مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

قراءة في كتاب‏: الالتقاط الفكري والتحجّر العقائدي‏ في نظرة العلامة المطهري‏

الأستاذ محسن آجيني‏

إن للتحقيقات والأبحاث التي تناولها مفكر الثورة الإسلامية العلامة الشهيد مطهري لوناً خاصاً وطابعاً فريداً، من نوعه، من حيث الانتقاء المرتكز على حاجات المجتمع والأفراد وما تقتضيه متطلباتهم... فقد كان العلامة الأستاذ دائماً السبّاق إلى طرح وبحث المواضيع التي تجد لها في المجتمع- خصوصاً في المحافل الطلابية- أسئلة كثيرة تقتضي الدراسة والتوضيح، خاصة في الظروف الصعبة التي مرت بها إيران قبل انتصار الثورة وسائر البلاد الإسلامية من تشتت الأفكار والتغرب والابتعاد عن الإسلام وقيمه في ظل الحملات الاستعمارية الموجهة ضد شعوبنا الإسلامية. وكان من بين المواضيع التي تعرض لها العلامة في كثير من خطبه ومواقفه بشكل متفرق موضوعا "الالتقاط الفكري والتحجر العقائدي" اللذان يشكلان عنوان الكتاب الذي بين أيدينا حيث عرض مؤلفه الأستاذ محسن آجيني لنظرة العلامة المطهري في هذين الموضوعين، وذلك من خلال مجموعة مقالات للعلامة كان قد تناولها فيها، ومن خلال مواضيع متفرقة أخرى. كما ويتضمن الكتاب تعليقات وتوضيحات للأستاذ آجيني مما بلور الأفكار التي طرحت فيه بشكل جيد.

والذي يتميز به هذا الكتاب عدة أمور هي:
1- بلورته للفكر الإسلامي الأصيل عند الأستاذ الشهيد.
2- تبيانه لعمق النظر في الأشياء لدى العلامة الشهيد وشمولية اطلاعه على الفلسفة الإسلامية والغربية.
3- خروج المطلع عليه بفكرة كاملة متكاملة عن هذين الموضوعين الهامين، خصوصاً في زمن كهذا، كثرت فيه المذاهب الفكرية، وطرحت فيه أفكار ومفاهيم قد تبدو في الظاهر ملجأ للضال الذي ما يلبث أن يكتشف زيفها وتهافتها.
4- إبرازه لقدرة مؤلفة الأستاذ آجيني وبراعته في التأليف والجمع بين أفكار العلامة واختيار العناوين المتناسبة معها، ووضع كل عنوان في مكانه المناسب مما زاد موضوع البحث تماسكاً وصلابة.
ترجم الكتاب رعد هادي جبارة. وأصدرته منظمة الإعلام الإسلامي.

هذا وقد جاء الكتاب في فصلين توزعت موضوعاتهما على الشكل التالي:

* الفصل الأول‏
1- الالتقاط الفكري: وهو من الأخذ، وفي الاصطلاح أخذ قسم من فكر أو نظرية وخلطه بمضامين نظرية أخرى. ويمكن تقسيم الالتقاط من ناحيتين، من حيث الكيفية ومن حيث النظريات والمدارس الفكرية، إلى نوعين: فالالتقاط من حيث الكيفية ينقسم إلى:

أ- الالتقاط العلني: كأن نحل الاقتصاد الاشتراكي محل الاقتصاد الإسلامي وهذا ما هو عليه الحال في كثير من البلدان الإسلامية. وهذا النوع من الالتقاط قليل الخطر بالنسبة إلى النوع الثاني من الالتقاط الذي سيلي ذكره.

ب- الالتقاط الخفي: وهذا يعمل على الأخذ من النظريات الأجنبية بشكل خفي وضمها إلى النظريات الإسلامية وصبغها وتسويغها باسم الإسلام. وهذا الالتقاط أيضاً على نوعين:
1- جزئي: وهو الذي يؤخذ فيه جزء من نظرية غربية ويسوق باسم الإسلام.
2- كلّي: وهو الذي تؤخذ فيه نظرية غربية بكاملها وتسوق ويتم عرض جميع المسائل الاقتصادية والفكرية والأخلاقية والسياسية والتاريخية للدين على أساسها ومن خلالها. وهذا النوع من الالتقاط هو من أخطر أنواع الالتقاط حيث أنه يعرض الأفكار باسم الدين والدين منها براء.

أما بالنسبة للتقسيم الآخر الذي اعتبرنا فيه المدارس التي يؤخذ منها فالالتقاط على نوعين:
أ- التقاط من المدارس الغربية: كالليبرالية والوجودية والرأسمالية.
ب- التقاط من المدارس الشرقية: وهذا النوع من الالتقاط بدأ مؤخراً بعد آب- أيلول 1941م نتيجة لظهور الماركسية ونشوء حزب توده المتأثر بالأفكار الماركسية التي شاعت بين بعض المثقفين الذين كانوا يعانون مشكلة فقدان الهوية مما جعلهم يرتمون في أحضان مثل هذه المدارسة.

2- أنماط الالتقاط الفكري وفقاً لمؤلفات الشهيد المطهري: وهي التالية:
أ- العقلانية المفرطة: وهذه تتلخص بإعطاء الأصالة للعقل في مقابل الوحي، واستقلال العقل عن الوحي وحلوله محله. وهذا النوع من الالتقاط نشأ متأثراً بالثقافات الغربية التي تستند بشكل أساسي إلى العلم والعقل التجريبي. ويأتي على رأس المصممين لهذا المنهج العالم الباكستاني إقبال الذي كان على الرغم من النبوغ والبروز اللذين تميز بهما، واطلاعه الواسع على الثقافات الغربية، قليل الاختصاص والمعرفة في مجال الثقافة الإسلامية- حسبما رأي العلامة المطهري.

والآثار المترتبة على هذا النوع من الالتقاط، حسبما يراها العلامة المطهري أيضاً، تتمثل بـ:
1- إحلال العقل البشري محل الوحي: وهذه المقولة تشكل ختم فلسفة الديانة لا ختم النبوة فحسب.
2- اعتبار العقل مستقلاً وعدم الحاجة لهدايته بواسطة الوحي: وهذه الفكرة مستقاة من الفهم الخاطى‏ء لختم النبوة حيث اعتبر البعض كإقبال أن ختم النبوة يعني ارتفاع حاجة البشر عن التعاليم الإلهية نتيجة بلوغهم ونضجهم الفكري.
3- الفهم الخاطئ‏ للاجتهاد في عصر الخاتمية: وأصحاب هذا المنهج العقلاني المفرط يفسرون الاجتهاد بأنه استغناء عن كل ما هو قديم والبحث المستقل فيما هو جديد (في الطبيعة والتاريخ) ولا شك في تهافت هذا التفسير.
4- اعتبار المعجزة والأدلة الغيبية متضادة مع الرشد والبلوغ العقلي للبشر حيث أن أنصار مذهب العقلانية المفرطة اعتبروا أن المعجزة وخوارق العادات تعود لمرحلة طفولة البشر ولا حاجة لنا بها في عصر بلغ البشر فيه النضوج الفكري (أي مرحلة الخاتمية).
وقد رد الشهيد المطهري على هذه الأفكار من خلال تبيانه لفلسفة ختم النبوة، واستشهاده بآيات القرآن الكريم على اهتمام القرآن بالأمور الغيبية وخوارق العادات، مع تركيزه على التعقل وإعمال الفكر، فالقرآن على حد تعبير الشهيد نفسه "يرى أن طريق الغيب يمر عبر الشهادة، وسبيل ما وراء الطبيعة والأمور المعقولة يمر عبر القضايا الحسية". كما وأن القرآن يجعل الإيمان بالغيب أول قائمة متبنياته وأسسه فيقول:
﴿ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذي يؤمنون بالغيب... وتجدر الإشارة هنا إلى أن نقد التفكير العقلاني المفرط لا يعني الحط من قيمة العقل والفكر، بل إن هذا يصب في محاولة تصحيح طريقة التفكير والسمار العقلاني، وإلا فإن مصادر التشريع العقلاني، وإلا فإن مصادر التشريع حافلة بالنصوص الرافعة من قيمة العقل والمعتبرة إياه حجة على بني البشر.

ب- النظرة العلمية المحضة
وهي المظهر الآخر من مظاهر الالتقاط، والمراد منها توجيه القضايا الإسلامية وتسويغها بالعلم التجريبي، وبعبارة أخرى فإن النزعة العلمية المحضة تعتبر محاولة لدراسة الإلهيات والمعارف الإسلامية بالأسلوب الحسي والتجريبي، قام بها بعض المثقفين المسلمين. وأما عن جذور هذا الفكر الالتقاطي وأسباب نفوذه إلى العالم الإسلامي فقد عزاه العلامة المطهري في كتاباته إلى انتصار الفلسفة الحسية والأسلوب التجريبي على المنهج العقلاني. أما في العالم الإسلامي فإنه يعود إلى الحملات التي شنّها الإخباريون ضد أي تفكير وتعمق وتدبر من جهة، وإلى النجاحات المتوالية التي أحرزها المنهج الحسي في كشف الطبيعة ومعرفتها من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة صعوبة التعمق في الفلسفة والقضايا الفلسفية. كل هذا أدى إلى اهتمام الكتاب المسلمين بهذا الأسلوب حتى وصل بهم الأمر إلى القول بإمكان التحقيق في الإلهيات عبر الأسلوب الحسي والتجريبي لا غير، وإلى القول بأن القرآن يرى أن طريق معرفة الله محصور في دراسة الطبيعة والمخلوقات والتدبر فيها باستخدام المنهج الحسي. كما ورأى أصحاب هذه النزعة أن العلوم التجريبية تنتهي بالشخص العابد إلى الإذعان بوجود الله تعالى.

وهذا ما لم يقبل به العلامة الشهيد، حيث رأى أن العلوم التجريبية لا تفيد إلا في التوصل إلى مخلوقية الطبيعة ووجود قوة أو قوى شاعرة وحاكمة على الطبيعة. أما بالنسبة لعلاقتها بالتوحيد فإنها لا تقدم في سبيله أية خدمات، وإنما الفلسفة هي التي تقوم بذلك.
 

ج- الرؤى المادية:
هنا بحث المؤلف الموضوعات الدينية التي حللت من خلال الرؤى المادية كما رآها العلامة الشهيد، ومن جملة هذه المواضيع، النظرة المادية للمجتمع والتاريخ والتي رأت أن التبدلات التاريخية والتحولات الاجتماعية ما هي إلا نتيجة لأوضاع وسائل الإنتاج، ورأت أن التاريخ يمر منذ نشوء المجتمعات الإنسانية حتى نهاية المجتمع الإنساني في خمس مراحل هي: المرحلة المشاعية، مرحلة الرق والاستعباد، مرحلة الإقطاع مرحلة الرأسمالية، وأخيراً مرحلة الاشتراكية- الشيوعية.
وقد سرت هذه الرؤية المادية إلى أذهان مثقفينا، فجعلوا يطابقونها بما جاء في القرآن الكريم، وتوصلوا إلى القول: بأن القرآن يؤيد النظرية القائلة بأن الوضع المعاشي يشكل البنية التحتية لكل منطلقات الإنسان الفكرية منها والأخلاقية والدينية والإيديولوجية، والقرآن يرى- على حد زعمهم- أن الكافرين والمنافقين والمشركين... الخ عادة ما يظهرون في أوساط الفئات المترفة والمرفهة، كما أن الأنبياء والمرسلين والأوصياء والصالحين عادة ما يظهرون في ثنايا الطبقات المستضعفة ومن هنا فلا يمكن تصنيف إنسان بالإيمان أو الكفر إلا بعد عرضه على هذا المحك. وفي رده على هذه الفكرة يرى الشهيد أن وجود المؤمنين عادة في الطبقة المستضعفة والكافرين في الطبقة المرفهة المستضعفة (بكسر العين) أمر خاطئ والدليل عليه النماذج القرآنية المؤمنة التي كانت تعيش حالة الوجاهة والسلطان والترف كمؤمن آل فرعون، وسحرة موسى، ونبي الله موسى عليه السلام، والرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا هو المحور الأول من المحاور الستة التي تناولها الشهيد في كتابه المجتمع والتاريخ وقام بنقدها.

المحور الثاني: يتلخص بكون المقصود من "الناس" المخاطبين في القرآن الكريم الجماهير المحرومة لا غير، وفي هذا اعتراف من قبل القرآن بالشعور الطبقي. وفي رده على هذا التفسير الخاطئ‏ يقول الشهيد: "صحيح أن القرآن وجه خاطبه ل "الناس" ولكن الناس هو جمع للإنسان وهو مفهوم يشمل الناس كافة" فلا وجه إذاً لهذا التخصيص.

المحور الثالث: ومفاده نهوض القادة والمصلحين والشهداء من بين الجماهير المحرومة فقط واستدلوا على ذلك بالآية الكريمة:
﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم. أما جواب الأستاذ عليه فتمثل بأن هؤلاء لم يعرفوا المعنى المقصود من الأمة التي تعني جماهير الشعب عامة لا المؤمنة منه فحسب. ثم إن الأميين مرجعها إلى الأم لا الأمة.

المحور الرابع: ويفيد بأن الهدف من بعثة الأنبياء هو إقامة العدل والقسط وهذه أهداف اقتصادية لها الأولوية في مقابل الأهداف المعنوية التي تعتبر ذات أهمية أقل. وفي معرض رده على هذا القول يقول الأستاذ أن: "الأنبياء ليسوا كما يتصور المتصوفة، ممن يصبون كل اهتمامهم لإصلاح الإنسان من خلال تحريره داخلياً- أي يقطعون صلته بالأشياء- ولا هم مثلما تعتقد بعض المدارس المادية يرون أن إصلاح العلاقات الخارجية وتقويمها كافيان لإصلاح الصلاة الداخلية وتقويمها. فالقرآن الكريم يقول في آية واحدة وفي آن واحد: ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله. و"إن أدنى دراسة وتعمق في أسلوب الأنبياء وأولياء الله تظهر أن الأنبياء وخلافاً للمصلحين ومدّعي الإصلاح البشري يبدأون عملهم من الفكر والعقيدة والإيمان والهيجان المعنوي والعشق الإلهي والتذكير بالمبدأ والمعاد".

المحور الخامس: أن منطق الأنبياء كان دائماً منطق المستغلين (بفتح الغين) ومنطق مخالفيهم منطق المستغلين (بكسر الغين). ومبعث هذا الأمر هو المنطلق الطبقي لكل من الأنبياء ومخالفيهم. وقد رد الشهيد على هذه المقولة: بأن ما يمكن استخلاصه من القرآن الكريم هو عدم كون جميع مخالفي الأنبياء من الطبقة المرفهة والمستغلة، بل زعماؤهم كانوا كذلك، أما عن كون منطق الأنبياء منطق التحرك والتعقل وتجاهل السنن الموروثة والقائمة فهو أمر طبيعي، والذي صاغ ضمائرهم على هذا الشكل ليس الغبن الطبقي، بل لأنهم وصلوا في إنسانيتهم وفي مستوى التعقل والعواطف الإنسانية إلى الرشد والكمال.

المحور السادس: ومفاده أن القرآن يعتقد مثلما تعتقد المادية التاريخية بأن الصراع الطبقي سيتمخض في النهاية عن انتصار طبقة المحرومين والمستضعفين، ويستشهدون على ذلك بالآية الكريمة: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. وفي رده على هذا يقول العلامة أن التفسير الطبقي والمادي لهذه الآية هو تفسير باطل، إذ أن الآية مترابطة مع الآية التي سبقتها والآية التي لحقتها وبالنظر إلى تينك الآيتين يتضح أنها لم تكن بصدد تبيان قاعدة عامة وكلية، وإن القرآن الكريم ذكر في آيات أخرى بيان مجرى تكامل التاريخ بصورة أخرى.

د- تفسير القرآن من خلال الرؤى المادية: نمط يطرحه الأستاذ الشهيد من أنماط الالتقاط الفكري هو تفسير القرآن الكريم تفسيراً مادياً ومحاولة إضفاء صبغة إسلامية على الأفكار المقتبسة من النظريات الغربية، من خلال مزجها بآيات القرآن الكريم، وذلك ليكسبوها وجهة صحيحة. وهذا النوع من أنماط الالتقاط هو من نوع الالتقاط الخفي الذي هو- كما أشرنا سابقاً- من أخطر أنوع الالتقاط. وكان لأصحاب هذا النمط تفسيرات للقرآن لا تمتّ إلى الإسلام بصلة.

هـ- الرؤية المادية للتاريخ الإسلامي: ولم يقتصر الالتقاطيون على تفسير الكتاب تفسيراً مادياً بل تعدوه إلى النظر إلى التاريخ الإسلامي من هذا المنظار، فجعلوا يفسرون التاريخ الإسلامي حسبما تشتهي أهواؤهم، ويبذلوا جهدهم في هذا المجال في الترويج للاشتراكية والنظريات المادية الأخرى التي تتطابق مع التاريخ الإسلامي حسبما يدعون.

و- الاجتهاد الحر: ويعني هذا النمط الاعتراف بحق وحرية الاجتهاد للذين يفتقدون المواصفات والكفاءات المبنية في الاجتهاد الفقهي. وهذا نابع من تفريط البعض بسخاء وكرم- بالإسلام، حيث أنهم يجعلون المتطلبات والروح العصرية السائدة في زمانهم معياراً للإسلام دون جعله هو معياراً للحق والباطل، وقد أتى هذا النمط نتيجة للنزعة التجديدية المفرطة. والآثار المترتبة على هذا النمط من التفكير ستكون سلبية جداً حيث تحل الرؤى الشخصية محل مصادر والأدلة الشرعية، وبالتالي فمن الطبيعي أن تدخل على الدين أفكار ورؤى جديدة ومبتدعات لا تمتّ إلى الدين بصلة.كما أن هذه الفكرة (الاجتهاد الحر) أضحت حرية ضد سلك رجال الدين، وفي حال تطبيقها، فإن الحاجة إليهم تنتفي، وعندها سيكون الشي‏ء الوحيد المفقود هو الدين.
والجدير ذكره أن رفض فكرة الاجتهاد الحر لا تعني التغافل عن متطلبات العصر ومقتضياته، بل يوجد في الإسلام نوع من الاجتهاد التقليدي هو "الاجتهاد المتطور" الذي يعنى بمواكبة الزمان والمكان، بل والتقدم عليهما خطوة، لحل جميع المعضلات المستحدثة على ضوء الإسلام والشريعة السمحاء.

ز- انتقال القيادة من العلماء إلى المثقفين: وهذه الفكرة ليست جديدة بل هي ذات جذور ضاربة في العمق؛ والذي يبدو من الاطلاع على تاريخ إيران السياسي أن ولادة هذه الطبقة لم تكن شرعية منذ البداية، حيث تمتّ من خلال إرسال البلاط القاجاري عدداً من الشبان إلى بلاد الفرنجة للدراسات العليا وأثر عودتهم ظهرت النوة الأولى لهم واستمرت متمثلة إلى اليوم بمن يسمون ب "المثقفين". وقد بيّن العلامة أن خطر هؤلاء الذي يتمثل بتظاهرهم بالتديّن الذي يحمل وراءه بعداً عن الإسلام وتعاليمه، وأنهم إنما حملوا الدين شعاراً للوصول إلى أهدافهم وغاياتهم والتي أولها سلب القيادة من أيدي العلماء- وذلك بعد أن رأوا الطابع الديني هو المنتشر بين الناس.
وبهذا ينتهي الفصل الأول من الكتاب.

* الفصل الثاني‏
يعالج المؤلف في هذا الفصل النمط الانحرافي الآخر الذي ظهر هذه المرة في الحوزة العلمية الدينية ألا وهو "التحجر" الذي لم يألْ الشهيد المطهري جهداً إلى جانب ثلة من العلماء الأعلام في محاربته، والذي عانى منه الإمام الخميني قدس سره ما عاناه أيضاً وكافح في نضاله وسعى للقضاء عليه. وبعد أن يذكر المؤلف بعض مواقف الإمام الخميني من هؤلاء المتحجرين وكلامه عما كابده منهم يعرج على شرح معنى التحجر المشتق لغة من الحجر المعبر عن الصلابة والصعوبة، والذي يعني في الاصطلاح الجمود وانعدام المرونة والليونة. ويمكن النظر إلى التحجر من زاويتين:

إيجابي: وهو الذي يكون في العقائد والأصول الدينية الثابتة التي لا تقبل التبدل ولا التغير.

سلبي: وهو الذي يكون في الأصول والعقائد والمفاهيم التي تقبل التبدل والتغير كالأحكام الفرعية وغير الضرورية في الدين التي تنخرط في نطاق عمل الاجتهاد، وكفهمنا للأصول والعقائد الثابتة الذي يقبل التكامل والإصلاح. ولا شك أن المقصود من التحجر في هذا البحث هو التحجر الثاني لا الأول. بعد هذا العرض لمفهوم التحجر يتنقل الكاتب إلى ذكر أنواع التحجر وهي:
1التحجر في العقيدة: (أي في فهمها لا في ثوابتها وأصولها).
2- التحجر في العلم: كأن يعتقد ثبات نظرية علمية ما وعدم قابليتها للتغيير.
3- التحجر في العمل: كأن يعتقد بصحة العمل الذي يقوم به ويواظب عليه بشكل لا يقبل الخطأ.

وهناك نوعان آخران من أنواع التحجر ذكرهما المؤلف من زاوية أخرى هما:
1- تحجر العوام.
2- تحجر الخواص.
بعد ذلك انتقل المؤلف إلى ذكر جذور التحجر وأسبابه والتي عزاها إلى أمرين.
أ- الجهل وعدم المعرفة.
ب- التكبر والغرور.

أما عن الجذور التاريخية للتحجر فإن هناك ثلاث فئات كان لها دور مهم في إيجاد ظاهرة القشرية هي:
1- مذهب الخوارج: ولعل مذهب الخوارج هو أول مصداق للتحجر والجمود في تاريخ الإسلام. وقد أثر هذا المذهب كثيراً في المذاهب الأخرى. وعلى الرغم من عدم استمراريته- نتيجة أسسه ومبانيه الخاطئة- فإن روحه لا تزال تسري في كثير من الفرق والمذاهب.
وينقل المؤلف في مجال تبيين عقائدهم وأفكارهم مقتطفات للعلامة المطهري من كتابه "الجذب والدفع في شخصية الإمام علي عليه السلام". فيبيّن من خلالها مدى تحجرهم وجمودهم وتخطئتهم للعقل والتي أبرزها:
1- تكفير علي وعثمان ومعاوية وأصحاب الجمل وأصحاب التحكيم وتكفير كل من لا يقول بكفر هؤلاء.
2- وجود التمرد والثورة على الحاكم الجائر مهما كانت الظروف لأنهم يعتبرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبين إلهيين غير مشروطين بشرط. ومن هنا فإن هؤلاء، كما يقول الشهيد "استيقظوا صباحاً فوجدوا، طبقاً لعقائدهم، أن جميع الناس الموجودين على الكرة الأرضية كفرة، فاعتبروهم مهدوري الدم ومخلدين في النار.

2- الأشاعرة: وهو التيار الآخر الذي يتميز بالجمود والقشرية والسطحية في العالم الإسلامي. فقد أنكر هؤلاء حسبما جاء في مؤلفات الشهيد "قيمة التفكير والأفكار العقلية المحضة والحسابات الفلسفية الخالصة". وادعوا أن من واجب المسلمين أن يكتفوا- تعبداً- بظاهر التعابير المروية، وألا يتفكروا أو يتدبروا في أعماق المعاني، وأي سؤال وجواب وتأويل وتوجيه يعتبر، ينظرهم، بدعة. وهذا النمط من التأثير قد أثر تأثيره البالغ على العالم الإسلامي، فوجه بذلك ضربة كبيرة للحياة العقلية فيه.

3- مذهب الإخباريين: الفئة الثالثة التي امتازت بالتحجر والقشرية في التاريخ الإسلامي هي فئة الإخباريين الذين ظهر مذهبهم في مقابل مذهب الاجتهاد. وهؤلاء يعتمدون في كل صغيرة وكبيرة على الأخبار والأحاديث المروية عن النبي وآل بيته، فلا حجية لغيرها بما في ذلك مصادر التشريع الأخرى كالقرآن والعقل والإجماع. كما أن هؤلاء يقرون بحجية أي حديث مروي عن النبي أو الإمام مهما كان ضعيفاً. هذا وقد ضرب العلامة المطهري نماذج لقشريتهم وسطحيتهم في النظر إلى الأمور كان نقلها عن آية الله وحيد البهبهاني. وهكذا ظل مذهب الأخباريين معطلاً للعقل بشكل كلي ولفترة طويلة إلى أن كتبت له الهزيمة على يد آية الله الوحيد البهبهاني وأستاذ الفقهاء الشيخ الأنصاري.

وبالانتقال إلى الحديث عن ملامح التحجر فقد ذكر العلامة المطهري عدة ملامح له هي:
1- الركود الفكري وتعطيل العقل.
2- ضعف الأسس والمرتكزات العقائدية.
3- النظرة السطحية (الضحالة الفكرية).
4- التقدس الأجوف الزائف.
5- ضيق الأفق والنظر.
6- الرجعية وعبادة القديم.
7- إعوجاج الفهم والجهل.
8- الرياء وخداع العوام.

النقطة الأخيرة التي بحثها المؤلف في موضوع التحجر العقائدي من وجهة نظر الأستاذ المطهري كانت أنماط التحجر ومجالاته، والتي تمثلت بـ:
التحجر في فهم العقائد والأصول النظرية، التحجر في أداء العبادات وإنجاز الفرائض الدينية، التحجر في القضايا الأخلاقية، التحجر في فهم التاريخ، والتحجر في الفقه والاجتهاد. هذا وقد عزا المؤلف أسباب التحجر الأخير إلى الأمور التالية:
1- التعصب الأعمى لفتاوى الفقهاء القدامى.
2- عدم الاهتمام بتأثيرات الزمان والمكان في الموضوعات.
3- عدم معرفة الموضوعات بشكل كافٍ.
4- عدم الاهتمام الكافي بدور العقل في الاجتهاد.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع