آخر الكلام: ليست كذبة!! تجربتي مع كورونا التعلُّم عن بُعد: هل ينجح الأهل؟ كوفيد- 19 وآثاره النفسيّـــــــة هل كورونا.. كذبة؟ (حوار مع مختصَّين من وزارة الصحّة) توجيهات اجتماعيّة وأسريّة في ظـــلّ كورونا مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله

مجتمع: لنهجٍ تربويٍّ لم يسبقه الزمن!


تحقيق: أحمد شعيتو


أمران يَفرضان في هذا الزمن المزيد من التحدّيات المتراكمة على المسيرة التربويّة: تعقّد تحدّيات الحياة، وغزو وسائل التكنولوجيا والتسلية الحديثة. وحتّى قبل البحث عن حلول لهذين الأمرين بتحدّياتهما الجمّة، كانت هناك صعوبات عدّة في ترغيب الأبناء في العلم والمتابعة الدراسيّة السليمة، فكيف وقد بتنا في زمن تشابكت فيه المشاكل والتحدّيات العائليّة والنفسيّة والاجتماعيّة ورافقها توفّر ظاهرة وسائل اللهو والتسلية بشكل واسع ومقلق بين يدي أغلبيّة الناشئة، من إنترنت، وخلوي، وآيباد وغيرها.. وأصبحت بمتناولهم في كلّ وقت، ومتى شاؤوا؟!

* معاناة الطلّاب والأهالي
تعكس الآراء المستقاة من أجواء التربية والتعليم في لبنان امتعاضاً متنامياً لدى شريحة واسعة من الطلاب وذويهم على السواء، بل قد ينسحب ذلك أحياناً إلى الكادر التعليميّ. فقد شهدت المناهج تطوّراً نسبياً، لكنّها لا تزال تحمل الكثير من الشوائب في ظلّ التحديات المجتمعيّة المتداخلة مع تلك التربويّة. وكان الهدف الأساس من تطوير المناهج التربويّة خلق مستقبل تربويّ حيويّ للطالب. إلّا أنّ هذا الهدف تواجهه ثغرات لا تزال في المناهج حتّى بعد التغييرات التي حصلت. كما تشكّل التغيّرات المجتمعيّة والتطوّر التكنولوجيّ تحدّياً يفرض سرعة التغيير.

عندما نستنطق بعض الطلّاب يشير جزء منهم إلى الكمّ الكبير من الموادّ والمعلومات المطلوب استيعابها أو حفظ مضامينها، حيث لا تجد صعوبة في ملاحظة انزعاج محمّد (في الصفّ التاسع) حين يتحدّث عن كميّة الموادّ والمقرّرات "التي تأخذ وقتاً طويلاً من ساعات التعلّم في المدرسة وفي المنزل على السواء، إضافة إلى اضطرار الأساتذة إلى المرور على كميّة كبيرة من الصفحات والتوقّع منّا أن نبصمها بعد حصة واحدة!!". فيما يشكو نبيل (بكالوريا قسم أول) من "طريقة عرض الموادّ، حيث تفتقر للسلاسة والجاذبيّة، كذلك حشو المقرّرات التعليميّة بمعلومات غير أساسيّة وغير مفيدة". ويقول آخرون: "إنّ هناك غياباً للاهتمام بالموادّ الفنيّة والرياضيّة".

غيرهم من الطلّاب يشكون كَثرة المواد الأدبيّة في الفروع العلميّة، فيقول حسين (بكالوريا قسم ثانٍ): "إنّ هذه المناهج تجعلنا مشتّتين بين العلميّ والأدبيّ بحيث نغرق في بحر من المعلومات، فيغيبُ عنّا تقدير المهمّ من الأهمّ".

أمّا الأهل فتبدأ شكواهم عند حجم الموادّ، منذ المرحلة الابتدائية، تروي سعاد (والدة لثلاثة أبناء في المرحلة الابتدائية): "عندما ينهي ابني طعام الغداء ليس لديه متّسع من الوقت ليستريح، في ظل كثرة الفروض المنزلية، والمصيبة أنّه لا يستجيب لي عندما أدرّسه بسبب التعب والملل". والأسوأ أنّ هذه المشاكل تؤدّي إلى نفور الطالب من المدرسة ككلّ.

وإذا كان الكثير من الطلّاب بعيدين عن حبّ المدرسة والتعلّم، وهو أمر معتاد تاريخياً، فقد ابتعدوا أشواطاً واسعة ومقلقة جرّاء هذه التحوّلات. من هنا يُطرح السؤال بشكلٍ واسع في الأوساط التربويّة حول الطرق الأسلم لمواجهة هذه التحدّيات. ويمكن في هذا الإطار الحديث عن: المنهج التعليميّ والتربويّ - الكادر التعليميّ - التكنولوجيا - التعامل مع توفّر أدوات اللهو - التعامل مع التحدّيات الاجتماعيّة.

* التكنولوجيا: سلاح ذو حدّين
تشير الخبيرة التربويّة والاجتماعيّة الأستاذة "أشواق منصور" في حديث لمجلّة "بقية الله" إلى أنّ وسائط الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعيّ هي ثورة فكرية جديدة ربطت بين أجزاء المعمورة ودخلت إلى عقولنا وبيوتنا، وهي سلاح ذو حدين؛ إذ يؤخذ على هذه الوسائل أنّها تؤدّي إلى تأخّر التحصيل الدراسيّ بسبب الإقبال عليها لوقت طويل وإهدار الوقت على استخدامها، وأنّها تؤدّي إلى تشتيت أذهان الطلاب بشكل دائم، الأمر الذي يسبّب الفشل الدراسيّ.

لكن إذا جرى استثمار هذه الوسائل بطريقة صحيحة فهي تؤدّي إلى نتائج مهمة وناجحة.

وتضيف منصور: "أشارت بعض الدراسات إلى أنّ إدمان كتابة الرسائل القصيرة عبر الهاتف يُفقد الطالب مهارات التحدّث، إضافة إلى إحداث خلل في سليقته العربيّة، وأنّ هذه الوسائل تهدم ما تبنيه المدارس من مهارات الكتابة والتعبير.

ومن جهة ثانية، تسبّب، إذا لم يحسن استخدامها، أضراراً اجتماعية وأخلاقية، وتضييع الوقت والكسل والإدمان عليها وانتشار الرذيلة".

* وسيلة هامّة للاستفادة العلميّة
لكنّ هذه الوسائل، من جهة ثانية، يمكن أن تكون مفيدة؛ لأنّها تساعد الطالب على:
- سهولة الحصول على المعلومة - تصفّح مواقع كثيرة يفتح مجالاً للتعلّم - إثراء المعارف والثقافات - متابعة لقطات الفيديو التعليميّة - التعرّف إلى المجتمعات العالميّة - تصفّح بعض الكتب - تبادل الخبرات والمعلومات مع الآخرين.

لذلك، بحسب الأستاذة منصور، يجب مواكبة هذه الوسائل، عبر خطوات مدروسة، ما يشكّل حافزاً تعليمياً كبيراً من خلال:
1- توجيه المؤسّسات التربويّة للطالب عَبر حصص وبرامج مخصّصة لكيفيّة البحث المنهجيّ على الإنترنت.

2- إمكانيّة إدراج المواد التعليميّة على جهاز الكمبيوتر المحمول وإدخال لوح التفاعل الإلكترونيّ.

3- فتْح مجال تواصل الطلاب مع الأساتذة على الإنترنت في متابعة الأمور التعليميّة.

* المنهج التعليميّ الأسْلم
إنّ تطوير المنهج التعليميّ واعتماده في المؤسّسات التربوية يجب أن يراعيا خصائص المجتمع ومتطلّباته، وذلك وفق نتائج دراسات عدّة. وبحسب الأستاذة منصور، لا بدّ من اعتماد أمور عديدة:

1- التوقّف عن فكرة جعل الطالب متلقّياً دون تفاعل؛ لأنّ ذلك يصعّب من ترسخ المعلومة، وهذا ما اعتمدتهُ بعض المدارس الخاصّة.

2- اعتماد فكرة البحث عن المعلومة التي أصبحت في متناول الطالب.

3- تنمية الكادر التعليميّ والعنصر البشريّ الكفؤ.

4- توفير قاعات للتدريس مجهّزة بوسائل إيضاح: مختبرات - مكتبات - أجهزة.

5- الالتزام بعدد محدّد من الطلّاب في قاعة الصفّ.

6- وضع أهداف للدرس، ثمّ إعطاء الطالب المجال للتعبير عمّا في داخله. وهذا يشكّل أمراً محفّزاً ومحبّباً.

7- اللجــوء إلى الرحــــلات التعليـــميّة والتطبيقيّة؛ ما يساهم في تغيير الجوّ الدراسيّ - الروتينيّ ويساعد في ترسيخ المعلومات.

* وسائل اللهو.. مواكَبَة ومواجَهَة
تقول منصور: "وسائل اللهو أصبحت متوفّرة جداً، وهي تحتاج إلى متابعة من الأهل في سنّ مبكرة". وتشير إلى أنّه يمكن إزاء ذلك تنظيم وقت الأبناء في استعمال هذه الوسائل، وتقديم بديل محبّب، كمشاركة الأبناء في الدرس وأخْذ المعلومة. كما يمكن اللجوء إلى ما يسمّى طريقة "التعلّم الفرديّ الذكيّ" القائم على التعلّم الذاتيّ عن طريق الإنترنت وعلى تصميم وإنزال البرامج التعليميّة. وهذا قد يشكّل عنصر جذب في المنزل ينافس وسائل اللهو.

* الكادر التعليميّ
تشير الأستاذة منصور إلى أنّ ضعف الكادر التعليميّ والعنصر البشريّ الكفؤ، وخاصّة في التعليم الرسميّ مع وجود كادر قديم، لم يقتنع بجديّة المنهج الجديد، وما زال متمسّكاً بأسلوب التلقين، هو أمر يجب معالجته؛ لأنّه يشكّل عاملاً منفّراً لدى الطالب.
وتلفت إلى أمرين لا بدّ منهما:

1- مشاركة الكادر التعليميّ في دورات تطويريّة، ومواكَبة التكنولوجيا، ووسائط التواصل الاجتماعيّ بشكل تحديثيّ دائم.

2- وجود عمليّة تفاعليّة مبنيّة على المشاركة بين الكادر التعليميّ والإدارة بشكل إيجابيّ وبنّاء لمصلحة التعليم وعدم وجود حواجز بينهما.
تعقيدات الحياة.. والمسار التربويّ

من الأمور التي باتت تشكّل خطراً كبيراً على مصير البرامج التعليميّة والمسار التربويّ العامّ في المجتمع، تنامي المشاكل العائلية نتيجة تعقيدات الحياة، وهو أمر لا بدّ من أخذه بالاعتبار. علماً أنّ المحفّزات التعليميّة، التي ذكرناها سابقاً، تشكّل بدورها وسيلة مواجهة فعّالة لهذا التحدّي.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع