مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

منازل السائرين‏: اليقظة

من أين يبدأ السالك إلى الله؟ وما هي المراحل التي عليه أن يقطعها؟ وكيف يتعرف على تفاصيل السير، ومناهج الوصول؟

هذه دروس وجيزة التعبير عظيمة النفع لكل من يريد أن يلتحق بقافلة العاشقين للجمال السرمدي والسائرين في منازل القدس.
في مراحل البدايات لا بد من ملاحظة الأمور التالية:
اليقظة والتوبة والمحاسبة والإنابة والتفكر والتذكر والاعتصام والفرار والرياضة والسماع.
وسوف نتحدث في هذه الحقة عن باب اليقظة، علماً بأننا في كل شهر سنتناول موضوعاً واحداً وتاماً.
قال الله عز وجل: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله.

إن أول ما ينبغي أن نحققه في أنفسنا هي حالة القيام لله حيث نخلع لباس الطبيعة وننصرف عن التعلقات الفانية ونتوجه إلى الله مبدأ الكل، وغاية الغايات، وما دمنا في حجاب الدنيا وغرورها فلن يتم لنا سفر.
وإدراك هذا المعنى ليس صعباً أو ثقيلاً فإن كل إنسان يدرك بفطرته أن ما يطلبه في الحياة هو الكمال اللامحدود والغنى المطلق، وإذا تأمل قليلاً يعلم أيضاً أن الله تعالى هو الغني المطلق الذي يملك الحاجات وهي مستجيبة لمشيئته. وأن هذه الدنيا لا تشكل حقيقة المطلوب، وليس فيها ما يتوجه إليه بالأصالة.
إذا أدرك السالك ذلك توجه بكل وجوده إلى الله وقام من سبات الغفلة قبل أن يدركه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا".
لأن هذه الحياة فرصة: "الدنيا ساعة فاجعلها طاعة" أمير المؤمنين عليه السلام، وسرعان ما تمر.
ولذلك ينبغي انتهاز هذه الفترة الثمينة من الحياة والنهوض للحياة الحقيقية من خلال الالتفات إلى حقيقة المقصد. فالحياة الحقيقية هي التي لا نوم فيها أبداً".

* كيفية تحقيق اليقظة

تتحقق اليقظة بثلاثة أمور:
الأول:
الالتفات إلى نعم الله تعالى ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها والبدء من النعم المعنوية العظيمة التي هي أصل كل كمال، والالتفات إلى نظام الكون الذي سخر للإنسان ليهي‏ء له ظروف التكامل والهداية.
فالإنسان الذي يسرح ببصره في آفاق الوجود ويلاحظ نعم الله اللامتناهية سرعان ما يستيقظ وينتبه إلى أنه خلق لمقصد عظيم وغاية سامية، فيسخر من تلك الآمال المنحطة التي رسمت شعار حياته في السابق ويندم على ما فات من قضاء الأيام في سعي نحو سراب يحسبه الظمآن ماء.

ثم إنه إذا أدرك عظم النعم من خلال اليأس من عدها أو الوقوف على حدها التفت إلى المنعم سبحانه وتوجه إليه بكل وجوده، وطالع في طيات نعمه ليدرك شؤونها فيصاب بحالة من الشعور بالتقصير، وهذا أدب شريف يصحح السير ويدخل السالك إلى ساحة العبودية الحقة ويجعله من أهل الطاعة الإنابة.

الثاني:
النظر إلى الذنوب والمعاصي، وإدراك حجم الجناية التي ارتكبها في حياته بعيداً عن طاعة ربه والتوجه إليه وتوحيده. فإن الذنوب أدران وكدورات تعلق بالقلب فتحجبه عن مشاهدة جمال الحق. "لا أحسب أحدكم ينسى شيئاً من أمور دينه إلا بخطيئة أخطأها" رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فإذا لم يتدارك السالك تبعات الذنوب التي اجترحها والأحوال الذميمة التي يعيشها فما أسرع ما أن تقفل على القلب أبواب التنبه واليقظة، وإذا بالحقائق الكبرى تتحول إلى ظنون وشبهات، كما قال سبحانه: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً.
وقال عز من قائل: ﴿ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون.

هذه الذنوب تؤثر في النفس إلى الدرجة التي تجعل الإنسان يجحد بالآيات الإلهية والمظاهر الرحمانية، وتدفعه إلى الاستهزاء الذي هو أشد من الجحود. وفي دعاء أمير المؤمنين عليه السلام المعروف بدعاء كميل نقرأ:
اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء
اللهم اغفر لي الذنوب التي تقطع الرجاء..

فعليك أيها السالك العزيز أن تنهض بعد مطالعة الجناية ومعرفة حجمها لتدارك آثارها والتخلص من ربقها وتبعاتها، وأن تطلب النجاة وذلك من خلال التدقيق في الذنوب وتمحيص الأفعال. ولا تكن ممن يخدع نفسه بإلقاء الأعذار لأنك لن تقدر على ذلك يوم لا ينفع مال ولا ينون، بل اقرأ ما قاله آل بيت العصمة والطهارة في أدعيتهم: "وقد جعلت الاعتراف بالذنب إليك وسيلتي".

الثالث:
الانتباه إلى نتائج الأعمال وآثار الأفعال، والتعرف على ما يكون سبباً لزيادة حالة السالك ومرتبته من الطاعات والخيرات في أيام عمره، وما هو سبب نقصان حاله ومرتبته. فينهض بعزم وشق ورغبة ويتخلص من البطالة، وسيشمر عن ساعد الهمة فيتدارك ما فاته ويعمر ما بقي له.
وهذا من أنفع الأمور فعليك بتجربته وتأمل فيه جيداً.

* تنبيه‏
إن معرفة النعمة وتحقيق الأمر الأول لا يصفو إلا بثلاثة أشياء:
1- بنور العقل وقوته، لأن الجاحد لا يرى لغيره نعمة.
2- والتفاؤل بالنعم، لأن اليائس لا يرى نعمة أصلاً.
3- والاعتبار بأهل البلاء.

وكذلك فإن مطالعة الجناية لا تصح إلا بثلاثة أشياء:
1- تعظيم الحق سبحانه، لأن مخالفة العظيم عظيمة.
2- ومعرفة النفس ومنزلتها. فمن عرف نفسه أدرك هول ما جنى.
3- وتصديق الوعيد وهو الحساب والآخرة، وملاحظة عذاب النار ويوم القيامة.
ولا يستقيم الأمر الثالث إلا بثلاثة أشياء أيضاً:
1- التعلم: لأنه الطريق الأوحد لمعرفة المنجيات والمهلكات وأفضله المواعظ الأخلاقية والأحكام الشرعية.
2- صحبة الصالحين: من السالكين، فتتأدب النفس بآدابهم وتتخلق بأخلاقهم وتستمد منهم، فإن النفس لا تتأثر بشي‏ء كالصحبة "أحب الصالحين ولست منهم".


* مقتبس من كتاب منازل السائرين للعارف الشيخ عبد الله الأنصاري.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال الله عز وجلّ:
ما يتقرّب إلي عبد من عبادي بشي‏ء أحب إلي مما افترضته عليه. وإنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وأن سألني أعطيته.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع