مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

احذر عدوك: الرغبة في كشف الأسرار (1)

 

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّه وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27).

لماذا نشعر بالرغبة العارمة في كشف الأسرار وتسريبها؟ وما هو الدافع والهدف من إشاعة ما يسيء لسمعنا وسمعتنا، أو يكون خطراً علينا؟ وإذا كان تسريب السرّ خيانة، فهل نشعر أنّنا نخون أنفسنا بذلك؟ وهل يعدّ عدم القدرة على كتم الأسرار حالة مرضيّة؟ وما هي أسباب هذا العجز عن كتمان الأسرار؟

•إغراء الأسرار
لا شكّ في أنّ الإنسان عندما يقوم بأيّ عمل، يكون لديه دافع وهدف وقصد، ولا شكّ في أنّ الهدف الأساس الذي يخلق الدافع لدى أيّ إنسان، هو الحصول على فائدة أو منفعة ما. لكنّ السؤال الذي يصعب الجواب عنه إلّا بعد تحليل كوامن نفس الإنسان والبنية النفسيّة التي شكّلت ميوله، هو: لماذا يقوم الإنسان بعمل يتضمّن بشكل مؤكّد خطراً أو ضرراً يصيبه بسببه، بل قد يصرّ عليه ولا يتورّع عنه، مهما تكرّرت النصيحة وكثر الناصحون؟ هذا السؤال يفتح أمامنا الباب للعديد من الأسئلة الأخرى.

ويبدو أنّ الكثيرين منّا لا يستطيعون مقاومة إغراء الكشف عن أسرارهم وأسرار الآخرين، ويعيشون الصراع مع هذا الإغراء، بل يصيرون عبيداً لهذا الشعور، ويتحرّكون بإغرائه. وهو ما يجعل هذه الأسرار تحتلّ حيّزاً كبيراً من أفكارنا؛ لأنّنا عندما نهتمّ بإخفائها، تستحوذ عادةً على انتباهنا، الأمر الذي يحفّزنا على البوح بها للمقرّبين منّا. وتتعلّق الأسرار غالباً بقضايانا الشخصيّة، وعلاقاتنا الخاصّة، والأمور السريّة الخاصّة والعامّة.

•الأسرار ووسائل التواصل
وصلت أعداد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعيّ في العالم اليوم إلى 3,4 مليار مستخدم (إحصاءات الاتّحاد الدوليّ للاتّصالات)؛ أي ما يقارب نصف سكّان الكرة الأرضيّة، وهم يتشاركون المعلومات والأسرار بهذه الوسائل وغيرها، بشكل كثيف وواسع وشامل لكلّ أمور الحياة، وبكلّ الأساليب الممكنة؛ النصيّة والصوتيّة والتصويريّة، فينشرون قضاياهم الخاصّة على صفحات الإنترنت، بما فيها من أسرار عائليّة ومشاكل اجتماعيّة. فما معنى أن يتحوّل النقاش إلى صفحات التواصل الاجتماعيّ عن مسائل مثل الطلاق أو مسائل مسيئة لصورة الفرد والمجتمع، وتُظهر المجتمع بصورة بذيئة ومشينة ومهينة، ويدور الجدل حول هذه المسألة، وتتحوّل إلى اصطفاف لهذا الجانب أو ذاك؟ ولماذا؟

لقد بات الناشط على "الفايسبوك" أو "الواتس آب" أو غيره في كثير من الأحيان، لا يتورّع حتّى عن نشر صورته باللباس العسكريّ والسلاح وفي مركزه العسكريّ أو الأمنيّ، ولا عن نشر صورته أو صورتها بلباس غير لائق وبأوضاع غير مناسبة، ولا عن نشر كلّ أوضاع الحياة الشخصيّة بكلّ تفاصيلها، وفي كلّ الظروف والأشكال، متجاهلاً ومتغافلاً عن أخطار ذلك عليه وعلى من حوله.

المشكلة في أنّ الهوس بهذه السلوكات يمتدّ، وتتّسع رقعته، وليس بين عموم الناس فحسب، بل بات يشمل حتّى المثقّفين ومن مختلف الفئات والأعمار. والمشكلة الأساس، أن يحتذي الأطفال والمراهقون بالكبار، فيعرّضون أنفسهم للعديد من المخاطر دون وعي، فيما لا يملكون القدرة على حماية أنفسهم.

ولم يعد لما يطرح أهميّة، فالأهميّة للنشر والعرض والتبادل والتباهي والرياء والعجب وعرض ردّات الفعل، حتّى في المسائل التي تمسّ أمننا الاجتماعيّ والوطنيّ والسياسيّ والعسكريّ.

•عمل مضادّ
وهنا يُطرح سؤال: هل الاستسلام لإغراء الأسرار الهائل يُعدّ أمراً طبيعيّاً؟ وهل يمكن أن يكون له هدف نبيل، ولإيصال رسالة ذات معنى مفيد وصادق؟ وهل يجب أن يكون لدينا ردّ فعل مناسب، أو إجراء مضادّ للحدّ منه أم لا؟ لا شك في أنّ الأمر يحتاج إلى وقفةٍ جادّة ومراجعة عميقة، فقد صار ظاهرة بدأت باجتياح مجتمعاتنا بشكلٍ لافت ومخيف! ولا شكّ في أنّه لا يمكن تبرير ذلك بمبرّرات سليمة وصحيحة وصادقة، فليس مقبولاً أو صحيحاً تبرير الفساد بالتبريرات الصالحة مهما كانت. وعلى الإنسان الواعي أن ينظر في نتائج عمله، ببُعد نظر؛ كي لا يقع في المحرّمات والمخاطر التي قد تجعل مصيره وخيماً في الدنيا والآخرة.

•اضطراب نفسيّ
إنّ التقاط الكثير من الصور الشخصيّة وإرسالها، كما يقول علماء النفس، قد لا يكونان مجرّد حالة إدمان على التصوير الذاتيّ، بل هما أحد المؤشّرات الأوّليّة للإصابة باضطراب يمكن أن يؤدّي إلى عواقب نفسيّة، قد تؤدّي بدورها إلى الاكتئاب والشعور بالضعف والنقص بسبب عدم القدرة على مجاراة الحالة السائدة في العالم الافتراضيّ. كما أنّ التقاط الصور الشخصيّة وإن لم يصل إلى حدّ الإدمان؛ إلّا أنّه أحد أعراض هذا الاضطراب الذي ينطوي على الهوس.

إنّ ما يعتبر مرضاً في هذا المجال، ليس التقاط الصورة للاحتفاظ بها للذكرى، أو نشرها لإيصال رسالة هادفة ضمن ضوابط صحيحة ومقبولة، بل المرض هو نشرها دون أيّة ضوابط، حتّى لو كانت تسبّب تعاسة الآخرين وحزنهم، أو تُثير حساسيّة اجتماعيّة مذهبيّة وأمنيّة وعسكريّة، وهنا الخطورة.

أمّا ما هي الأسباب المحتملة لحالة البوح العامّة، مضافاً إلى الاضطراب النفسيّ، ونتائج هذه الحالة، فهي موضوعنا في العدد القادم إن شاء الله، مع مجموعة من النصائح والإرشادات لمجتمع يُحسن أن يُحيل وسائل التواصل من تهديد إلى فرصة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع