عليّ بن الحسين عليه السلام والتكافل الاجتماعيّ التربية الروحيّة في دعاء مكارم الأخلاق الحياة السياسيّة للإمام السجّاد عليه السلام في فكر الإمام الخامنئي دام ظله أول الكلام: شوقٌ إلى الحسين عليه السلام أخلاقنا: الطلاق حلّ أم مشكلة؟ إضاءات فكرية: فلسطين للفلسطينيين اعرف عدوك: "إسرائيل" وقضيّة أطفال اليمن أسرتي: مهر المرأة: مفاهيم خاطئة أول الكلام: لا يوم كيومك يا أبا عبد الله مع إمام زماننا: وظائف المنتظـــرين(1)(*)

إضاءات فكرية: فلسطين للفلسطينيين


د. علي عبد الله فضل الله


يدّعي الصهاينة أنّ أرض فلسطين لهم، وعلى ذلك يسوقون أدلّة وبراهين، ويشيعونها في العالم، منذ عقود طويلة. وعلى الرغم من مرور هذا الوقت كلّه، وإغراق الإعلام والمنابر والمحافل العلميّة بهذه الادّعاءات، لا زال الوهن يصيب السرديّة الصهيونيّة في شأن أحقّيّة اليهود في فلسطين. ولم تؤدِّ حفلات "التطبيع" إلى طمس الرواية الحقيقيّة لمن يملك هذه الأرض، بل بالعكس، كشفت الحرب على غزّة مؤخّراً عن وجود جيل فلسطينيّ، مسلم أيضاً، من الشباب والفتية، مصمّمٌ على التحرير، ولو بالقوّة، وهذا ليس خبراً سارّاً لحمَلة المشروع الصهيونيّ، القدامى والجدد.

نعرض هنا، في الحلقة الأولى، وباختصار، لخمس شبهات حول ملكيّة اليهود، حصراً، لأرض فلسطين:

•الشبهة الأولى: الحقّ الدينيّ
يكرّر بعض أحبار اليهود عبارة في سفر التكوين، على شكل وعد الله تعالى للنبيّ إبراهيم عليه السلام: "لنسْلِك أُعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير؛ نهر الفرات". ويعدّون مثل هذا النصّ، وأمثاله، مسوّغاً لاحتلال كلّ المساحة الواقعة ما بين النيل والفرات، ومبرّراً لطرد الشعوب التي تسكن هذه الأرض، منذ آلاف السنين، لاسترداد هذا "الحقّ" المدّعى.

يمكن ملاحظة أنّ هذا النصّ، الوارد في العهد القديم، لا يقتصر على فلسطين التاريخيّة فقط؛ لذلك، على قادة الرأي اليهود التصريح العلنيّ برغبتهم في حيازة كلّ هذه المساحة ما دام المبرر دينيّاً. فلماذا لا يصرّحون علناً، ودائماً، بذلك؟ الجواب معروف طبعاً، وهو حجم التبعات المعاصرة لكلام "استعماريّ" سلطويّ من هذا النوع، وصعوبة تسويقه في المدى المنظور.

في الإجابة عن هذه النقطة، يمكن عرض بضع نقاط سريعة:

أولاً: المسوّغ الديني يُلزم أتباعه حصراً، وليس أصحاب الديانات والأفكار الآخرين، وإلّا، فإنّ المسلمين يعتبرون أنّ التوراة حُرّفت، ولهم على ذلك أدلّة.

ثانياً: هذا النصّ الدينيّ، إذا سلّمنا جدلاً بصحّته، هو لنسل إبراهيم عليه السلام وليس لليهود، والفارق كبير.

ثالثاً: العهد لإبراهيم عليه السلام يخصّ من بقي منهم على عهد ونهج النبيّ العظيم، وهذه نقطة مهمّة. فالوراثة العامّة تقوم على قيم وفكر، وليس على إرث نسبيّ مدّعى.

رابعاً: إنّ نسل إبراهيم عليه السلام لا يختصّ بحفيده يعقوب عليه السلام، بل أيضاً، وأوّلاً، بنسل أوّل أبنائه إسماعيل عليه السلام العربيّ.

خامساً: وفق منظور المسلمين الدينيّ، وهم أغلب سَكَنَة أرض فلسطين منذ زمن طويل، فإنّ ﴿أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (آل عمران: 68)، ﴿وما كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾ (آل عمران: 67). وقبل كلّ شيء، يعتقد المسلمون أنّ ﴿الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128).

في الخلاصة، وبمقاربة محايدة، يقابل الحقّ الدينيّ حقّاً دينيّاً آخر، لكن ما يُضعف ادّعاء بعض اليهود "بحقّهم" أيضاً، هو مخالفة يهود آخرين لذلك، وهو ما سنلحظه في ما يلي.

•الشبهة الثانية: أسبقيّة السُّكْنَى
روّج بعض آباء الصهيونيّة، ومؤرّخيهم، أنّ اليهود هم أوّل من سكن فلسطين، وبالتالي، تكون الأرض لمن سبق بالتوطّن فيها. طبعاً، أُجيبَ على هذا الادّعاء كثيراً، ومن الواضح أنّ أرض فلسطين سُكنت من قِبل إبراهيم وموسى عليهما السلام.

تشير الوثائق التاريخيّة إلى اليبوسيّين والكنعانيّين كأوّل من قطن هذه الأرض، والكنعانيّون نزحوا من شبه الجزيرة العربيّة من الأساس. حتّى في العهد القديم، يرد نصّ: "وأعطي لك ولنسلِك من بعدك أرض غربتك كلّ أرض كنعان"، حيث نُسبت الأرض للكنعانيّين.

يشبه هذا المنطق دعاوى الأساس الفينيقيّ للبنان (مع أنّ الفينيقيّين كنعانيّون للمفارقة)، أو الأصل الآشوريّ للعراق، أو الفرعونيّ لمصر. لا يمكن، بحال، استخراج مرحلة تاريخيّة محدّدة، دون غيرها، ونسبة ملكيّة أرض وشعب وثقافة لها.

•الشبهة الثالثة: النقاء العرقيّ
على جاري النظريّات العرقيّة العنصريّة التي سادت أوروبا حتّى منتصف القرن العشرين، ادّعى منظّرو الصهيونيّة أنّهم أبناء يعقوب وإسحاق عليهما السلام، وأنّهم بالتالي الورثة الحقيقيّون للأرض التي سكنها "أجدادهم". طبعاً، هذا كلام لا يصمد أمام أيّ تقييم علميّ، خصوصاً مع تطوّر الأبحاث الجينيّة مؤخّراً. فالأعراق اختلطت كثيراً خلال آلاف السنين، بل تشير أصول أغلب اليهود، اليوم، إلى جذور أبعد ما تكون عن فلسطين.

ومن المعروف التنوّع الكبير بين مذاهب اليهود التي تربو على السبعين. وحين طُرحت فكرة إنشاء وطن قوميّ لليهود، كانت فلسطين خياراً متأخّراً، ولم تكن خياراً واضحاً منذ البداية. فحاييم وايزمان طرح أوغندا، وثيودور هرتزل طرح، في البداية، موزمبيق، وربّما الكونغو الاستراتيجيّة. وكانت ثمّة طروحات حول الأرجنتين وسيناء وغيرهما، وربّما تكون القرم خياراً أفضل تبعاً للأصول العرقيّة لبعض اليهود.

هذا يشير بوضوح إلى أنّ الكلام في النقاء العرقيّ للشعب اليهوديّ وهمٌ أرادوا بيعه، وليس من الصعب الالتفات إلى أنّ اليهود من أصول أميركيّة أو أوروبيّة أو مغربيّة أو يمنيّة أو روسيّة وغيرها؛ أي أنّهم من أصول مختلطة أو متباعدة أو مستجدّة.

إنّ كلّ الكلام عن وحدة العرق اليهوديّ و"الحقّ" في فلسطين، لم يُشع إلّا في التاريخ الحديث، إذ لم يكن متداولاً طوال قرون. في المقابل، ثمّة من الطوائف اليهوديّة من يرفض أساساً تجميع اليهود في فلسطين، ويعدّ هذا الأمر خطراً عليهم وعلى بقائهم.

•الشبهة الرابعة: خلوّ فلسطين من الناس
من الأكاذيب التي أشاعها الصهاينة لتبرير احتلالهم لفلسطين، هي أنّها "أرضٌ بلا شعب". غريبٌ هذا الادّعاء، ولو كان فيه نسبة من الصحّة، لما انتدبت عصبة الأمم المتّحدة بريطانيا على شعبها، ولا طُرح تقسيم فلسطين لاحقاً. تهافتَ هذا الكلام مع مرور السنين، واتّضح وجود شعب كامل طُرد من أرضه بشكل تعسّفيّ وعدوانيّ. ففي حرب 1967م وحدها، هُجّر 58% من الفلسطينيّين من أرضهم.

هذا، ولم تكن فلسطين خالية من ناسها في أيّ يوم من الأيّام، وما جرى كان احتلالاً استيطانيّاً متوحّشاً طرد شعباً وأحلّ شعباً آخر مكانه.

•الشبهة الخامسة: بيع الفلسطينيّين لأرضهم
يؤكّد بعض الصهاينة، من اليهود وغيرهم، أنّ الفلسطينيّين باعوا أراضيهم لليهود خلال عقود، فأصبحت الأرض، بموجب عقود البيع، للمشترين. للإجابة عن هذا الكلام، لا بدّ من التذكير أنّه في العام 1948م؛ أي في عام قيام كيان الاحتلال، كانت نسبة الأراضي التي يملكها اليهود في فلسطين هي 6%، وبشهادة الأمم المتّحدة. هذا الرقم الصغير يوضح هذه الشبهة. ومن هذه الـ 6%، 4,5% كانت بسبب عمليّات شراء حصلت كما يبدو.

في الواقع، تتنوّع عمليّات انتقال ملكيّة الأراضي من الفلسطينيّين وغيرهم، إلى مالكي أراضٍ يهود، وقد أخذت أكثر من شكل؛ بعضها كان عمليّات بيع عاديّة، وبعضها تمّ مع عائلات إقطاعيّة من خارج فلسطين (كبعض العائلات اللبنانيّة المعروفة). وإذا دقّقنا في ما جرى حينها، نكتشف أنّ الاحتلال البريطانيّ كان له دور كبير في الدفع ببعض عمليّات البيع، والسبب تضييقه على أصحاب الأراضي العرب، ومنعهم من استثمار أراضيهم. أكثر من ذلك، فإنّ امتلاك أثرياء يهود لبعض الأراضي، جاء على شكل أُعطيات بريطانيّة لهم دون أيّ وجه حقّ، وبقوّة الاحتلال.

وقد حصلت جهود كبيرة، في تلك السنين، للحؤول دون بيع الأراضي لليهود. وقد وصل الأمر عام 1935م بمؤتمر علماء فلسطين الأوّل إلى إصدار فتوى بتحريم البيع. وقام المسلمون بالردّ بشراء أراضٍ، ووقفها أحياناً، للحدّ من تمدّد أعمال التملّك اليهوديّ بالشراء أو بالفرض. وبعد "نكسة" عام 1967م، خسر الفلسطينيّون 77% من أرضهم بقوّة الحرب، وهذا يشير، مجدّداً، إلى أنّ بعض عمليّات بيع الأراضي لم تكن السبب في ضياع فلسطين كلّها، وإلى أصالة حقّ أرض فلسطين للعرب والمسلمين، وهو حقّ لا يسقط بمرور الزمن ولا بتآمر الكثيرين، من الأقربين والأبعدين.


1. سفر التكوين 15: 3-5.
2. (م. ن.) 17: 8.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع