مع الإمام الخامنئي: الإمام الخمينيّ صانع التحوّلات (*) آثار الانتظار (3): الارتبــــاط بالإمام عجل الله تعالى فرجه(*) إلى كل القلوب: وصية الأمير عليه السلام: تقوى الله (2) تسابيح جراح: وصار الجرح هويّتي حكايا الشهداء: السيّد ذو الفقار عن قُرب أخلاقنا: الأسرة: مجلسُ أخلاق (2) أول الكلام: على أعتاب المعصومــة عليها السلام بقـــمّ منبر القادة: إنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ وصيّة الأمير عليه السلام: تقوى الله(1) أيام الله: ليلة القدر وليالٍ عشر

أكل الربا طعامٌ من نار(*)

 


بات معلوماً أنّ الإسلام ينهى بشدّة عن الربا، ويعدّه من المحرّمات الكبيرة بسبب نتائجه المدمّرة. ولكن ما رأي قرّائنا الأعزّاء لو نضع بين أيديهم بعضاً من الآثار الدنيويّة والأخرويّة لآكل الربا، ليطّلعوا على ما ينتظر هؤلاء من عواقب وخيمة.

يقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 275). 

•آكلو الربا كالمجانين
إنّ آكلي الربا وآخذيه يخرجون يوم القيامة من قبورهم على هيئة خاصّة، يعرفهم أهل المحشر بها؛ لأنّهم انحرفوا عن العقل والشرع، وابتعدوا عن مقتضى الحياة الإنسانيّة التي هي الرحمة والعدالة ومساعدة الآخرين. 

•هل الربا كالبيع والشراء؟
كلّما قلنا لهم: "لماذا تأكلون الربا؟" قالوا: "الربا نوع من أنواع البيع والشراء، ولا فرق بين الربا والتجارة، ولأنّ البيع حلال فالربا حلال"، في حين أنّ هذا المرابي لم يفهم أنّ ثمّة فرقاً كبيراً بين الربا والبيع؛ فالبيع عبارة عن تغيّر المال الذي لا يحتاج إليه ومعاوضته بمال يحتاج إليه، وهذا أمر عقلائيّ عادل ومن لوازم الحياة الاجتماعيّة الإنسانيّة. أمّا الربا، فهو عبارة عن إعطاء المال الذي لا يحتاج إليه إلى من يحتاج إليه، بشرط أن يضيف إليه مبلغاً من المال عند إعادته، أو يشترط عليه أن يضيف إليه كذلك إذا لم يعده في المهلة المحدّدة للسداد.

•بعض الآثار الدنيويّة والأخرويّة للربا

1- الآثار الدنيويّة 

أ- الحرمان من البركات: يُحرم آكل الربا من الخيرات والبركات المعنويّة التي تأتي من الكسب والعمل والسعي في تحصيل المعاش، كما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال"(1)، و"التاجر الصدوق يوم القيامة مع الصدّيقين والشهداء"(2).

ب- الحرمان من التوكّل على الله: من جملة ما يحرم منه أيضاً، صفة التوكّل على الله، والتضرّع واللجوء إلى الذات الإلهيّة المقدّسة، وطلب البركة منها؛ لأنّ آمال آكلي الربا تكون كلّها معلّقة بهذا الربح الذي يأخذونه من المستدين المسكين، وهذا شرك واضح.

ج- الحرمان من الثواب الكبير: الذي يمنحه الله للقرض الحسن، فللصدقة -التي هي إعطاء المال للمستحقّ بدون عوض- عشر حسنات، أمّا الإقراض، الذي هو إعطاء المال لأخذه بدون زيادة، فله ثماني عشرة حسنة. والذي يمنح المستدين مهلة جديدة، يحصل في كلّ يوم على ثواب المتصدّق بالمال نفسه في سبيل الله. وآكل الربا هو في الحقيقة مكذّب بالأجر والثواب الذي وعد الله به في مقابل الصدقة والقرض الحسن، وهو مبتلى بالبخل والحرص، ولا شكّ في أنّ عاقبة البخل هي النار والعذاب.

د- الفقر وسوء الحظّ: يقول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة: 276).

نعم، وإن كان مال الربا كثيراً، إلّا أنّه يجرّ صاحبه إلى الفقر وسوء الحظّ، حيث ثبت بالتجربة أنّ المال الربويّ لا يدوم؛ فإمّا أن يخسره الآكل أو يخسره أبناؤه وورثته.

2- الآثار الأخرويّة

أ- العذاب الأليم والخالد: لأنّ المفاسد العظيمة الدنيويّة والأخرويّة لآكل الربا أكبر من الذنوب الأخرى للآكل وللمجتمع، شدّد القرآن الكريم والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام على هذا الذنب كثيراً واعتبروه من الذنوب الكبيرة، فإذا ما أصرّ آكل الربا على عمله، ولم يندم على هذا الفعل الشنيع، ولم يقبل بالحكم الإلهيّ، كان نصيبه الخلود في جهنّم ولا وسيلة أمامه للنجاة، ولهذا يقول سبحانه: ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ (البقرة: 275).

وكما نعلم، تكفي التوبة في بعض الذنوب فيُغفر لصاحبها من دون حاجة إلى شيء آخر، مثل قضيّة الصيام والصلاة بعد التوبة، ولكن في ذنوب أخرى لا بدّ من الجبران، كآكل الربا، فلا بدّ من إرجاع المال المأخوذ من الربا لصاحبه بعد التوبة، ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 275).

ب- آكل الربا يأكل النار: عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "من أكل الربا، ملأ الله بطنه ناراً بقدر ما أكل منه، فإن كسب منه مالاً لم يقبل الله شيئاً من عمله، ولم يزل في لعنة الله والملائكة ما دام عنده منه قيراط"(3).

ج- نموذج عن عذاب آكل الربا في النار: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لمّا أسري بي إلى السماء، رأيتُ أقواماً يريد أحدهم أن يقوم ولا يقدر عليه من عِظَم بطنه، فقلت: مَن هؤلاء يا جبرائيل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلّا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ، وإذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النار غدوّاً وعشيّاً، يقولون: (ربّنا متى تقوم الساعة؟)"(4). طبعاً، المراد بعذاب النار هنا العذاب في البرزخ.

•علّة تحريم الربا(5)
1- عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن علّة تحريم الربا، قال عليه السلام: "إنّه لو كان الربا حلالاً، لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه، فحرّم الله الربا لنَفْر الناس عن الحرام إلى التجارات وإلى البيع والشراء، فيفضل ذلك بينهم في القرض".

2- عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إنّما حرّم الله عزّ وجلّ الربا لئلّا تمتنعوا عن اصطناع المعروف".

3- عن محمّد بن سنان أنّ أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام كتب إليه في ما كتب من جواب مسائله علّة تحريم الربا: "إنّما نهى الله عزّ وجلّ عنه لما فيه من فساد الأموال؛ لأنّ الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمَين كان ثمن الدرهم درهماً وثمن الآخر باطلاً، فبيع الربا وشراؤه وَكْسٌ (نقصٌ وخسارة) على كلّ حال، على المشتري وعلى البائع، فحظر الله تبارك وتعالى على العباد الربا لعلّة فساد الأموال، كما حظر على السفيه أن يُدفع إليه ماله لما يتخوّف عليه من إفساده حتّى يؤنَس منه رشداً، فلهذه العلّة حرّم الله الربا وبيع الدرهم بالدرهمَين يداً بيد. وعلّة تحريم الربا بعد البيّنة، لما فيه من الاستخفاف بالحرام المحرّم، وهي كبيرة بعد البيان، وتحريم الله تعالى لها لم يكن إلّا استخفافاً بالمحرّم للحرام، والاستخفاف بذلك دخول في الكفر. وعلّة تحريم الربا بالنسيئة لعلّة ذهاب المعروف، وتلف الأموال، ورغبة الناس في الربح، وتركهم القرض وصنائع المعروف، ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال".

(*) مقتبس من كتاب الذنوب الكبيرة للشهيد السيّد عبد الحسين دستغيب، أكل الربا - بتصرّف.
1.وسائل الشيعة (آل البيت)، الحرّ العامليّ، ج17، ص21.
2.المحجّة البيضاء، الفيض الكاشانيّ، ج3، ص140.
3.مستدرك الوسائل، الميرزا النوريّ، ج13، ص332.
4.(م. ن.)، ج13، ص331.
5.علل الشرائع، الصدوق، ج2، ص482- 483.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع