلمة، موحشة بلحاظ القضايا النفسيّة والروحيّة، كما يصف القرآن الكريم: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ (النور: 40).

(*) من كتاب الأخلاق البيتيّة، الفصل السابع – بتصرّف.
1- أي: غير المشكورتَين. 
2- الخصال، الصدوق، ص 34. 
3- الكافي، الكلينيّ، ج 2، ص 271. 
4- (م، ن)، ص 272. 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع